عباد الله، إن تصرفات أمريكا، التي عقبت الحادث والمتمثلة في مسارعتها لاتهام المسلمين بهذا العمل، ثم دعوتها الصريحة إما معنا أو مع الإرهاب، ثم فلتات اللسان المتعددة التي جرت على لسان أكثر من مسؤول وجهة إعلامية، ثم حشد هذه الأرتال العسكرية الهائلة، كل ذلك بعث رسالة واضحة لجميع المسلمين في كل بقعة من بقاع الأرض أن المقصود بهذه الحرب هو الإسلام والمسلمون.
حاولت أمريكا بكل حيلة إعلامية وغير إعلامية، وكذا حاول حلفاؤها إقناع المسلمين بأن هذا ليس مقصودًا، ولكنها لم تفلح ولن تفلح بإذن الله تعالى.
عباد الله، وعلى إثر هذا تكرست لدى عموم المسلمين، إلا من طبع الله على قلوبهم، القناعة بعداوة أمريكا للمسلمين، ووجهها الصليبي القبيح، وهذا والله أكبر مكاسب هذه الأزمة، التي لم تضعها أمريكا ولا حلفاؤها في حسبانها.
إن أمريكا بهذا الاستعداء الفاضح للمسلمين دقت أول المسامير في نعشها، بل وزادته مسامير أُخر.
أما أولًا: فقد أوصدت في وجهها جُل أبواب الغزو الفكري المسلط على المسلمين، فلن يعد لها القدرة على الامتداد الثقافي الفكري التغريبي، كما كان لها في السابق، وهذا هو أول مكاسب المسلمين.
لقد قامت أمريكا نفسها بتحصين المسلمين ضد وبائها الفكري الثقافي، بصورة عجز عن القيام بها المسلمون والدعاة والمصلحون أنفسهم، وهذا من رحمة الله جل وعلا بهذه الأمة.
فهذا هو أول معالم بداية النهاية للعدو، ألا وهو تحصين الجبهة الداخلية.
اللهم بارك لنا في القرآن، وامنحنا اليقين والإيمان، أقول قولي هذا...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله، أما المعلَم الثاني من معالم بداية النهاية: فإن أمريكا بهذه الاستثارة المبالغ بها لمشاعر المسلمين كفتنا همّ تأجيج مشاعر المسلمين تجاه تحركاتها المشبوهة، ومواقفها الصليبية المتعصبة.
يوما ما كنا نقول للناس: إن هذه الدولة ترعى الصليبية بثوب جديد، فكان بعض أقوامنا يتهموننا بالعصبية والإفراط والتشدد، وأعيتنا حيل كثيرة عن إقناع شرائح عديدة من المسلمين بهذه القضية، أما اليوم وبهذه التصرفات الرعناء من هذه الحكومة فقد كفتنا المؤونة، وأدت أكثر مما كنا نطمح له، وهذا والحمد لله من أول بشائر بداية النهاية واتضاح معالم طريق النصر.
لقد اعترف المحللون البريطانيون والأمريكيون بأن أمريكا لم تنجح في المعركة الإعلامية ضد ابن لادن، على الأقل في ساحة العالم الإسلامي.
إن عجز أمريكا عن الانتصار الإعلامي ولو في الساحة الإسلامية، لا لأن أفغانستان تملك قنوات فضائية، ولا محطات تلفزة منتشرة في بقاع العالم، ولا لأنها تملك السيطرة على شبكة الانترنت، ولا لأنها وظفت عملاء خونة في الإجهزة الإعلامية في العالم الإسلامي، لا لذلك كله، بل لأن أفغانستان تملك شيئًا واحدًا، هو: الوحدة مع الأمة في أصل الإيمان بالله جل وعلا.
ذلك الإيمان الذي يدعو جميع المسلمين لنصرتها، والوقوف معها بكل ما يستطيعون، الإيمان بالله الذي يوجب على المسلمين موالاتها في هذه المحنة، والبراءة من عدوها، الإيمان بالله الذي تعيشه الأمة عملًا بقول الله جل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ، الإيمان بالله الذي تطبق الأمة به قول رسول الله الذي رواه البخاري عن ابن عمر: (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).
وطالما بقيت معالم هذا الإيمان راسخة في النفوس، فلن تربح أمريكا وحلفاؤها حربها الإعلامية ولا غير الإعلامية ضد المسلمين، وإن طال الزمان.
ولنمض للعلياء نحفل بالمنى……والنصر آت لامحالة آت
ولتقر عين المؤمنين بحكمة……وعد الإله بمحكم الآيات
عباد الله، لم نكن والله نظن أن أمريكا بهذه الدرجة من الحماقة في التفكير، لا سيما تجاه العالم الإسلامي.
هل كانت أمريكا تظن أن المسلمين بهذه الدرجة من السذاجة والبلاهة بحيث يسهل عليها خداعهم، فتشن هذه الحرب الشعواء الهوجاء عليهم ثم تقول لهم: لست استهدفكم ولا استهدف دينكم.
ألم تتعلم أمريكا من درس انتفاضة الأقصى، وما تبع ذلك من غليان الشعوب الإسلامية، أن مساس عقيدة الأمة، ورموزها الإسلامية خطوط حمراء، لا يمكن أن يتنازل المسلمون عنها، حتى وإن اختلفوا مع بعضهم في بعض التفصيلات تجاهها.
ألم تعلم أمريكا أن عقيدة الولاء والبراء التي حاولت هي وأذنابها طمس معالمها في أجيال هذه الأمة، مازالت حية، مشتعلة تحرق كل من اقترب إليها.
ألم تقرأ أمريكا وحلفاؤها شيئًا من الفتاوى التي صدرت في أرجاء كثيرة من بلاد المسلمين، بل من بعض البلاد التي توصف دائمًا بأنها حليف رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، ألم تقرأ أمريكا في فتاوى المسلمين عبارت تحذر الأمة بأن مظاهرة الكفار على المسلمين نقض لعقيدة التوحيد، يخرج المسلم من الملة.
هل كانت أمريكا تظن أن المسلمين سيتقبلون هذه الفتاوى، دون أن يتحرك لهم ساكن، ولو بالضغط على حكامهم، وفعل ما يستطيعون فعله.
ألا تتعظ أمريكا الآن، وهي ترى بعض دولها الصديقة قد بدأت بالتراجع ولو في الظاهر التفافًا على الجماهير الغاضبة، ورغبة في احتواء أثر تلك الفتاوى على الناس.
ألم تعلم أمريكا أن الفاسق من المسلمين حينما يهدد بالكفر المخرج من الملة، فإنه سيرتدع عن فعله، ويبدأ في إعادة حساباته.
أيها الإخوة، إن خفي على أمريكا كل هذا، وما أظنه خاف، فلم خفي على عملائها وما أكثرهم بين صفوفنا، أم أن أولئك العملاء سقموا من تسلطها واستذلالها لهم، فنجحوا في استدراجها لمستنقعات الهزيمة.
عباد الله، المعلَم الثالث من معالم بداية النهاية، فقدان الهيبة الأمريكية التي تكرست عند الدول والشعوب، حيث أصبحت أمريكا في أذهان كثير من الناس ماردًا عملاقًا جبارًا يسحق كل أحد قبل مجرد التفكير في إيذائه.
لا نريد أن نتحدث عن فقد أمريكا لهيبتها من خلال نفس الهجمات التي شنت عليها يوم الثلاثاء، فهذا أمر أصبح حقيقة، لا ينبغي أن تصرف الأوقات في إثباته، لكننا نريد أن نتحدث عن المواجهة القائمة الآن، بين أمريكا وأفغانستان.
أمة الإسلام، نحن نعلم أيها الإخوة أن أمريكا قد يكون لها مآرب أخرى غير ضرب ما تسميه بالإرهاب، فنحن نعلم أن لعابها يسيل ولم تستطع كبح جماح نزواتها الشيطانية تجاه نفط بحر قزوين والمناطق المحيطة به والذي يعتبر ثاني أو ثالث أكبر احتياطي نفط في العالم.
ونحن نعلم أن عنجهية أمريكا تأبى عليها إلا أن تخضع الصين وأي مارد آسيوي للركوع بين يديها.
وهناك كثير من الأهداف المعلنة والخفية التي أصبحت تتكشف أمام العالم يومًا بعد يوم.
لكن أمريكا أظهرت أن حربها إنما هي حرب ضد الإرهاب وأهله، وجمعت هذه الجيوش الجرارة، وهذا التحالف الرهيب، من أجل هذا الغرض، وظهرت المعركة أمام العالم كله كأنها بين أسد مفترس ضاري، وقط لا يوازي قبضة الأسد.
فبالله عليكم حينما يرى العالم كله أسدا يصارع قطًا، ألا يفقد الأسد هيبته بمجرد دخوله في صراع هذا القط، وقد قال شاعرنا من قبل: