هنالك خوف من أنَّ بعض الإبداعات غير الملتزمة قد تكون بابًا لتغذية الفتنة وصرف النفوس عن الإيمان، بما تحمل من زخرف اللفظ. كم صرفت قصائد نزار الفتيان والفتيات عن العفّة وألهبت فيهم الشهوات.
ولذلك أرى أن يحكم على كلِّ إبداع وحده، ويحكم عليه بميزان إيمانيٍّ عادل.
انظر كيف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل الإعلام بابًا لشعراء كفار قريش، وكانوا مبدعين ومن فحول الشعراء! ولكنه فتح باب الإعلام لشعراء الإسلام وحملة رسالته والمجاهدين في سبيل الله.
الأربعاء 12 ذي القعدة 1426 هـ - 14 ديسمبر 2005 م
تحقيق: أسامة الهتيمي
مفكرة الإسلام: لم يقتصر ما يجمع الإسلاميين في العالم العربي والإسلامي على ما يطرحونه من أفكار ورؤى فحسب بل امتد ذلك المشترك في مشارق الأرض ومغاربها إلى التضييق والتهميش اللذان يلاقونهما من الحكومات والأنظمة التي تسعى جاهدة إلى منع هؤلاء من التواصل مع مجتمعاتهم والدعوة إلى أفكارهم.
ومع كل مرة يحاول فيها الإسلاميون والمتدينون اختراق ذلك الحصار وهذا التهميش إذ بالآخرين يضيقون عليهم السبل ويبذلون أقصى ما يمكن من أجل انتزاع أدواتهم .. فالمساجد قد تم تأميمها والأحزاب التي تتبنى المرجعية الإسلامية ممنوع تأسيها والمشاركة في الانتخابات والإيمان بالديمقراطية أصبح في نظر الآخرين تكتيك لا يهدف إلا للتسلط والاستبداد.
إلا أنه ومع ثروة الاتصالات الحديثة التي كسرت الحدود والحواجز بين كل المجتمعات بدأت تتلاشى تلك القبضة الحديدية للسيطرة على الناس والأفكار وأصبح ممكنا للجميع أن يبث ما يريد وينشر ما يعتقد.
وجاءت شبكة الإنترنت لتكون واحدة من الأدوات التي سعد بها الإسلاميون حيث ستصبح مخرجا من مأزق فرضته عليهم الأقدار فسارعوا إلى استغلاله والاستفادة منه في دعوتهم المحجوبة.
مفكرة الإسلام استطلعت أراء بعض الذين كان لهم السبق في العمل بمجال الصحافة الإلكترونية من الإسلاميين كي يمكنها التعرف منهم على أسباب إنشاء هذا العدد الضخم من المواقع الإسلامية على الإنترنت وما هي أهم المعوقات التي تلاقي القائمين عليها؟.
الإسلاميون تجاوزا الطفولة الإعلامية
في البداية يؤكد الأستاذ محمود سلطان الكاتب الإسلامي ورئيس تحرير موقع ' المصريون ' أن سبب إنشاء هذا الكم الكبير من مواقع الإنترنت ذات الصبغة الإسلامية هو القيود التي تفرضها الدولة على التيار الإسلامي وخاصة التضييق الإعلامي وعدم وجود فرصة للتعبير عن أنفسهم من خلال القنوات الرسمية وهذا ما يدعوهم للجوء للإنترنت لأن الأفق مفتوحة وليس هناك رقابة أو قيود فالمضايقات والملاحقات أيضا محدودة وليست بقدر الرقابة على المطبوعات.
ويضيف سلطان ومع أن هناك بعض الدول العربية كدول الخليج لا تتعامل مع الإسلاميين كما يحدث في دول أخرى إلا أن التساهل والتسامح عادة ما يكون مع التيارات المرضي عنها .. حيث هناك من الإسلاميين تيارات تعمل تحت رضا الدولة ولا تستفزها وهذا التيار عادة يلقى ترحيب من السلطات ودعم مادي وإعلامي لكن هناك تيارات أخرى لا تروق للنظم فيفرض عليها القيود أو أن هذه التيارات تتبنى الخط الجهادي أو الثوري.
ويقول سلطان إن الإنترنت فرض نفسه على الجميع حيث أصبح وسيلة وتقنية جديدة فالكل يحاول أن يستفيد منه ويستغله سواء كانت الدولة أو غيرها حتى أن الصحف الرسمية باتت تصدر على الإنترنت ولم تكتف بالورق برغم الحرية التي تتاح لها لأن الانترنت له مميزات إضافية منها أنه وسيلة جذابة ومغرية للقارئ كما أن تكلفته محدودة ومقدور عليها فضلا عن أنها تصل إلى الكتل المستهدفة.
ويضيف رئيس تحرير ' المصريون ' أن الملاحظ أن الإسلاميين أكثر الناس الآن رقيا وخبرة بالنسبة للتكنولوجيا الإعلامية عن ذوي الاتجاهات السياسية والفكرية الأخرى أمثال اليساريين الذين كانوا يسيطرون على الإعلام.
ويشير سلطان إلى أن يجب التعامل مع المواقع الإسلامية من منطلق قوله تعالى ' ليسوا سواء ' حيث لا نريد الحكم الكلي على التجربة في عمومها فهناك فعلا عشوائيات وفوضى تنسب إلى الإسلاميين وهناك من ينشأ مواقع ينقصها الحرفية وتكون محاولات بكر تعتمد على الاجتهاد غير أنها تضر أكثر مما تنفع. لكن هناك مواقع حرفية يصدرها حرفيون من اتجاهات متعددة ويكون لها وزنها وقيمتها وحرفيتها فضلا عن معالجتها لمشاكل حساسة لاقت استحسانا من الجميع بمن فيهم العلمانيين أنفسهم.
وحول المفاضلة بين هذه المواقع يقول سلطان المفاضلة لغة وهي معايير السوق والإنترنت سوق .. البضاعة الجيدة والمفيدة فيه هي التي تجتذب الزوار. فكلما قدم الموقع خطابا ومادة إعلامية جادة ورصينة أعتقد أنه في هذه الحالة سيكون له قراؤه.
ويؤكد سلطان أن الإسلاميين لن يقتصروا على استخدام الإنترنت بل إنهم يسعون كذلك إلى امتلاك وسائل أخرى خاصة أن الظروف السياسية الحالية وربما القادمة ستسمح لهم بذلك وقد بدءوا بالفعل في استخدام ' صحف - مجلات وغيرهما فالانترنت لا يغني بالمرة عن الأدوات الأخرى كما أن هناك اتجاه بصدد تأسيس قنوات فضائية وهي فكرة جسورة وقد سبقها قنوات فضائية إسلامية لها تأثير وتحظى بمتابعات مليونية.
ويؤكد سلطان أن الإسلاميين تجاوزوا فترة الطفولة الإعلامية ودخلوا في النضج كما أنهم ليسوا في حاجة الآن إلى وصاية من أحد فبدءوا يخترقون آفاق جديدة ويستفيدون من خبرات اكتسبوها بحكم التطور.
ولكي يكون للموقع تميزه الخاص يرى الأستاذ سلطان أن الموقع لابد أن يتحلى بروح جديدة ولا تكون تقليدية حيث يكون النسخ من موقع إلى آخر فتكون النتيجة أن تنعدم الإضافة .. فعليك أن تعرف ما هي المساحة الناقصة وتقفز عليها وتشغلها وتملؤها وتبدع فيها.
كما يجب أن لا تحسب على أي تيار سياسي أي كان .. حتى لو حسبت على تيار لابد أن تلتزم بالحيدة وأن يوحي خطابك للقارئ بأنك مستقل إذ أنه لو شعر أن الموقع مصنف أو أنه يخدم فكرة محددة فأعتقد أن كثيرًا من الزوار سيتفرقون عنه ولن ينال احترامهم.
المؤسسات الإسلامية تبخل على الإعلام
أما الأستاذ عامر عبد المنعم رئيس تحرير موقع جريدة الشعب وموقع ' شهود نت ' الإسلامي فيقول ' إن الإسلاميين وجدوا فرصة للتعبير عن أنفسهم بدون قيود فالإنترنت مجال واسع تغيب عنه وسائل الرقابة التقليدية التي تحاصر الإسلاميين خاصة في العالم العربي والإسلامي'.
فالإسلاميون لديهم المحتوى ولديهم الرؤية الصحيحة الواضحة التي يريدون توصيلها بأقل تكلفة ممكنة حيث إن الإعلام التقليدي كما نعلم مكلف ويحتاج إلى ميزانيات ضخمة وإلى إمكانيات غير متاحة إلا للمؤسسات التي تقف وراءها الحكومات أو المؤسسات المرتبطة بهذه الحكومات.
أيضا هناك كوادر إسلامية عديدة اكتسبت خبرة إعلامية في السنوات الأخيرة وهذه تمثل إضافة للإعلام الإسلامي على الانترنت ... ولا أبالغ إن قلت إن الإسلاميين كان لهم السبق في مجال الإعلام الالكتروني بدافع رسالي وعقائدي فاعتبروا الانترنت ساحة للجهاد الإعلامي لا تقل أهمية عن الساحات الأخرى التي يواجه الإسلام فيها مخططات ومؤامرات وحروب أيضا.