وفي الحقيقة فإن وجود علم إسلامي عربي للتأويل والتفسير بقواعده
وممارساته ، كان أمرًا جذابًا لنقلة « الهرمنويطيقا » يجنبهم من ناحية التعرض
لمقولة الغزو الفكري ، كما يضفي عليهم من ناحية أخرى طابع الباحثين المجددين
في الوضعية الإسلامية ، الذين لا يسعون إلى إغراق هذه الوضعية بأفكار غريبة
عنها ، بل يحاولون إحياء علومها الأصلية مستعينين في ذلك بالتطورات والأفكار
« العالمية » حول ذلك العلم ، ولكن وراء هذا التشابه الظاهري أو السطحي كان يكمن الفارق الجوهري بل والخطير بين علم للتفسير نشأ في خطى الإيمان ... والاقتناع العقلي بكتاب مقدس (القرآن) ، وبين علم آخر الهرمنويطيقا الحديثة نشأ في خضم التشكك والنقد والإلحاد العقلي بكتب أخرى يقال لها مقدسة ؛ هذا الفارق الجوهري في الموقف من « الكتاب المقدس » وعقيدة كل حضارة على حدة ، هو الذي يجعل من المغالطة والسفسطة القول بأن « الهرمنويطيقا » هي الامتداد المشروع والطبيعي لعلوم التفسير الإسلامية لاسيما وأن أصحاب هذا العلم الجديد ودعاته هم المبشرون المتحمسون لمقولة أن لكل علم إنساني أو حتى طبيعي أرضية أيديولوجية وعقيدة فكرية « غير علمية » تحدد محتواه بل ومنهاجه أيضًا ومنطقه .
وإذا كان نقل علم « الهرمنويطيقا » قد بدأ على استحياء وقلة في مجال
دراسات النقد الأدبي ؛ لأن أحد محاوره الرئيسة في الغرب يمر كما أسلفنا عبر هذا
المجال ويدلي فيه بدلوه ، وإذا كان نقل هذا العلم لم يحدث إلى درجة تذكر في مجال
المحور الفلسفي في الطرح الغربي بسبب صعوبة هذا الميدان ودقة المدارس
الفلسفية التي تبنته ومحدوديتها ، فإن النقل على المحور الديني هو الذي ظهر بشدة
على مدى السنوات الأخيرة ؛ ليفتح فصلًا جديدًا في سجل محاولات النخبة العلمانية
المثقفة مواجهة الإسلام ومنهجه ، ولعل في هذا التركيز على المحور الديني لعلم
« الهرمنويطيقا » في مقابل المحورين الأدبي والفلسفي ما يشير بوضوح إلى أن النخبة قد مارست مع هذا العلم ما مارسته من قبل مع شتى النقول الفلسفية والفكرية من أوروبا ، أي التركيز على العناصر والجوانب التي يمكن أن تستخدم في تعمق عملية التغريب والعلمنة ، ومواجهة الفكر الإسلامي ، كل ما في الأمر أن المذاهب الفلسفية وآخرها الماركسية قد فشلت في مواصلة هذه العملية ، وحان دور مذهب آخر ؛ ليؤدي المهمة نفسها بكفاءة ، فكان هذا المرشح الجديد هو
« الهرمنويطيقا » لجدته وأهميته وبروزه في التفكير الفلسفي الغربي المعاصر ، ولوجود نظير له في التراث الإسلامي يُمَكّن من استغلال التشابه بينهما وأحيانًا وحدة القضايا المطروحة كأحد أدوات التضليل والإرباك والتعمية .
هكذا إذن دخل درس التأويل والتفسير ساحة الخطاب الفكري للنخبة المثقفة
المعلمنة في عالمنا العربي في الآونة الأخيرة ؛ ليؤدي مهام ثقافية محددة في
المواجهة مع الفكر الإسلامي الصاعد ، وليتعامل معه بشكل يتصور أنه أفضل من
تعامل المذاهب الفلسفية الأوروبية السابقة ، وتمثل مفاهيم هذا العلم الآن الخلفية
العمود الفقري الفلسفي للعديد من طروحات النخبة في مواجهة الفكر الإسلامي
وأفكار الحركات الإسلامية ، فهذه المفاهيم تقف بشكل مباشر أو غير مباشر لتسند
طروحات مثل: إعادة تقويم: « التراث » ومراجعته وقراءته و « تطوير »
الشريعة الإسلامية ، وتفسير القرآن بما « يتلاءم مع عصرنا » وتعددية التفاسير
والمعاني القرآنية ، و « بشرية النص القرآني » ، وتاريخية القرآن ومحدودية
انطباقيته ، وتجاوز « حرفية » النص القرآني إلى « اتجاهه » في التشريع بل
وفي العقيدة ، ونسبية التراث ومفاهيمه(مع ملاحظة أن الإسلام بعقيدته وشريعته
ونصوصه يندرج عند النخبة تحت مفهوم التراث).. الخ . إن الأفكار الكلية
والجزئية على كافة المستويات التي تطرحها بعض أصوات النخبة المعلمنة المتغربة
الآن في دائرة ما يسمونه التراث بدءًا من حديثهم عن « مفهوم النص القرآني »
وانتهاءًا بالحديث حول انتقاء العناصر « الإيجابية والتقدمية » من التراث ونبذ
الباقي ، واتخاذ موقف نقدي من الكل ، إنما تنبع كلها من أرضية مفاهيم علم
« الهرمنويطيقا » كما بدأ نقلها في الأعوام الأخيرة من بعض فلاسفة
أوروبا .
وحتى هذا الحد فإن الوضع من الناحية الثقافية يبدو وكأنه لم يتغير عما كان
يحدث من قبل من جانب النخبة العلمانية ، فنحن نجد أنفسنا أمام استعارة مذهب
فلسفي غربي مع تحويره بحيث يصلح أداة لمواجهة الإسلام من ناحية وتعميق
عمليات التغريب والعلمنة من ناحية أخرى ، ولكن هناك فوارق جوهرية كما ألمحنا
من قبل ، فنحن لا نواجه هنا مذهبًا فلسفيًا أيديولوجيًا تقليديًا وإنما نواجه بمنهج في
البحث والتفكير يزعم لنفسه أنه تجاوز الأنماط الأيديولوجية والطروحات السياسية
والاجتماعية ليصبح منهج العلوم كلها الإنسانية وغير الإنسانية ، بل ويزعم لنفسه
أنه قد أصبح الأب المهيمن على المناهج البحثية ونحن لسنا أمام مجموعة من
النصوص الفكرية والفلسفية كما كانت الحال من قبل ، بل أمام مجموعة من الأفكار
(النصوص ! ) تزعم لنفسها أو يُزعمُ لها أنها أصبحت تهيمن على كل النصوص
على الإطلاق من حيث إنها هي التي تحدد كيف يجري التعامل مع هذه النصوص ،
وكيف يتم تفسيرها وتأويلها واستخراج معانيها والحكم عليها ، وفوق ذلك فنحن أمام
تيار يزعم أن له في التيار المناظر في الوضعية الإسلامية قرينًا مكافئًا ، وأنه لا
يحارب هذا القرين ، بل يجدده ويطوره وينميه ، ويفك من جموده وسقمه المدعى .
وقد يكون من الملائم في ختام هذه الملحوظات ، التي رسمنا فيها خلفية ما
يتردد الآن من أفكار حول التأويل وتوظيفه في فهم التراث والقرآن وتفسيرهما ، أن
نشير في خطوط عامة إلى محاور للرد عليها .
منها: إن الذين يتحدثون الآن عن « النصوص » وتفسيرها وتأويلها يقلدون
الغربيين الذين ينقلون عنهم في الخلط بين كل أنواع النصوص وعدم التفريق بينها
لا من حيث الشكل ولا المضمون ولا الهدف ولا معاملة المجتمع ونظرته لكل منها
عندهم ، فإذا كان التقديس في أوروبا قد سقط عن « الكتب المقدسة » التي ثبت أنها
حُرّفت ، فإنهم هنا يحذون هذا الحذو ويسقطون القداسة أو بالأصح ينفون الأصل
الإلهي عن القرآن ، وإذا كان أساتذتهم في أوروبا يعاملون كل مكتوب على أنه نص
يستوي في ذلك الديني والقانوني والأدبي ، فإنهم هنا يتبعون النهج نفسه ، وينتهجون
الأسلوب نفسه في التعامل مع عالم النصوص باعتبارها جميعًا متساوية متشابهة ،
دون تمييز بين نوعيات وأهداف خاصة بهذه النصوص توجب لكل منها معاملة
خاصة في التأويل والتفسير والمعاملة ، ولنضرب المثل على ذلك: فإذا جاز
الحديث عن النص الأدبي بالقول باستقلاليته عن مراد كاتبه ، وبتعدد معانيه
وتغيرها بتغير القراء والعصور والأغراض التي تقرأ لها ، ونسبية المعاني العامة
المستخلصة منه ... الخ ، فإن ذلك يجوز لطبيعة النص الأدبي الخاصة أو بالأصح
لتحديد المجتمع الأدبي لهذه الطبيعة الأدبية والغرض الأدبي ، أما في النص الديني
(ونحن نسميه هكذا تجاوزًا لكي نتفق فقط مع مصطلحات هذا العلم) ، فإن أمثال هذه
التعاملات لا تجوز ؛ لأن هذا النص يختلف عن النص الأدبي من حيث أن القدسية
التي يضفيها عليه المؤمنون به تفترض معاملة خاصة لثبات المعاني النابع من كونها
تشريعات أو منطوقات إلهية وليست بشرية ، بينما النص الأدبي هو نص بشري