وهكذا نجد أن الطريق قد وضح وأن الرؤيا أصبحت قادرة على استيعاب الأبعاد والغايات الخطيرة التي تستكن وراء التغريب وإخراج المسلمين من ذاتيتهم وهويتهم وقيمهم الأساسية.
.الأستاذ أنور الجندي
قسم الثقافة الإسلامية جامعة الخرطوم*
الحمد لله الذي شرع دين الإسلام ناسخًا للأديان السالفة, وجعل القرآن مهيمنًا على الكتب السابقة, وارتضى محمدا صلى الله عليه وسلم خاتمًا للرسل الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام. وبعد..
فلا زال للكلمة خطرُها في المعارك, وما فتئت العبارات والاصطلاحات تمثِّل حجر الزاوية في الحروب, كما أنها أمارةٌ لتميُّز الهوية, وعلامة الانتماء عند الشعوب.
ومن هنا كان لزامًا على الأوفياء من هذه الأمة أن يَعودوا إلى الشرع الحنيف، يستمدّون منه الاصطلاح الرشيد والفهم السّديد. فقد أوجب الله تعالى على عامة المسلمين أن يسألوا أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون، وأن يردّوا الأمور إلى أهل الاستنباط منهم, كما فرض على العلماء بيان الحق والصدع به, وحرّم عليهم كتمان العلم. ولا شك أنّ دور العلماء في الفتن جليل؛ فإنهم مصابيح الدُّجى ورُعاة الجيل وهُداة الأمة إلى سواء السبيل.
وفي معترك هذه الحروب الصليبية الجديدة, كان لا بدّ من إدراك طبيعة هذه الحملة على الإسلام, وأنها تسعى إلى استثمار الغزو الفكري والتبعية الثقافية والحملات التبشيرية وأشكال القضاء على الهوية الإسلامية.
[1] إنّ المتأمل في الحرب الإعلامية التي سبقت هذه الحملة الصليبية يُدرك بوضوح تحميل التسميات البريئة جملةً من المعاني الرديئة، وتجميل السموم الناقعة بالأسماء اللامعة، بحيث صار التواطؤ مع اليهود (شرعيةً دولية) ، وأصبح الاعتداء على المسلمين في كل مكان (تنفيذًا لقوانين الأمم المتحدة) ، وأمسى الظلم والعدوان متدثّريْن بلبوس (مجلس الأمن) و (الرأي العام العالمي) ؛ تهوينًا وتدليسًا, ومخادعةً وتلبيسًا. وهذا سرُّ تعبيرهم عن (الجهاد) بـ (الإرهاب) ، وعن (الاستشهاد) بـ (الانتحار) ، وعن (الاستقامة) بـ (التشدّد والتطرف) ، إلى آخر القائمة الطويلة من المكر الاصطلاحي والخديعة اللفظية؛ لتحوير المفاهيم الشرعية في أذهان الأمة الإسلامية.
وقد نهى القرآن الصحابة الكرام عن متابعة اليهود في قولهم (راعنا) وأمرهم أن يستبدلوا هذا التعبير بلفظ (انظرنا) ، قال القرطبي:"أمر المؤمنين أن يتخيّروا من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقّها" [الجامع لأحكام القرآن: 2/57] , وذكر أنّ في الآية دليلًا"على تجنُّب الألفاظ المحتملة التي فيها التعرُّض للتنقُّص والغضِّ" [السابق] ، كما نبه الرازي على أنّ الله تعالى"منع من قوله (راعنا) لاشتمالها على نوع مفسدة" [التفسير الكبير: 3/203] . وفي هذا دليلٌ واضح على أهمية الاصطلاحات الشرعية.
[2] إنّ تعمُّد التلبيس في استعمال المصطلحات, يُراد منه التشويش على المفاهيم وقلب الموازين في عقول الشعوب التي يوجَّه إليها الاستعمار بكل أنواعه؛ ومن هنا عبر مالك بن نبي ـ بوعي عميق ـ على مقالة (مدام لويزفيس) في (نية تحضير البلاد المستعمرة) بقوله:"من الطبيعي أنّ (نية) كهذه تخلق اشتباهًا يجعل فِعْلَيْ (حضَّر) و (استعمر) بمثابة المترادفَيْن" [في مهبّ الريح لمالك بن نبي: 118] .
ويؤكّّد هذه الطريقة الماكرة من الخداع الاصطلاحي أنّ الأمريكيين يعبّرون عن بسط نفوذهم على شعوب الأرض بأنه (خدمة إنسانية) ، وليس مجرّد تحقيق للمصالح الغربية [الإعلام وقضايا العالم الإسلامي د. عبد القادر طاش: 13-14] ، ولذا يقول (وليام فولبرايت) السناتور السابق ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي معلّقًا على هذه النزعة العنصرية التوسعية للغرب:"إنّ سياسة القوة تمارس مستترة بشتى الأسماء, وقد كان البريطانيون يسمّونها (عبء الرجل الأبيض) والفرنسيون (رسالتهم الحضارية) وأمريكيو القرن التاسع عشر (مصيرهم المحتوم) . وقد كتب (هيرمان ملفيل) الأمريكي خلال القرن الماضي يقول: نحن الأمريكيين شعب خاص, شعب مختار. إننا نحمل دفة الخلاص لحريات العالم" [أمريكا وغطرسة القوة، قدري قلعجي: 35] .
[3] إنّ شريعة الإسلام التي كرّمت الإنسان, قد طهّرت الجَنان وهذّبت الجوارح واللسان (( الرحمن علّم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان ) ) [سورة الرحمن: 1-4] . فقد ورد النهي عن أن يقال (عبدي) و (أمتي) , وجاء التوجيه أن يُقال (غلامي) و (فتاي) و (فتاتي) . إشارة إلى تهذيب المفاهيم تبعًا لتهذيب المصطلحات. وقد روى البخاري في كتاب الأدب عن سعيد بن المسيب بن حزن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سأل جد سعيد عن اسمه فقال:"حَزْن". قال: (بل أنت سَهْل) . قال:"لا أغيّر اسمًا سمّانيه أبي". قال ابن المسيّب:"فما زالت الحزونة فينا بعدُ".
[4] أكّدت الشريعة السمحاء أهمية أن تسود مصطلحاتها الغراء في حياة المسلمين كلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يغلبنَّكم الأعراب على تسميتكم العشاء بالعتمة) , معتبرًا غياب المصطلح الشرعي هزيمةً للمسلمين، وكفى بذلك عبرة لأُولي الألباب!
[5] إنّ انعكاس المصطلح, يمثل انتكاسةً في عالم القيم والمبادئ؛ فالألفاظ مرآة القيم عند الأمم كما قال الشاعر:
ومن هنا يؤكد القرآن للمسلمين أن يقولوا قولًا سديدًا، ويعلّق على ذلك أن يصلح لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ورُبَّ كلمةٍ لا يلقي لها المرء بالًا تهوي به في جهنم سبعين خريفًا. وقد نبّه مالك بن نبي رحمه الله على أنّ إغفال مصطلح (المسجد) في كتاب (فن العمارة بالجزائر) جناية علمية [مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي: 145] ، وعلّق على تعبير (الحكومة وشعبها) بقوله:"لقد عُكِست علاقة الملكية. فبدلًا من أن يكون للشعب حكومة, أصبح للحكومة شعب. وأضحى المالك مملوكًا. بَيْدَ أنّ هذه الهفوة من أعراض انعكاس سُلَّم القيم" [السابق: 80] .
[6] لا ينبغي للمسلمين ـ بعد أن يحرّروا مفاهيمهم الشرعيّة ـ أن يبالوا بالحرب الإعلامية الاصطلاحية التي يشنها أعداء الإسلام ضدّهم. بل إنّ بعض ما ينعتونهم به من الاتهامات مثل تهمة الإرهاب إنما هو شرفٌ وعزٌ لهم. ورحم الله ابن الزبير فقد كان أهل الشام ينتقصونه بزعمهم حيث يقولون له: (ابن ذات النطاقين) فيقول:
"وتلك شِكاة ظاهرٌ عنك عارُها" [راجع فتح الباري 12/231]
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
بقلم مبارك القحطاني
"...كانت المجلة تسدّ ثغورًا كثيرة من ثغور العمل الإسلامي ، و يقوم الشيخ محمد رشيد رضا بتحرير أغلب موادّ المجلة بنفسه ، و يقوم بتصحيحها و فهرسة مجلداتها مما يسبب له الكثير من الإرهاق و العنت"
إن الحديث حول تاريخ الصحافة الإسلامية سيكون خِداجًا ما لم يتطرّق إلى فارس هذا الميدان"محمد رشيد رضا"رحمه الله و مجلته العتيدة"المنار"، هذا الرجل الفاضل الفذّ الذي انعقد له لواء الريادة و الأسبقية في مجال إرساء دعائم العمل الصحفي في سبيل الدعوة إلى الله تعالى في هذا العصر ، و انتقاله بهذا الميدان نقلةً واسعةً ناضجةً ، لا يملك المسلم المعاصر إزاءها إلا إزجاء أعطر آيات العرفان و الشكر له و لجهوده الرائدة .