فهرس الكتاب

الصفحة 1190 من 3028

أيها الإخوة في الله، إن من التحدّث بنعم الله وشكر آلائه سبحانه ما حَبا الله بلادنا الطيبة المباركة حرسها الله من مقوماتٍ شرعية وتأريخية وحضارية تجعلها مؤهلةً لتكون بلد السياحة النظيفة النقية، فهي بإذن الله قادرة على إعطاء مفهوم صحيح ووجه مشرق للسياحة التي خُيِّل لبعض المفتونين أنها صناعة الفجور والانحلال والفسق والضلال. أوليس الله قد منَّ على بلادنا بالحرمين الشريفين مهوى أفئدة المسلمين ومحطِّ أنظارهم في العالمين؟! شعائرُ الإسلام فيها ظاهرة، وأنوار التوحيد في سمائها باهرة. أوليست بلادنا تنعَم بحمد الله بالأجواء الممتعة المتنوعة والأماكن الخلابة المتعددة التي تشكِّل منظومة متألقة يقل نظيرها في العالم؟! فمن البقاع المقدسة إلى الشواطئ الجميلة والبيئة النظيفة السليمة من أمراض الخضارة المادية وإفرازاتها الحسية والمعنوية، إلى الجبال الشم الشاهقة ذات المنظر الجميل والهواء العليل والأودية الخلابة والأماكن الجذابة، مرورًا بالمصائف الجميلة والصحاري الممتدة ذات الرمال الذهبية العجيبة، يتنقل المرء في روابيها، ويتنزه في نواحيها، يسعد في أجوائها، ويسافر إلى جميع أنحائها، فلا بأس بإدخال الفرح على الأهل والأولاد في سفر مباح في محيطها المبارك، أو اصطحابهم إلى بيت الله الحرام في عمرة أو إلى مسجد رسول الله في زيارة، وفي سياحة مشروعة بريئة، توصَل فيها الأرحام، وتحصل فيها الراحة والاستجمام، مع المحافظة على الخير والفضيلة، والبعد عن أسباب الشر والرذيلة.

وأهم من هذه المقومات المادية والحسية المقومات المعنوية والمميِّزات الحضارية الشرعية والخصائص الإسلامية والآداب الأصيلة العربية التي تحكي عبق التأريخ والحضارة المعطَّرة بالإيمان الندية بالمروءة والإحسان.

في بلادنا السياحة الروحانية والنزهة الربانية والمتعة الإيمانية، فهل بعد ذلك يستبدل بعض الناس الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! في تأثيرات عقدية وثقافية، وانحرافات فكرية وأخلاقية وسلوكية، ومخاطر أمنية، وأمراض صحية ووبائية، مما لا يخفى أمره على ذوي الحجى، ولا يغيب عن أولي النهي، وبذلك يتحقق لمن ينشدون الطهر والعفاف والفضيلة والنقاء والخير والحياء والصفاء التمتع بأجواء سياحية مباحة، ويُسَد الطريق أمام الأبواق الناعقة والأقلام الحاقدة التي تسعى لجر هذه البلاد المباركة إلى ما يُفقدها خصائصها ومميزاتها ويخدش أصالتها وثوابتها.

ألا فلنشكر الله على نعمه وآلائه، ولنحافظ عليها بطاعته واتباع أوامره واجتناب نواهيه، حفظ الله لهذه البلاد عقيدتها وقيادتها وأمنها وإيمانها، وحماها من كيد الكائدين وسائر بلاد المسلمين بمنه وكرمه.

وأخيرًا أيها الإخوة المسافرون، إذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعُد إلى أهله وبلده، آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.

وختامًا أيها المسافرون، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، نستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم، ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم في الحلِّ والترحال، وأن يعيدكم إلى أهلكم سالمين غانمين مأجورين غير مأزورين، إنه خير المسؤولين، وأكرم المأمولين.

ألا وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على خير من أقام وسافر، وجاهد وهاجر، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، إمام المتقين، وأفضل المقيمين والمسافرين، كما أمركم بذلك ربكم رب العالمين، فقال تعالى قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وارض...

(1) انظر: الغرر السافر للزركشي (ص291ـ ضمن مجلة الحكمة العدد العاشر ـ) .

(2) أخرجه البخاري في الحج (1804) ، ومسلم في الإمارة (1927) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) أخرجه البخاري في الحج (1862) ، ومسلم في الحج (1341) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(4) كتاب الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (1015) .

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2627)

هيثم جواد الحداد

لندن

المنتدى الإسلامي

الخطبة الأولى

وبعد:

فحينما يدلهمُّ الظلال، ويحلولك سواد الليل، وتجف الحلوق، وينتشر الخوف، تتناثر الأنظار لتبحث عن بارقة ضوء، ووميض أمل، لعله يعيد الضياء، مقربًا بزوغ الفجر، وعسعسة الصباح.

عباد الله، هذه الخطبة تأتي في هذا الوقت، الذي اشتد سواد ليله، ليتلمس الناس معالم فجر صباح بداية النهاية لأمريكا الصليبية النصرانية.

عباد الله، الحديث عن بداية النهاية، عن هذه الدولة التي تمادت في الطغيان، يمكن من خلال ثلاثة محاور:

أولها: المحور الشرعي.

والمحور الثاني: فهو المتعلق بأحوالها الداخلية.

أما المحور الثالث: فهو محور هذه الأحداث والعدوان الواقع على أفغانستان والمسلمين، وهو المحور الذي سأقتصر عليه في هذه الخطبة بمشيئة الله تبارك وتعالى، وأرجو أن ييسر الله لي، أو لبعض الإخوة من الدعاة وطلبة العلم الحديث عن المحورين السابقين.

الصلب جاؤوا هادمين لديننا……بدؤوا بشعب الله في الأفغان

مستضعفين أقلة لكنهم……كثر بنور الحق والإيمان

وقفوا أمام الروس وقفة هادر…لله در شوامخ الشجعان

أطفالهم وشيوخهم ونساؤهم…حملوا اللواء بقوة الشبان

الحاقدون تجمعوا لقتالهم……هيهات يهزم فتية الرحمن

أيها الإخوة، قبل الشروع في الحديث عن عوامل بداية النهاية لأمريكا، من خلال هذه الحرب، لا بد من بيان بعض الأمور الهامة التي تساعدنا كثيرًا في فهم ما يجري، بل إنه لا يمكن أن ندرك هذه الحقيقة أعني انطلاق بداية النهاية لهذه الدولة, إلا بفهم هذه المقدمات:

المقدمة الأولى: في سابق الزمن، كانت الحروب بين القوى حروبًا عسكرية بالدرجة الأولى، فالنصر يتحقق حينما تدحر جيوش دولة، دولة أخرى، أما الآن وبعد هذا التقدم التقني الهائل، والتداخل بين جوانب الحياة، لم يعد الصراع بين الأمم مقتصرًا على الصراع العسكري المسلح، بل انتقل العالم إلى ما يعرف بصراع الحضارات، حيث لا بد لأحد الطرفين من الانتصار على الآخر في عدة جوانب حتى يقال: إن النصر كان حليفه.

وعليه فإننا حينما نتحدث عن بداية النهاية لأمريكا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة هزيمتها العسكرية على المدى القريب، فالهزيمة العسكرية في إحدى المواجهات، لا يعني بالضرورة خسارة المعركة برُمتها، بل قد يكون ذلك مجرد حلقة واحدة من حلقات صراع طويل لا يمكن تحديد المنتصر فيه إلا بالنظر إلى جميع السلسة.

إذا تقرر هذا علم أن النصر الحقيقي والشامل لا يتحقق إلا بعمل دؤوب متزن متكامل طويل النفس، لا بمجرد أعمال عسكرية متناثرة لم تدرس نتائجها جيدًا.

الثانية: وهي أن الحالة التي وصلت إليها الأمة من الهزيمة المعنوية اشترك في صنعها جميع فعاليات الأمة، بدءًا من جيوشها العسكرية، ومرورًا بقادتها وحكامها، وانتهاء بأصغر أفراد الشعب، نعم كلٌ يختلف في القدر الذي يتحمله من هذه المسؤولية، فمسؤولية الحاكم ليست كمسؤولية المحكوم، ومسؤولية العالم ليست كمسؤولية العامي، لكن على كلٍ شيء من وزر هذه الهزائم إلا من قام بواجبه، وقليلٌ ما هم.

عباد الله، إن إيماننا بهذه الحقيقة يضعنا أمام حقيقة أخرى، إلا وهي أن الإصلاح مسؤولية الجميع، فكما أن الجميع اشترك في صنع الهزيمة، فلا بد أن يشترك الجميع في صنع النصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت