فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 3028

ـ أسس إسماعيل ميرزا شاه الدولة الصفوية عام 914هـ/1508م، وأعلن المذهب الشيعي مذهبًا رسميًا في إيران، وسميت تلك الدولة بالصفوية؛ نسبة إلى صفي الدين الأردبيلي المتوفى سنة 650هـ، وقد كان هذا الرجل من شيوخ الصوفية التقليديين وكان شافعي المذهب، إلا أنه تحول للمذهب الشيعي، وصار داعية له، حتى كثُر أتباعه، وتحولت الصفوية من دعوة إلى دولة، وتوسعت من العراق إلى أفغانستان.

ـ وقد ناصبت الدولة الصفوية دولة الخلافة العثمانية العداء، وحاول الصفويون الإيرانيون الاستعانة بغرمائهم القدامى من الروم الصليبيين على العثمانيين المسلمين السنة، بل كان لهم دور كبير في إيقاف المد الإسلامي إلى داخل أوروبا، فقد كانت مؤامراتهم سببًا في إيقاف جيوش العثمانيين عند أبواب فيينا. لكن السلطان العثماني (سليمان الأول) ألحق بالصفويين هزيمة موجعة عام 920هـ ـ 1514م. لكن الصفويين ظلوا على عهد الشقاق والمحاربة لجيرانهم من المسلمين السنة، حتى سقطت دولتهم على يد الأفغان بقيادة (محمود خان) الذي غزا أرض فارس، واستولى على العاصمة أصفهان (مخرج الدجال) ، وقامت بعد الدولة الصفوية الشيعية عدة دول؛ هي الدولة الأفشارية، ثم القاجارية التي اتخذ حاكمها (آغا محمد خان) من طهران عاصمة لإيران.

ـ ثم جاء عصر الاستعمار الأوروبي الحديث، ليكون حلقة جديدة من حلقات الصراع بين الفرس والروم، حيث تدخّل النصارى الإنجليز، ومعهم النصارى الروس في شؤون إيران، وأرغموا الإيرانيين على تنازلات وتسهيلات، دعمت مصالح الإنجليز، ومكنت الروس من السيطرة على بلاد القوقاز (جورجيا، وأرمينيا، وأذربيجان، والشيشان) .

ـ وظلت إيران منطقة تنازع مصالح بين الروس والإنجليز، حتى مطلع القرن العشرين؛ حيث كانت روسيا تسعى دائمًا للسيطرة على إيران؛ لتنفذ منها إلى المياه الدافئة في الخليج، وهو الهدف نفسه الذي كانت إنجلترا تسعى إليه. وقد احتدم النزاع بين الطرفين المتنافسين إلى درجة إعلان إنجلترا الحرب على إيران للحصول على مصالحها بالقوة رغمًا عن الروس، وبالفعل تمكنت بريطانيا بعد حربها مع إيران من الحصول على امتيازات لإنشاء طرق المواصلات، والسكك الحديدية، والتنقيب عن النفط والمعادن في إيران لمدة سبعين عامًا، بدأت من سنة 1872 للميلاد.

ـ دخلت (روما الجديدة) أو: الولايات المتحدة الأمريكية على خط الأطماع في (فارس الجديدة) أو: إيران، ففتحت لها سفارة طهران سنة 1882م، ونشأ في إيران جيل مستغرب جراء تغلغل الثقافة الغربية في بلاد الفرس، وبعد الحرب العالمية الأولى سادت إيران موجة من الفوضى، حيث كانت قد قسمت إلى مناطق نفوذ بين الروس والإنجليز. لكن إيران لم تخضع كليًا للاحتلال في العصر الحديث مثلما حدث لمعظم بلدان المسلمين؛ التي وقعت فريسة للغارة الغربية على العالم الإسلامي، فالنصارى الإنجليز احتلوا العراق، واحتلوا بالتقاسم مع الفرنسيين أرض الشام في غياب الغريم التاريخي في أرض فارس.

ـ بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بعامين، قام أحد ضباط الجيش الإيراني وهو: (رضا بهلوي) بانقلاب استولى فيه على السلطة، ثم أعلن نفسه ملكًا على البلاد عام 1925م، ولقب بـ (الشاه) يعني: الملك. وقد عمل على تخليص إيران من النفوذ الغربي، وتقويتها اقتصاديًا وعسكريًا، وكانت إيران حتى ذلك العهد يجري التعامل معها على أنها بلاد فارس، إلا أن رضا خان اختار لها اسم (إيران) ، كاسم رسمي للدولة البهلوية، ولما قامت الحرب العالمية الثانية رفض أن ينضم إلى الحلفاء: (إنجلترا، وفرنسا، وروسيا) ، فاضطره الإنجليز أن يتنازل عن العرش، ويغادر إيران إلى جنوب إفريقيا، وظلّ فيها حتى مات سنة 1940م.

ـ خلف الشاه (رضا خان) ابنُه الشاه (محمد رضا بهلوي) ، بعد سماح الغرب له بذلك. وبعد تعيينه بعام، حسم الغرب نزاعه مع الروس في إيران، بأن ضغطت أمريكا المنتصرة في الحرب على روسيا للانسحاب من الأراضي التي كان احتلها (ستالين) في الشمال الغربي من إيران أثناء الحرب العالمية الثانية، وحاول الشاه الشاب أن يسير خطوات أخرى نحو استقلال إيران، حيث أممت الحكومة الإيرانية في عهد رئيس وزرائه (محمد مصدق) البترول الإيراني الذي كانت إنجلترا تحتكر السيطرة عليه بامتيازات سابقة، لكن إنجلترا ردّت بتجميد أرصدة إيران في بنوكها، وفرضت حظرًا تجاريًا على إيران، أدى إلى انهيار الاقتصاد الإيراني، وتحالفت أمريكا مع بريطانيا لإسقاط حكومة مصدق؛ كي تؤمن النفط ضد التأميم من جهة، وأن تَحُول دون تَحَوُّل إيران إلى الشيوعية من جهة أخرى.

ـ بعد إسقاط حكومة (مصدق) ، بدأت إيران فترة من الارتماء في أحضان الغرب، واستغل الشاه تلك الفترة في إعادة بناء البلاد على أسس حديثة في ظل انتعاش اقتصادي، لكن هذا الانتعاش الاقتصادي، واكبه انهيار ثقافي وأخلاقي؛ بسبب الغزو الفكري الغربي لإيران، وهو ما استغلته القيادات الدينية الشيعية بزعامة «آية الله» الخميني، الذي قاد ثورة دينية شيعية أطاحت بالحكم الملكي عام 1980م، وحولت إيران إلى جمهورية إسلامية شيعية فارسية؛ لتبدأ حلقة جديدة من الصراع بين الفرس والروم تحت شعارات دينية، وعلى أراضٍ عربية.

ـ حرب الخليج الأولى وبواكير الصراع الجديد:

بدأت دورة جديدة من الصراع بين الفرس والروم بمجيء الخميني، فبعد أقل من عام على بدء الثورة، اقتحم الطلبة الإيرانيون (الطالبان الشيعة) سفارة أمريكا في طهران واحتجزوا 52 رهينة من الأمريكيين، وحاولت الولايات المتحدة الأمريكية تحريرهم بالقوة في عملية عسكرية خاطفة، إلا أن العملية فشلت، وتسبب فشلها في إسقاط الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) في الانتخابات الثانية، وقطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، وبدأت تمارس عليها ضغوطًا اقتصادية شديدة، فرد (الخميني) بإعلان ثورة ثقافية؛ لتخليص إيران من آثار الحقبة البهلوية التي أغرقت البلاد في التغريب، وقد اقتضت هذه الثورة أن تغلق الجامعات والمعاهد العليا لمدة عامين، ريثما تتغير البيئة التعليمية ليعاد بناؤها على أسس شيعية فارسية صرفة، وهو ما أنشأ جيلًا كاملًا حاملًا للتعصب الشيعي بخلفيات فارسية عنصرية.

وقد أثارت الأحداث الملتهبة للثورة الإيرانية، موجة من الحماس في العالم الإسلامي مع تلك الثورة، إلا أن الوعي العام للأمة لم يكن كافيًا لإدراك أن تلك الثورة «الإسلامية» لم تكن إلا ثورة مذهبية شيعية، تعمل لحساب الشيعة فقط؛ بل لحساب الشيعة الفرس فقط، وهذا ما أثبتته الأيام والوقائع، ولا زالت تثبته.

شاء الله ـ تعالى ـ أن تكون إلى جوار تلك الدولة الفتية الناشئة على القومية الفارسية بغلو ظاهر، دولة أخرى تحاول تَزَعُّم العرب تحت راية القومية العربية بغلو لا يقل عن غلو الفرس في قوميتهم. وحاول الروم استغلال نتن الجاهليتين: الفارسية والعربية، غير مغفلين تأجيج الخلافات المذهبية للإيقاع بينهما في حرب ضروس، تستنزف أرواح، وأموال، ومقدرات البلدين، بل ما حولهما من البلدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت