فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 3028

وهناك هجوم كاسح على اللغة العربية بقصد اختراقها لأنها الفصحى لغة القرآن. وهناك محاولات مستميتة لإحياء العاميات سواء في المسرح أو المسلسلات أو الصحافة أو القصة فضلًا عن إنكار فضل المسلمين على الحضارة والتجريب ومحاولة حجب الشريعة الإسلامية وإعلان القانون الوضعي.

كما تبين فساد مفاهيم الاقتصاد السياسي الربوي وعلم النفس الفرويدي ومفاهيم ماركس ودوركايم وسارتر وفساد فكرة وحدة الأديان أو وحدة الثقافة كما كشف الباحثون عن تناقض الكتب القديمة واستحالة اندماج الإسلام في الإيدلوجيتين الليبرالية والشيوعية.

وتميز الإسلام بالنسبة للأديان السماوية والوضعية جميعًا بذاتيته الخاصة وكتابه الخالد النص الثابت الموثق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

أخطر القضايا التي تواجه الشباب المسلم اليوم التبعية للفكر الوافد.

التبعية للفكر الوافد:

ما يزال الشباب المسلم في هذا العصر في حاجة إلى معرفة أبعاد القضية الكبرى التي تمتلك عليهم اليوم فكرهم وينقسمون إزائها تحت تأثير الخدعة التي جرت على أقلام أتباع الاستشراق والتغريب وهي اصطناع أسلوب الغرب في مواجهة التفوق عليه والتحرر من نفوذه. وهي خدعة ضخمة كشفت الأحداث خلال أكثر من قرن كامل عن فسادها فقد استهدف النفوذ الأجنبي بها احتواء المسلمين في دائرة مغلقة هي دائرة فكره والتبعية له، والانحباس بها دون امتلاك إرادة فكرهم المشرق والمنطلق الذي يحمل لواء النظرة الجامعة وبكامل عناصر المادة والروح والذي يحمل شارة العزة والكرامة والعبودية لله تبارك وتعالى وحده من دون الأمم أو الحضارات أو الإيدلوجيات والمذاهب الوافدة.

بل إنه لمن العجب أن نجد مسئولًا يحمل مسئولية النيابة عن العرب في منظمة دولية كبرى يقول هذا القول ويردد الفكرة الباطلة المسمومة حين يقول:"إنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل استيراد الحضارة الحديثة دون استيراد قيمها معها فنحن فيما يرى هذا التغريبي لا يستطيع استيراد المنتجات التكنولوجية للعالم الحديث دون تبني نفس القيم التي كانت خلف الحضارة التكنولوجية فالحضارة كل متكامل لا يتجزأ".

ونقول لو أن رجلًا مثل فرنسيس بيكون، أو جلبرت سلفستر الثاني قال لقومه في مطالع عصر النهضة الأوروبية هذا القول لجعلوه أضحوكة الدهر ولكن من قومنا من يقول هذا ويردده دون أن يشعر بأنه يخدع أمته خداعًا شديدًا، ذلك أن مفهوم الحضارة المادية بمعنى المادية ليست إلا تجارب علمية في مجال الطبيعة والكيمياء والعلوم التجريبية لا تفرض في حاملها أو القائم بها أن يكون مؤمنًا بمفاهيم الخطيئة والمادية والعلمانية أو يكون مؤمنًا بأن يجعل هذا التقدم العلمي كله في سبيل تدمير البشرية بالقنبلة الهيدروجينية أو نشر أساليب الإباحة والفساد والانحراف تحت اسم الفن أو المسرح وإفساد المجتمعات وهدم الأسرة ودفع الشباب إلى الانحراف تحت اسم الوجودية أو الهيبة، إن هناك فاصلًا عميقًا بين التجربة العلمية التي يطمع المسلمون في الحصول عليها وبين أسلوب العيش الغربي الذي يطبق هذه المعطيات الحديثة، ولقد كانت معطيات المنهج العلمي التجريبي الذي بدأه المسلمون تنطلق من خلال مفاهيم الرحمة والعدل والإخاء الإنساني فاستطاع الغربيون أن ينقلوا المقايسات المادية إلى إطار فكرهم دون أن يأخذوا نفس القيم الإسلامية التي كانت تقوم عليها وقد كان ذلك سببًا هامًا من أسباب انحراف الحضارة وفسادها وظهور أزمة الإنسان الغربي المعاصر.

لقد ردد هذه المفاهيم كثير من دعاة التغريب وكانوا في ذلك مخادعين مضلين، ولم يعد مثل هذا القول يخدع أحدًا فقد تكشف الأهداف الخطيرة القائمة وراء دعوة المسلمين إلى أسلوب العيش الغربي بفساده وانحرافه وخمره وإباحياته وإن كان المسلمون قد جروا من الشوط ثمة فإنهم يعرفون الآن أن هذه التبعية هي التي اجتاحت وجودهم وأدخلتهم في الأزمة الخطيرة التي يعانونها وهم يواجهون أهواء البشرية كلها ممثلة في النفوذ الأجنبي والصهيونية والماركسية جميعًا.

لقد كان المفكر والشاعر المسلم محمد إقبال في الثلاثينات من هذا القرن قد حذر قومه من هذه الأخطار حين قال:

على المسلم المعاصر أن يحذر الوقوع في الخطر الذي يمكن فيما ينطوي عليه الفكر الأوروبي الجديد من إلحاد وخصوصًا أن أساليب الخداع فيه كثيرة فقد انخدع به كثيرون من المسلمين كما انخدع بالفعل به بعض الدعاة في الهند فعلينا أن نعيد النظر في تفكيرنا الإسلامي من جانب نمحض هذا الفكر الجديد بروح مستقلة يقظة من جانب آخر. إن أخف الأضرار التي أعقبت فلسفة الغرب المادية هي ذلك الشلل الذي اعترى نشاطه والذي أدركه هكسلي وأعلن سخطه عليه.

وللاشتراكية الحديثة الملحدة، ولها كل هؤلاء الدعاة المتحمسين المضللين، لقد استمدت أساسها الفلسفي من المتطرفين من أصحاب مذهب هيجل، فقد أعلنت العصيان على ذات المصدر الذي كان يمكن أن يمدها بالقوة والهدف فهي إذ ليست بقادرة على أن تشفي علل الإنسانية.

وعلى المسلم أن يقدر وأن يعيد بناء حياته الاجتماعية في ضوء الميادين القاطعة في الإسلام كمبدأ التوحيد وختم الرسالة وأن يستنبط من أهداف الإسلام التي لم تنكشف إلا الآن تكشفًا جزئيًا تلك الديمقراطية التي هي الحكاية الأخيرة للإسلام ومقصده.

إن المسلم القوي الذي أنشأته الصحراء وأحكمته رياحها الهوجاء أضعفته رياح العجم فصار منها كالناي تحولًا ونواحًا وإن الذي كان تكبيره يذيب الأحجار انقلب وجلًا من صفر الأطيار والذي هز عزمه شم الجبال غل يديه ورجليه بأوهام الاتكال والذي كان ضربه في رقاب الأعداء صار يضرب صدره في اللاواء والذي نقشت قدمه على الأرض ثورة كسرت رجلاه عكوفًا في الخلوه والذي كان يمضي على الدهر حكمه وتقف الملوك على بابه رضى من السعي والقناعة وذلة الاستخدام والخشوع.

ويقول إقبال: إن أوروبا اليوم هي أكبر عائق في سبيل الرقي لأخلاق الإنسان. أما المسلم فإن له هذه الآراء النهائية القائمة على أساس من"تنزيل"يتحدث إلى الناس من أعماق الحياة والوجود وما تعني به هذه الآراء من أمور خاصة في الظاهر يترك أثره في أعماق النفوس الأساسي الروحي للحياة عند المسلم بإيمان يستطيع المسلم أن يسترخص الحياة في سبيله.

وقد تعددت كتابات الكاشفين عن فساد التبعية وعن فساد الصنم المعبود الذي هوى. يقول أحدهم: إن المجتمع البشري اليوم قد سئم ويئس من منبع أوروبا الذي فقد زمنه، ولم يستطع خلال هذه النهضة الهائلة الطويلة أن يضيف إلى رصيد الإنسان إلا الحديد والنار والبارود والدخان والقنابل المدمرة والغازات السامة والآلات المبيدة. إن الفراغ الذي حدث في قيادة الإنسانية اليوم فراغ رهيب ولكنه فراغ لا يستطيع أحدًا أن يملأه إلا العالم الإسلامي ونقول: بل دعوة التوحيد الخالص التي حملها الإسلام وما زال محجوبًا من المسلمين.

ويقول باحث آخر: إن أولئك الرجال الذين اعتنقوا الأفكار الغربية (قومية وليبرالية واشتراكية) ظنًا منهم أنها تحرر القدس أو توحد الأمة أو تعيد للمسلمين والعرب كيانهم، هم مخدوعون وعليهم أن يعودوا إلى مفهوم الإسلام بعد أن أصبحت تلك الشعارات والأفكار هباءً منثورًا وألفاظ بلا مضمون ولا تؤدي إلى سراب خادع وهم بالتأكيد ما لجأوا إلى ذلك إلا هربًا من الإسلام وخطره على النفوذ الأجنبي والشيوعية والصهيونية التي ينتمي إليها زعماء تلك التيارات والاتجاهات ومؤسسوها أ. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت