بعض مفاهيم هذا العلم وأسسه وتطبيقها على النصوص والمباحث الأدبية وهكذا
ظهرت مدارس جماليات التأثير الأدبي ، ونظرية استقبال النصوص الأدبية(في
أوروبا)، ومدرسة نقد وتمحيص استجابة القراء للنصوص (في أمريكا) ، وكلها
تعنى بنقل ثقل تركيز النقاد من النص الأدبي كوعاء جامد للمعنى إلى كيفية « إنتاج
المعنى » في عمليات القراءة والمؤثرات الشخصية والنفسية والاجتماعية والتراثية
التي تفعل فعلها في ذلك ، وظهرت مدارس البحث في تعدد مستويات النصوص
الأدبية وثراء معانيها ، نتيجة لعمليات التفسير المختلفة وتفاعلها مع عمليات اللغة
الطبيعية .
أما المحور الثالث الذي دار حوله « علم الهرمويطيقا » فكان المحور الفلسفي
حيث تحول هذا العلم أو مفاهيمه إلى المفاتيح الرئيسة لبعض الفلسفات والفلاسفة
المعاصرين كالظواهرية والهيدجرية ، وأقرب من ذلك لدى الفلاسفة الأمريكان الجدد
وأبرزهم ريتشارد رورتي وغيره .
هذه نبذة بسيطة عن النشأة الحديثة وعن الملامح الكبرى لدرس علم التأويل
والتفسير في الغرب ، وفي سياقه الحضاري الحاضر ، ومشاكله المتميزة وأبرزها
إن لم يكن أوحدها المشكلة مع النص الديني المتمثل في الأناجيل الموجودة بين
أيديهم ، والتي ثبت لهم أنها ليست كلمات الرب ولا المسيح ، بل هي سير ، كتبها
بعض المؤمنين بعيسى بعد عهده بسنوات طويلة ، وكان تطرق الشك إلى هذه
« الكتب المقدسة » مما يمس مصداقيتها وصحتها شكلًا وتواترًا ومضمونًا هو المحك الأول الذي ساهم في النشأة الحديثة « للهرمنوطيقا » وفي الطابع النقدي الذي اصطبغت به ، وفي الملامح الرئيسة لها كما استعرضناها فيما سلف ، ولهذه النقطة بالذات أهمية محورية عند التعرض لنقل بعض جوانب هذا الدرس إلى المناقشات الثقافية العربية الجارية .
إن للتفاعل العربي الثقافي مع الغرب في « العصر الحديث » كما يسمى
تاريخ طويل ومعقد ليس هنا مجال تناوله ، ويشمل هذا التاريخ في جوهره
« استيراد » المدارس والأفكار الفلسفية الرئيسة في الغرب ؛ لتمثل في أشكال مبسطة أو محرفة العمود الفقري لطروحات النخب المثقفة العربية المتغربة والمعلمنة على مد ى قرن أو يزيد ، وعملية « الاستيراد » والتجهيز للاستهلاك والطرح في الأسواق الفكرية تحتاج هي الأخرى إلى تحليل ووصف ليس هنا مجالهما ، لقد جرى استجلاب الأفكار الأساسية للفلسفات الغربية تباعًا على مدى النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين وفق احتياجات واضحة: هي علمنة وتغريب الطبقات المتعلمة والقائدة ثقافيًا في البلاد العربية ولذلك كان التركيز في النقل أو الاستيراد (أو الغزو الفكري) على المذاهب الفكرية صاحبة المقولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، كما تركّز النقل على الجوانب الفعلية والحركية والعملية منها دون الجوانب « التقنية » ، أي الجوانب المنطقية والنظرية المجردة ؛ وهكذا شهدنا نقل الليبرالية في نواحيها السياسية والاجتماعية ، والماركسية في شقها التطبيقي الشيوعي والاشتراكي والبراجماتية الأمريكية ، والوجودية في جوانبها السلوكية والفنية تمامًا ، كما شهدنا عمليات نقل الأنظمة القانونية والإدارية والسياسية والاقتصادية والأدبية والسلوكية ... الخ ؛ وكان من شأن هذا العامل الحاكم لنقل المذاهب الفكرية الغربية بغية استعمالها في المقام الأول كأدوات لبث ودفع العلمنة والتغريب إلى المجتمعات العربية المسلمة ، وليس كأدوات تفاعل وتنشيط فكري أن يؤخر نقل واستيراد فلسفات معينة اتسمت بغلبة الطابع التقني على مظاهرها وأبرزها فلسفة التأويل ، وكان منها بالمناسبة الفلسفة الوضعية المنطقية التي نقلت على يد زكي نجيب محمود ، ولكن مع تطويع لجوانبها التقنية بحيث يصبح لها طابع فكري اجتماعي ديني أدبي ، يستخدم هو الآخر في عمليات العلمنة والتغريب .
كان الطابع « الفلسفي » التقني الغالب على علم أو درس « الهرمنويطيقا »
هو العامل المحدد وراء تأخر نقل جوانب من هذا العلم واستخدامها في سياق عملية
العلمنة والتغريب من جانب النخب الثقافية العربية المتصلة بالغرب اتصال حياة
وبقاء ، أضف إلى ذلك صعوبة هذا العلم وتركز مصادره الأساسية في الثقافة
الألمانية قبل اتصال النخبة بها ، وإن كان لهذا العلم وضع قوي لاحق داخل الثقافة
الفرنسية ، مما أدى مثلًا إلى ظهور بعض مؤثراته على نخب شمال أفريقيا ، كذلك
تأخر النقل والاستيراد في تقديري لأن الفلسفات الأخرى الطاغية في تفكير النخب
المثقفة كالليبرالية والشيوعية وبعض أشكال القومية كانت تؤدي دورها في العلمنة
والتغريب على أكمل وجه ، ولا يجب أن ننسى أن التخلف الذي يميز هذه النخب
إزاء الثقافة الغربية التي يعتبرونها القدوة مسؤول هو الآخر عن تأخر نقل
« الهرمنوطيقا » ، ذلك العلم الصعب المرتبط بالسياقات الفكرية والتاريخية والحضارية للعالم الغربي ، غير أن عوامل متعددة تضافرت ؛ لتعوض هذا التأخر في النقل ، ولتساعد على الإقبال من جانب بعض عناصر النخبة المثقفة العربية على « الهرمنويطيقا » ومفاهيمها . إن الفلسفات الرئيسة التي جُلبت من الغرب على مدى القرن الماضي وقد فشلت في الأداء العلماني التغريبي ، بعد أن تعرضت لعمليات نقد وتفنيد واسعة ليس فقط في البلدان الإسلامية ولكن في مواطنها الأصلية ، وفي بيئتها الفكرية ذاتها وقد تحولت بعض هذه الفلسفات ولاسيما الليبرالية والبراجماتية إلى مجرد مذاهب سياسية اجتماعية لا تسندها حجج فلسفية عميقة ؛ لكي تضفي عليها مصداقية ومكانة ، أما الماركسية فقد أصابها هي الأخرى ذلك التحول فضلًا عن سقوطها المدوي المعروف في المجال العملي والنظري على حد سواء ، ولم يتبقَ منها إلا شذرات من مفاهيم فلسفية متفرقة ، سرعان ما أعيد اندماجها في المسار العام للفكر الغربي ذي الطابع العلماني ، ولم تعد هذه الفلسفات ترضي النزعات التعمقية لدى قطاعات من النخبة المثقفة التي كانت تتطلع إلى الفكر الغربي دومًا باعتباره يمثل قمة العمق والتبحر في النظر إلى الكون والأشياء .
في هذا المناخ جاء نقل « الهرمنويطيقا » أو بالأصح بعض مفاهيمها من
جانب قطاعات من النخبة قليلة العدد صاحبة التأثر بالفكر الفلسفي الألماني
والفرنسي الحديث ، وجاء هذا العلم ليقدم نفسه حلًا مثاليًا للمشاكل التي ألمحنا إليها
في الفقرة السابقة لدى الفلسفات الغربية الأخرى التي تبنتها النخبة ، فهو بحث
فلسفي يحتفظ بمستوى من العمق ، وفي الوقت نفسه من الاتساع والانفتاح على
شتى مناحي الثقافة غاب عن الفلسفات الأخرى ، وهو قبل كل شيء بحث فلسفي
يدور حول محور المحور الديني هو محط تركيز عملية العلمنة والتغريب التي
أوكلت إلى النخبة المثقفة ، وبجانب ذلك فهو بحث فلسفي يخلو إلى حد كبير من
وصمة النقل والتقليد و « الاستيراد » التي شابت المدارس الفلسفية الأخرى ،
وسهلت كثيرًا من عمليات نقدها ودحضها ذلك لأن لفلسفة التأويل دورًا بارزًا
وأصيلًا فيما تسميه النخبة بالتراث: فهناك تفسير القرآن بمدارسه ، وتأويل ألفاظه
معانيه وشرحها ، وهناك مقولات تأويلية مشهورة اختلفت حولها مدارس علم الكلام ، بل ونشأت أساسًا بسببها وهناك تعبيرات معروفة في ذلك التراث تفيض بالمغزى
التأويلي كعبارة « القرآن حمال أوجه » ، وباختصار فهذا علم له نظير كبير في
الوضعية الإسلامية الفكرية والثقافية ، ولا يتطلب الأمر التحايل لإثبات أن له أصلًا
في الإسلام على الساحة العربية ، وإضفاء « العالمية » عليه .