فهرس الكتاب

الصفحة 1600 من 3028

أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ أَسْمَاءً

سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا

إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ] [يوسف: 39 ، 40] .

(1) الاتجاهات الحديثة في الإسلام 175 ، وانظر مناقشة هذه الأفكار بالتفصيل في كتابي المستشرقون وموقفهم من ثبات الشريعة .

مجلة البيان - (ج 72 / ص 91)

د . محمد يحيى

ظهرت في الأعوام الأخيرة في كتابات عدد من المثقفين العرب ولاسيما في

مصر قضية فكرية ، يمكن تسميتها بقضية التأويل أو التفسير للنصوص . وينقسم

الطرح المحيط بهذه القضية إلى شقين: أحدهما أدبي ، والآخر فلسفي إلا أن

الموضوع برمته قد نشأ نتيجة للتأثر بتيار فلسفي نقدي أوروبي عام هو تيار

« الهرمنوطيقا » أو علم التفسير الذي يرجع إلى أوائل القرن التاسع عشر في صورته الحديثة ، والذي يوجد حضور له في العديد من الفلسفات الأوربية الكبرى كالهيجلية والماركسية والظواهرية والوجودية ، فضلًا عن مدارس النقد الأدبي الحديثة، وقبل ذلك كله في علوم نقد وتحليل ما يسمى بالكتاب المقدس في الغرب، والصورة الحديثة التي نشأ فيها علم التفسير في أوروبا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه النقطة الأخيرة في نقد الكتاب المقدس عندهم وتأويله وبالذات بعد أن أظهرت الدراسات العلمية واللغوية في القرن الثامن عشر وقبله الكم الكبير من العيوب والنقائص والتناقضات المتضمنة في الشكل الموجود لدى الكنائس من الأناجيل والتوراة ، وقد أدت هذه الدراسات إلى إسقاط مفاهيم صدق الكتاب المقدس وثباته وصحته ، كما فتحت الباب واسعًا أمام من يريد الإبقاء على قدر من الإيمان والمصداقية لهذا الكتاب لكي يؤول ويفسر ويتكئ على المجاز في تعامله مع هذا النص ، كذلك أدت الدراسات العالمية واللغوية إلى إسقاط المفهوم المتوارث بأن الكتاب المقدس هو كلمة الرب ، وأن الطريق الوحيد للتعامل معه هو تفسيره بالأسلوب اللغوي المعتاد بالشرح والتبيين استخراجًا من معاني الألفاظ ، وظهر من خلال هذا كله منهج يرى في النص أو في الكتاب المقدس مجرد وضع بشري ، شأنه في ذلك شأن سائر التأليفات البشرية من أدب وقانون وسير وتواريخ ، حتى وإن زعم له بعضهم: أصلًا أو إلهامًا أو إسقاطًا إلهي المصدر .

إزاء هذا التحول الحاسم في النظرة إلى كتابهم المقدس بإسقاط قدسيته في واقع

الأمر ، وإسقاط طابعه الإلهي المعتاد ، جاءت الدراسات الأولى أو المواضعات

الأولى في علم « الهرمنويطيقا » لكي تحاول وضع أسس وصفت بالعلمية

والموضوعية للتعامل مع « النصوص » كل النصوص تفسيرًا وتأويلًا وفهمًا وعلمًا

وعملًا ، وكانت هذه المحاولات في مطلع القرن التاسع عشر وقبله بقليل ، ثم طيلة

ذلك القرن من جانب نفر من المفكرين والكتاب الألمان ، وهو الأمر الذي ألقى بظله

في العهود اللاحقة ، بحيث يكتسب هذا الفرع الدراسي الطابع الألماني ، ويؤثر في

المدارس الفلسفية والفكرية الألمانية ويتأثر بها ، وبقي هذا الطابع محفوظًا حتى فيما

بعد عندما انتقل هذا الباب من البحث إلى سائر البلدان الأوروبية وأمريكا ، وبغض

النظر عن أشخاص المفكرين والفلاسفة المؤسسين لهذا العلم ، والإسهام المميز الذي

كان لكل منهم في تحديد معالمه فإننا نلحظ خطوطًا عامة رئيسة تميز بها فرع

« الهرمنويطيقا » .

هناك أولًا القول بضرورة البعد عن وضع القواعد الحاكمة لتفسير النصوص ، واللجوء بدلًا من ذلك إلى البحث في « الموقف التأويلي » وتناول هذا الموقف من

جوانبه المختلفة كما يقع ، دون محاولة وضع القواعد والأحكام التي ينبغي على

المفسرين الامتثال لها ، ثم هناك نزع طابع القدسية أو حتى الخصوصية المميزة

عن أنواع من النصوص ، والنظر إلِى أي مكتوب على أنه نص ، له في موقف

التأويل الوضع نفسه الذي للنصوص الأخرى فيما يجري عليه من عمليات الفهم

والشرح والتفسير ، وهناك من المعالم المهمة مفهوم « تاريخية النصوص » و

« تاريخية التفسير » الذي يرى أن النصوص ومفسريها والمواقف التأويلية ... التي تندرج فيها تخضع كلها لمقتضيات التاريخ وحتمياته وتغيراته وعملياته ويرتبط بذلك سيادة مفهوم « النسبية » في النظرة إلى النصوص ومضامينها . وهناك كذلك من ملامح هذا الباب الدراسي المهمة توسيع دلالات « التأويل » و « التفسير » و

« الفهم » التي هي مصطلحات لعمليات ذهنية وبحثية ؛ بحيث تشمل ظواهر وعلومًا حياتية كثيرة ، ولا تقتصر فقط على التعامل اللفظي الإدراكي مع النص المكتوب ، ووفق هذه الرؤية أصبح التأويل عند بعضهم من متأخري المؤسسين للنظرية (لا بأس من ذكر أسماء ديلثي وهيدجر وكلاهما مفكر وفيلسوف ألماني) أصبح يعني العملية الحياتية الجوهرية التي لا غنى لإنسان عنها في شتى مراحل حياته: من إدراك حسي ، إلى إدراك فكري ومعنوي ، إلى النظر في الكون والمجتمع ، إلى التعامل مع الآخرين وإلى تكوين المباحث الفكرية فيما يعرف بالعلوم الإنسانية من تاريخ وفلسفة وأدب وفن وقانون ودين .... الخ وبجانب هذه الملامح الكبرى للعلم ، نجد أفكارًا ومفاهيم فرعية تصبغه هي الأخرى وتحدد شكله: كالقول بانفتاح النصوص ، وتعدد معانيها بتعدد قارئيها ، وتعدد السياقات التي تقع فيها والقول بجوهرية دور القارئ في عملية الفهم والتفسير وإنتاج المعنى .

وإذا كانت هذه هي ملامح البحث « الهرمنويطيقي » الرئيسة ، إلا أن هذا

الباب الدراسي لم يخلُ عند انتشاره في دول كأمريكا وإنجلترا من أصوات تعارض

النزعة النسبية الطاغية التي غلبت عليه في طروحاته الألمانية ، لكن هذه الأصوات

(وأبرزها الباحث الأمريكي هيرشي) لم تتمكن من مقاومة النزعات النسبية

والتاريخية لمفهوم التأويل ؛ لأن هذه النزعات ارتبطت بجوهر العلم في كتابات

مؤسسيه من الفلاسفة الألمان ، وهو الأمر الذي كان له أبلغ الأثر عند نقل بعض

مباحث هذا الدرس إلى السياق الثقافي العربي كما سنرى ، وأيا كان الحال فإن

محاور « الهرمنويطيقا » الأساسية في العقود الثلاثة الماضية تمثلت في ثلاثة

محاور كبار:

فعلى المستوى الديني بدأت من ألمانيا ، وانتشرت إلى إنجلترا وأمريكا داخل

الأوساط الكنسية البروتستانتية حركةٌ واسعة من إعادة النظر في الأناجيل وفي

المفاهيم الدينية النصرانية المستمدة منها ، وارتبطت هذه الحركة بأسماء قساوسة

كبار ، بل وأساقفة رؤساء في هذه الكنائس ، برز منهم الألمان: « بولتمان » و

« بونهوفر » و « كون » وغيرهم ، وأفرزت هذه الحركة مفاهيم وأفكارًا تتردد الآن في وسائل الإعلام الغربية بعد أن أخذت طريقها إلى ساحة الظهور الشعبي ، وقد كانت قبل ذلك محصورة في نطاق البحث الأكاديمي ، وهي أفكار تقول بإنكار المعجزات الكونية ، والخوارق المذكورة في الأناجيل ، وعلى رأسها مولد المسيح من عذراء أو ألوهيته ! كما تدعو إلى التأويل المجازي للأناجيل وإسقاط الاتباع الحرفي لها ، وتذهب إلى تجاوز ما احتوته التوراة أو الأناجيل من أحكام شرعية ، وتنادي بتفسيرات مختلفة جذريًا لجوانب عدة من هذه الكتب .

أما المحور الثاني الذي ظهر عليه علم « الهرمنويطيقا » فكان عالَم الدرس

الأدبي والفكر النقدي ، حيث ظهرت مدارس أدبية ذائعة الصيت ؛ نتيجة لاستعارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت