ووفقًا للتصور الإسلامي فإن للملابس فلسفة خاصة تستند إليها"فلسفة العفاف"، وغايتها ليست ستر البدن فقط، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقولها:"وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ" [الأعراف: 26] ، وفي هذا الإطار لا يعد الحجاب زيا لطبقة خاصة، أو زي الفقر والعوز ترتديه من لا تستطيع مواجهة تكاليف عصر ما بعد الحداثة، أو زيا فولكلوريا تراثيًّا يحمل معنى التمسك بتقاليد بالية. بل هو زي عقائدي، يحمل قيمة دينية، ومظهرا لثقافة خاصة (يختلف شكل الحجاب بين الدول الإسلامية بحسب الثقافات، لكنه يتفق على"ستر"حدود ما يُعتبر عورة شرعًا) ، والتمسك به يعني تمسكا بالتشريع الإلهي في مواجهة محاولات التشريع الوضعية من قبل حضارة تستهدف قولبة البشر، وإعادة صياغتهم وفق منظورها الحضاري الذي تراه المنظور الوحيد الجدير بالتعميم طوعًا لا كرهًا.
حجاب.. لا حَجب
وإذا كان الإسلام قد شرع الحجاب؛ فإنه لم يشرع الحَجب -بمعنى المنع- عن مخالطة الرجال وإبقاء المرأة حبيسة دارها، لا تغادرها، ولا تسهم في دائرة الحياة العامة؛ إذ لو كان الأمر كذلك فلمَ شُرع الحجاب؟ وقد ثبت في السنة الصحيحة أن النساء كن يحضرن إلى المسجد للصلاة، الذي ضم صفوف النساء كما ضم صفوف الرجال من دون حجاب حاجز، وكذلك جلست المرأة إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلمة ومتحدثة ومقاتلة في الغزوات ومهاجرة بدينها إلى الحبشة، كما عرف عنها أيضا اشتغالها بأعمال الطب والتجارة والتعليم وغيرها من الأعمال التي أتيح لها الاضطلاع بها.
ورغم ذلك فقد شهد الإسلام في عصوره اللاحقة ممارسات تعد -بحق- ارتدادا عن تلك الممارسات التي شهدها عصر النبوة، وذلك بفعل التباس الثقافي بالديني، وتفشي الترف وكثرة الجواري، والاختلاط مع أجناس غير عربية، ومحاكاة نظمها الإدارية والاجتماعية؛ وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تهميش وتغييب المرأة، ودفعها للانزواء داخل بيتها وحصر كل اهتماماتها داخله، وتخليها عن أي اهتمامات أو أعمال يمكن أن تُمارس خارجه؛ وهو ما يعني أن التغيرات المجتمعية التي اعترت المجتمع الإسلامي هي التي أدت إلى تقسيم العمل على النحو الذي نعرفه (داخل البيت وخارجه) ، وإلى إفراز تلك الصورة النمطية المختزلة عن المرأة، ولا يعني شيوع تلك الصورة وتاريخيتها أننا أمام تشريع إسلامي بل أمام ثقافات تتفق وتختلف مع التشريع.
النسوية العلمانية.. وقهر الحجاب!
واتساقًا مع الرؤية الغربية يلقى الحجاب معارضة قوية من قبل غالبية النخب الثقافية والفكرية العربية؛ نظرا لأنها تدين بالفضل في تكونها الفكري والطبقي للثقافة الغربية، وتعد أطروحاتها بخصوص المرأة بوجه عام والحجاب بوجه خاص مجرد تكرار أجوف للطرح الغربي، ولا تحمل أي فكر جديد. ومن أبرز المعارضين تيار الحركة النسوية العلمانية الذي ينظر للحجاب باعتباره أداة من أدوات التمييز الاجتماعي ضد المرأة، ووسيلة من وسائل القهر.
على أنه ينبغي ألا يفهم من ذلك أنه يحث على التبرج والمبالغة في إظهار الزينة؛ فتلك دعوة يرفضها التيار النسوي؛ لأنها تختزل إنسانية المرأة في حدود جغرافية جسدها، وغاية ما يرمي إليه هو التقريب"الشكلي"بين الجنسين؛ لذا فغالبية النسويات يحرصن على تقصير شعورهن وارتداء ملابس شبيهة بملابس الرجال!
وخارج الدائرة النسوية يثير بعض العلمانيين من آن لآخر جدلا حول مشروعية الحجاب عبر التشكيك في تفسير آيات الحجاب الواردة في القرآن الكريم، وكان من المحاولات التي بُذلت في هذا الصدد محاولة المستشار سعيد العشماوي في كتابه"حقيقة الحجاب وحجية الحديث"، وإذا كانت هذه المحاولة قد تمسحت بالطابع العلمي؛ فإن غالبية المحاولات العلمانية قد حادت عنه؛ فقد كتب حسين أحمد أمين -دون أن يضحك مما كتبه-: أن الحجاب"جهاز واقٍ يحجب مرتديه عن العالم الخارجي، ويقيه من مؤثرات ضارة به تسببت من قبل في إحداث تهيج شديد عنه لم تكن له طاقة به، ففضل نوعا من الكبت والتحريم المفرطين على أن يعرض نفسه من جديد لهذه المؤثرات"!
هذه المحاولات التي قُصد بها التعرض للحجاب تجعلنا نعتقد -بحق- أن"مسألة الشرق"هي قبل كل شيء"مسألة الغرب"، وأن الأزمة المثارة حاليا في فرنسا لها بعض الظلال الشرقية، ولن يتم الخروج منها إلا باعتماد التسامح وقبول مبدأ التعددية الثقافية، بل واستحسانها أيضا، وفي هذا يقول"جوته":"التسامح خلق يجب أن نتخطاه ونتجاوزه؛ فهو يصل بنا إلى الاعتراف، أما مجرد التقبل فهو أمر مهين".
** أم نور
انتشارظاهرة منع الحجاب تجتاح مدن العالم
إن كل ما تنادي به التيارات المختلفة من النسوية -سواء في الغرب أو داخل البلاد الإسلامية- عبارة عن تجليات لفكر حائر يحتاج إلى التطبيق والتقييم، وهو بعيد عما نسميه بالعلم ومسلماته ومجالاته.. هذه قناعتي الشخصية التي توصلت إليها بعد أن أمضيت مع دراسة الفكر النسوي أكثر من سنتين بشكل أكاديمي، عندما كنت أدرس الماجستير في الجندر (النوع الاجتماعي) والتنمية، وبعدها تفرغت لدراسة النظريات والدراسات الاجتماعية فيما يتعلق بمفردات الفكر النسوي، والاستمرار في التواصل فكريا وثقافيا مع هذا الفكر حتى لحظة كتابة هذه الأسطر.
ووجدت أيضا أنه عندما نتعمق في الدراسة النظرية للفكر النسوي من المنظور الغربي الصرف ونقوم بربطها بما وصل إليه واقع المرأة الثقافي والاجتماعي والسياسي والتشريعي في المجتمعات المتأثرة بهذه المنظومة الفكرية.. تتولد لدينا لاإراديا رغبة المقارنة في المنطلقات والنتائج بين المنظور النسوي ومنظور الأديان -وخاصة الإسلام- في كل ما يتعلق بالمرأة.
التوازن لا المغالاة
كما اكتشفت أن هناك نوعين من المغالاة في التعامل مع المرأة: أولهما الغلو في التعامل مع خصوصية المرأة البيولوجية، وما يترتب عليه من وظائف اجتماعية، واختزال المرأة في وظائف بيولوجية واجتماعية محددة؛ حتى أصبحت المرأة كأنها أداة لتفريخ البشر وحسب، وعلى الجانب الآخر يتجلى هذا الغلو في بعض المجتمعات بانتفاء تلك الخصوصية من المرأة من أجل مساواتها بالرجل/الند، ويتم ذلك تحت شعار"تحقيق إنسانيتها".
وفي الحقيقة نجد أن الحالتين لم ولن يحققا المساواة ولا تحقيق الذات للمرأة.. بل المطلوب ألا تحرم المرأة من حقوقها الإنسانية ولا من حقوقها كامرأة، وأن تُبنى الإستراتيجيات على أساس تحقيق التوازن بين إنسانية المرأة وخصوصيتها كأنثى، والحفاظ على هذا التوازن.
وتعد قضية الحجاب من المسائل الخلافية التي اختلف حولها التياران النسوي والنسائي، وتعد انعكاسا حقيقيا للمغالاة التي يتبناها الطرفان في تناولهم لقضايا المرأة؛ حيث قام كل تيار بمناقشة مسألة الحجاب، كلٌّ من منظوره استنادا على مجموعة من النقاط الهامة:
النقطة الأولي: في حين ينظر التيار النسائي الإسلامي إلى أن فلسفة قيام الحجاب ترتكز بالأساس على انتفاء صفة الجنس، أو اعتبار المرأة أداة أو دافعا جنسيا داخل محيطها، وأن الحجاب ضرورة لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة الإنسان في المجتمع وفي مجالات العمل المختلفة؛ حيث ينظر إلى الحجاب على أنه وسيلة يمكن أن تتخذها المرأة لإطلاق العنان لتحقيق ذاتها من خلال عملها الذي تختاره هي حسب مؤهلاتها، وكذلك تثبت واجب مشاركتها في بناء وإصلاح المجتمع.