فهرس الكتاب

الصفحة 1191 من 3028

ثالثًا: هذا الذل الذي تعيشه الأمة في هذه الأيام ليس وليد شهر أو شهرين، ولا سنة ولا سنتين، بل هو وليد عشرات السنين، رعت هذا الذل حتى أصبح إرثًا ثقيل الحمل، ورثناه ممن سبقنا، وسنورثه لمن بعدنا إن لم نقف أمامه وقفة شجاعة تنهي وجوده، وتوقف تداوله بين أجيال الأمة.

يا أمة طال الطريق بها…وأصابها في نهجها خلل..!!

يا أمةً ترجو النجاح وفي…أعضائها تتسابق العللُ..!!

ماذا أصاب العزمَ هل حفروا…قبرًا له أم هدَّهُ شللُ..!!

رابعًا: إن سقوط أمريكا المعادية للمسلمين والمتسلطة على رقاب الغير، لن يكون إلا على يد المسلمين، فإن جميع الحضارات المعاصرة قد عجزت وستعجز عن مقاومة الهيمنة الأمريكية، ولن يقف في وجه الزحف الأمريكي إلا الحضارة الإسلامية، وقد صرح عدد من مفكريهم بهذا.

عباد الله، بعد فهم هذه الحقائق، يسهل علينا أن ندرك معالم بداية نهاية أمريكا كدولة صليبية نصرانية.

أيها الإخوة، إن الحديث عن بداية النهاية لراعية الصليبية في العالم ضروري جدًا في هذه المرحلة، حتى ندرك حجم الفرصة التي بين أيدينا، فنعمل كل ما في وسعنا حتى نستغلها، ونحسن التعامل مع الحدث، ونستثمره في صالح قضايانا العادلة، ولعل ذلك يكون أيضا حافزًا للعمل الجاد.

عباد الله، إنها والله مسؤولية، وكأني والله أرى أن الامتحان الأكبر في هذه الأزمة ليس من جهة الضربات العسكرية التي تواجهها الأمة، بل من جهة الخير الذي فتح على هذه الأمة بهذه الأزمة، والله عز وجل يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] .

إن شحذ العزائم وبعث الأمل في النفوس وبيان مواطن القوة، وإظهار مواطن قوة الذات، وبيان مواطن ضعف العدو وخلل بنيانه، واجب، وضروري لرؤية ملامح ومعالم طريق النصر، وهو ما نريده في هذه الخطبة.

المعلم الأول: أيها الإخوة، إن استقراء التاريخ، يقطع بأن المسلمين الصادقين لا يمكن أن يهزموا في المواجهات العسكرية مع أي جهة من الجهات مهما بلغ عتادها وقوتها، ومهما بلغت قلة المسلمين، هذا على مستوى الحرب، نعم قد تنالهم هزيمة مرحلية، لكن النصر سيكون حليفًا لهم في نهاية الأمر.

كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249] .

وقال الرسول كما في حديث ابن عباس: (( خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة ) )رواه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح (1) [1] .

وعليه، فإن المسلمين الصادقين لم يخشوا يومًا ما نزال العدو، وكانوا يتسابقون إلى الشهادة في سبيل الله، وما من أمة سرى في جسد أبنائها حب الموت في سبيل مبادئها إلا كان النصر حليفها وإن طال بها الزمن.

والأمر بالضد كذلك، فما من أمة تركت التضحية بالنفس والمال والغالي والرخيص في سبيل مبادئها إلا كتب عليها الذل، وضرب عليها الهوان، ومصداق ذلك قول الرسول كما في حديث ابن عمر عند أبي داود: (( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) ) (2) [2] .

وكما قال أبو بكر الصديق لسيف الله المسلول خالد بن الوليد في حروب الردة: (احرص على الموت توهب لك الحياة) .

وقد أجمع العقلاء من كل ملة…ونحلة أن الحياة لا توهب بالحياة

درب المعالي شائك ومخضب…راي الجهاد عظيمة الصفحات

أيها المؤمنون، بعد انتهاء ما يسمى بالحرب الباردة لم يبق أمام أمريكا إلا عدو واحد هو الإسلام، ولم يكن حصار أمريكا للعالم الإسلامي خارجيًا فقط، بل نجحت أمريكا في الإختراق الثقافي العقدي من داخل المسلمين، وكان هذا أخطر أسلحتها وأشدها فعالية وفتكًا.

وأمام هذا أُسقط في يد كثير من الدعاة، فلم يقتصر حصارهم ومنعهم من أداء مهمته على الأنظمة، بل شاركهم في هذا الحصار ثلل من عامة الناس والرعاع.

كان الدعاة يوصفون بضيق الأفق والانغلاقية ومحدودية التفكير، حينما يجأرون خوفًا من استعمار جديد يجتاح عقيدة الأمة، تارة تحت غطاء الاقتصاد، وتارة تحت غطاء الديموقراطية، وتارة بدون غطاء ولا ستر.

كان الدعاة يواجَهون بالسخرية والازدراء حينما يطالبون الأمة بتوحيد الصف، ونبذ الفرقة بشتى صنوفها.

كان الدعاة يلمزون بالإرهاب حينما يدعون الناس للعمل بما تمليه عليهم عقيدة الولاء والبراء، مثل التخلص من ولائهم للغرب النصراني.

كل هذا ولا مجيب ولا مستجيب إلا في دوائر ضيقة محدودة، وكأن الأمة دخلت في سبات عميق، الأمر الذي جعلنا نظن بأن طول العهد بالخنوع والجهل والانغماس في الشهوات يحتاج إلى نيران ملتهبة توقظ هذه الأمة، وتثير مشاعر الخوف من خطر الحريق الداهم، لتتحرك نحو إنقاذ نفسها، بل إنقاذ البشرية كلها.

وهنا تأتي مشيئة الله التي قضت بأن النصر والعاقبة ستكون للإسلام وأهله، فيقدر الله عز وجل بقدره وحكمته أن تهب رياح عاتية لتئز جوانب هذه الأمة، فتولد نيران الحمية للدين، والغضب لانتهاك حرمات الله، والثأر لعزة هذه الأمة المسلوبة.

حدث الغزو الروسي لأفغانستان، وارتكب الروس فظائع خارجة عن التصور، وخرج من رحم هذا الأتون المحرق تجديد لمصطلح الجهاد، وعادت بعض أدبياته للظهور بعد أن كادت أن تكون مجرد تراث أدبي.

ثم جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأريقت الدماء على جوانب رحلة الصراع هذه، وأنجبت لنا هذه الملحمة فتى عنيدًا، اسمه حب المقاومة ورفض الخنوع.

ثم تلى ذلك أزمة الخليج والحرب بين العراق من جهة وحلفائها من جهة أخرى، وخسرت الأمة أنواعًا من المكاسب المادية، لكن الأزمة ساعدت في إحداث تصدع في نظرة المسلمين للغرب، وانبهارهم بعدالته ومثله المدعاة.

عباد الله، ثم يقدر الله بحكمته التي لا تقاربها حكمة، وعلمه الذي أحاط بكل شيء، ورحمته بهذه الأمة التي لا تدانيها رحمة، فيريد تهيئة المسلمين لتداعيات هذا الحدث، فتكون الانتفاضة الفلسطينية الباسلة مرة ثانية، لتعلي صيحات الجهاد، ولتغرس معاني الولاء والبراء، ولتثبت حب المقاومة والاستعلاء على خور النفس، ولتزيد من التصدع في ولاء المسلمين للغرب الصليبي.

فمالكم؟ كلما يهوي لكم علم…فلا يعود هوى في إثره علم

من قبل ضاعت فلسطين أندلس…جرحان يزداد لذعا فيهما الألم

فهل يدوم لنا البيت الحرام إذا…ظلت معاقلنا تغزى فننهزم

أحداث متوالية، لكن يبدو أن الأمة ما زالت بحاجة إلى حدث هائل ينفض ما تبقى من المعتقدات البالية الخاطئة، ويعمق الإيمان ببعض الحقائق السابقة.

أيها المؤمنون، ويقدر الله جل وعلا فتجري أحداث يوم الثلاثاء 23 جمادى الآخرة لعام 1422هـ الموافق 11 سبتمبر2001م، فيهتز العالم في حدث فظيع، لا يعادله في الفظاعة إلا الأحداث التي لحقته.

وهنا يشاء الله عز وجل أن تتصرف أمريكا بكل غباء ممزوج بغرور، ليفرز حمقًا لا يمكن أن يوجد في فرد فضلًا عن مجموعة، فضلًا عن دولة بهذا الحجم، إلا لحكمة بالغة أرادها الله جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت