فهرس الكتاب

الصفحة 2525 من 3028

أما عن بداية الإرجاء فقد زعم بعض من تناول ذلك الأمر أنها ترجع إلى موقف بعض الصحابة إبان إطلال الفتن برأسها عند إرهاصات قيام الدولة الأموية ، وهم الذين لم يشاركوا في تلك الفتن إلا أننا نرى أن ذلك تزيد معيب على تلك الفترة يحمّلها أكثر مما تطيق ، ويجعلها نواة كل فساد ظهر في تاريخ المسلمين بعدها ، وما اعتزل بعض الصحابة الفتنة إرجاءً بل إن منهم من لاح له وجه الصواب فاتبعه ، ومنهم من غمض عليه جلية الأمر فآثر السلامة وحسب..! وهو موقف معتاد في مثل تلك الظروف أن يشارك البعض ويعتزل البعض الآخر! ، ولعل بعض المفكرين يخرج علينا بأن هؤلاء - كذلك - هم نواة المعتزلة ؛ لاعتزالهم ذلك الأمر!!!. [ انظر إعلام الموقعين 3/105 ] .

وما نرتضيه في هذا المقام إيجازًا أن مذهب الإرجاء يتناسب مع من يتميع في موقفه ويؤثر السلامة على المخاطرة وإن كانت بالباطل ، فإن من تلفظ بالشهادتين مؤمن كإيمان جبريل! والأعمال لا تدل على إيمان وفسق أو حتى كفر ، وليس لنا أن نزيف الباطل ونظهر عوار المفسد وندل على سوءاته ونسير فيه سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في معادلة الفاسق أو المذنب أو الكافر ، فمن ثم فهو مذهب يتناسب مع الحاكم الظالم - أو الحاكم الكافر حسب الحالة - فلن يثير أرباب هذا المذهب خلافًا مع الحاكم مهما أتى من أفعال، فهو مؤمن على كل حال ، أليس يتلفظ بالشهادتين؟! ثم ما لنا ندخل في سرائر الناس وندعي معرفة مكنونات صدورهم ، مادام العمل الظاهر لا مدخل له في قضية الإيمان ، وأن اعتقاد القلب هو المعوّل عليه في ذلك ، أليس يكفي ما ينطق به الحاكم لنكون معه في صف واحد ومسيرة واحدة نهادنه ونتعذر له المرة تلو المرة لنظل نعيش نتفيأ ضلال حكمه ، وإن ظهرت منا في بعض الأحيان - أو كلها - معاتبة أو معارضة فإنما هي معاتبة التصديق ، ونصح الأخ المؤمن لأخيه ، أو هي معارضة الخاضع ، وتبرم السائر تحت اللواء! .

ثم عامل آخر قد يكون له بعض الأثر في إطلال الإرجاء برأسه ، بل هو إلى عوامل استمراريته أقرب - وهو ظهور طوائف المنتسبين إلى مذهب الخوارج فكرًا وعقيدة - وإن لم يكن بالضرورة اسمًا - مما يزين لمن لم يتعمق النظر في دراسة العقائد وترجيح الصالح من الفاسد من الآراء - وغالبهم من الشباب على مر التاريخ دون رءوس الفتنة الذين يعون ما هم عليه من البدعة ، بل وبعضهم يقصد إليه قصدًا - أن ينتسب إلى فكر الإرجاء قولًا وعملًا - دون تسمية ودون وعي منهم بذلك ولا إدراك لحقيقة مذهب السلف الصالح ، وهذا التصرف كرد فعل غير مدروس للأفكار التي تجنح للتطرف والغلو في فهم العقيدة في الجانب الآخر ، وكلا جناحي الإفراط والتفريط إن هي إلا ردود أفعال سلبية للحكم غير المشروع الذي يسود المجتمعات الإسلامية في أي عصر من عصورها.

فالإرجاء إذن مذهب سياسي - أو قل: موقف سياسي - اتخذ طابع البحث في أوليات العقائد مع استشراء تلك الموجة في بداية عصر الأمويين وظهور علم الكلام - كما بينا عوامل ذلك في مقدمة أسباب الاختلاف - كان موقفًا سياسيًا في الحكام الظالمين ، يوم أن كانوا لا يزالون يحكّمون شرع الله ، وإن تجاوزوا الحد وأفرطوا في الظلم ، ثم استمر على ذلك النهج منهجًا للضعاف ممن يريدون مهادنة الظالم وتبرير مواقف الضعف والخزي ، حتى وإن تجاوز الظلم إلى الكفر ، ومن هنا نرى أن المرجئة لم يكونوا هدفًا للسلطة الغاشمة الظالمة في عصر من العصور ، بل كان منهم شعراء وعمال للحكام ، كثابت قطنة الذي كان واليًا ليزيد بن المهلب على بعض الثغور ، بل إنه مذهب يصلح أن يدعيه الحاكم نفسه ليكون بردًا وسلامًا على كافة الطوائف المبتدعة.

فالمرجئة - إذن - في صلحٍ خفي ومهادنة غير مكتوبة مع الحاكم يتمتعون بالحرية في الحركة والقول جميعًا ، بينما يُضرب على يد من سواهم من أهل السنة والجماعة ، كما حدث لأئمة الفقه والحديث ، كمالك وأحمد بن حنبل وابن تيمية ، وكثيرين غيرهم ممن اتبعوا منهج السلف الصالح في الفهم عن الكتاب والسنة.

وليست هذه هي الكلمة الأخيرة عن الإرجاء والمرجئة كما قدمت في أول المقال ، ولكنها نفثة غلت في الصدر وارتجّ بها القِدْرُ ، فلم يكن بُدِّ من إظهارها!.

وقد اتبعت فيها مذهبًا أراه يعين الباحث في مثل تلك الأمور ، وهو التحليل النفسي لفهم الدوافع وراء تلك العقائد المنحرفة ، وهو مذهب ارتضيناه في أسباب الاختلاف وسنجعله بعون الله تعالى أحد مصادرنا في دراسة أمثال تلك الفرق التي تحمل معول الهدم والخراب لتهدم به صرح الإسلام من داخله ، عارفةً بذلك أو جاهلةً.

(( واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت