وتتكرر نفس الرؤية بقوالب مختلفة في الفكر النسوي العلماني؛ حيث يؤكد الراديكاليون من النسويين على ضرورة تقريب الشكل الخارجي للمرأة من شكل الرجل؛ حيث تقصير الشعر وارتداء"البنطال"وانتفاء المكياج، بالإضافة إلى مناهضة أغلب تيارات النسوية استخدام المرأة في الدعارة والدعايات وبقية وسائل الإعلام، منطلقة من نفس الفلسفة؛ أي لإقصاء جنس المرأة أو اعتبارها أداة متعة؛ لتتساوى في ذلك بالرجل الإنسان.
ولكن المفارقة تكمن في إنكار النسوية الراديكالية.. هذا في قضية الحجاب مع تماثل الموقف والعلة؛ حيث إن الرجل هو المعني بالنظرة الجنسية للمرأة في الحالتين، والرجل الذي يجلس أمام فاتنة أبرزت جمالها.. من الطبيعي أن ينصرف ذهنه إلى الغريزة والأنوثة، في الوقت الذي تستطيع المرأة بستر تلك المفاتن أن تفرض على الرجل أن ينظر إليها كإنسان مكافئ لها، لا كمغرية تتبارى في منافسة الأخريات، وتُبرز كل يوم مع كل موضة قدرا ونوعا من المفاتن.
ومع أن الحركات النسوية الراديكالية تنكر وجود أي فروق حقيقية بين الجنسين فكيف تناهض تغطية الفروقات الظاهرية التي تذكر دوما بتلك الفروق وتكرسها، وتوحي بأن المرأة شيء والرجل شيء آخر؟ حيث إن المرأة هي نفسها بحاجة إلى فرض نفسها كإنسان على الآخر وعلى المجتمع معا لتنطلق وتحقق ما تريد.
حماية المرأة
والنقطة الثانية: التي يراها التيار النسائي الإسلامي أن الحجاب تم فرضه على المرأة من أجل حمايتها من الإيذاء والاعتداء، بعد أن تمكنت هي من فرض شخصيتها كإنسانة؛ وذلك لترسيخ هذه الحماية في إطار ثقافي ثم اجتماعي؛ وهو ما يؤدي إلى تفادي المجتمع من الاستغراق في حماية المرأة بقوة القانون والبوليس ومحاكم الدولة وسجونها، وهذا ظاهر وجلي للمتابع لما يجري في المجتمعات الغربية التي تقوم بحل قضايا، مثل: التحرش الجنسي، والاغتصاب، وهما ظاهرتان ناتجتان عن الانحلال الأخلاقي الذي يسود المجتمع، ويعد عدم حجاب المرأة من العوامل الأساسية التي أدت إلى تفاقم معاناة المرأة من التحرش الجنسي والاغتصاب حتى وصلت الإحصائيات إلى مستوى مخيف.
وليس معنى هذا أنه بقيام الحجاب سوف يتم القضاء على التحرش الجنسي والاغتصاب، ولكن لا يمكننا إغفال أثر هذا العامل الرئيسي عند تحليلنا للإحصائيات التي لا تبشر بخير لا للمرأة ولا للمجتمع الإنساني، ولا يمكن لباحث علمي أن ينكر العلاقة بين حجاب المرأة وتقليل عوامل الإثارة، وانخفاض نسبة هذه الجرائم في أي مكان؛ فالمقارنة الرقمية من خلال الإحصائيات فقط بين الدول الإسلامية والدول الغربية في هذه القضية تدل على صحة هذا القول، بالرغم من أن المجتمعات الغربية لا تعرف المحرمات في العلاقة الجنسية، ومَن يطلب تلك العلاقة يجدها دون عناء! ومع ذلك نجد تلك الأرقام المخيفة من الحالات التي تعرضت للاعتداء.
وربما يقول قائل: إن ظواهر مثل التحرش والاغتصاب ربما تكون موجودة في مجتمعاتنا الإسلامية المنتشر بها الحجاب، ولكن الأرقام والإحصاءات ليست متوافرة؛ إما بسبب عدم كفاية المؤسسات الراصدة لهذا الأمر، وربما بسبب الإخفاء العمدي للمعلومات، والرد على هذا القول: إن هناك بالفعل منظمات نسائية/نسوية تقوم برصد هذه الأمور، والدليل على ذلك جهود ما تقوم به هذه المنظمات فيما يتعلق بقضايا الشرف.
الحرية الشخصية
والنقطة الثالثة: هي أن ما تم تطبيقه حتى الآن في أكثر من دولة وفي إطار النظم السياسية العلمانية التي تحتضن التيار النسوي الراديكالي من منع للحجاب وحرمان للمرأة المسلمة بسبب حجابها من حقوقها الأساسية في التعليم والمشاركة المدنية والسياسية في مؤسسات الدولة وحتى العلاج أحيانا، ولا فرق بين هذه النظم من حيث إنها تحكم شعوبا إسلامية، مثل تركيا وتونس أو شعوبا غير مسلمة كفرنسا التي تناقش منع الحجاب حاليا، وتطلق يد مسئولي المؤسسات التعليمية في مضايقة البنات المسلمات في ذلك.
وهنا يظهر جليا غلبة التيار النسوي الراديكالي بكل مسمياته على حساب بقية التيارات النسوية، وإخفاقه في تحقيق مناخ تتمتع فيه المرأة ولو بحريتها الشخصية، وحقها في الاختيار حين يكون حصولها على مساندة النظم السياسية أمرا واقعا، بل بدل ذلك أطلقت لنفسها عنان التمثيل نيابة عن كل النساء في قضايا تمس المرأة، هذا إن تعاملنا مع قضية الحجاب منطلقين من مبدأ الحرية الشخصية التي تناضل النسوية من أجلها ولكن بمعيار مزدوج؛ إذ منع الحجاب وحرمان المرأة المسلمة بسبب حجابها من حقها في دخول المدارس والجامعات والبرلمان وبقية مؤسسات الدولة لا تعد انتهاكا صارخا لحقوقها كإنسان!! حيث أصبحت العلمانية والنسوية الراديكالية في جبهة واحدة لخلق نوع جديد من التمييز القانوني ضد أغلب شرائح النساء في مجتمعاتهم فيما يخص قضية الحجاب، وأصبحت النسوية الراديكالية التي كانت بالأمس تنتقد وصاية الدين والرجل على المرأة تفرض وصايتها ووصاية الدولة بالقانون على المرأة، وقس على ذلك وصاية التيار النسوي الراديكالي من خلال مؤسسات الأمم المتحدة والمواثيق والاتفاقيات الدولية على نساء العالم، بعيدا عن أي اعتبار لتعدد الثقافات والأديان بين الأمم والشعوب.
الشكل والجوهر
والنقطة الرابعة: هي انغماس الراديكاليين في شأن الحجاب؛ لدرجة أن كل من ترتدي الحجاب لا تعتبر من وجهة نظر أغلبية هذا التيار مدافعة عن حقوق المرأة، ويختلق هذا التيار علاقة عكسية بين قضية الحجاب وقضية الدفاع عن المرأة، ويعتبر الحجاب وعدمه معيارا لتحديد من يوصف بالمدافع عن قضية المرأة، وكأن الحجاب يعطل فكر المرأة من أن تناضل من أجل الحصول على حقوقها وحقوق من تمثلها، وهذا التعامل السطحي مع الحجاب خلق حاجزا نفسيا بين الناشطات في مجال قضايا المرأة داخل المجتمعات الإسلامية، نلاحظها من خلال المناشط اليومية والمؤتمرات، وأعتبره شخصيا عاملا مؤثرا وأساسيا في ضعف التواصل بين مختلف المؤسسات والجمعيات والمراكز الناشطة في مجال المرأة والاتفاق على أرضية مشتركة للعمل عليها من أجل المرأة نفسها، حين كانت مجتمعاتنا عامة والمرأة فيها خاصة في غنى عن هذه الحالة.
وهذا التعامل ليس مقصورا على الراديكاليين من النسوية؛ بل إن هناك من المتشددين الإسلاميين من يرون نفس الرأي تجاه سفور المرأة. فبالرغم من أهمية الحجاب وكونه فريضة دينية فإنه ليس أهم من الإيمان والواجبات الخمسة المتعلقة بالإسلام، وليس الشكل أهم من الجوهر، وفي كلتا الحالتين تتضرر المرأة لوحدها، وتنغمس مختلف تيارات نسائية/نسوية في إشكاليات لا تقدم للمرأة شيئا، بل تعرقل النضال من أجل حصول المرأة على حقوقها وكذلك تمكينها.
والنقطة الخامسة: هي نظرة التيار النسائي للحجاب على أنه جزء من هويتها الدينية والثقافية، وأن تمسكها بالحجاب من القضايا التي لا يمكن التهاون فيها، وأنها من مقتضيات الحفاظ على نظامها الثقافي في زمن تغزوه العولمة، وأن هذا التمسك يعكس واقع مجتمعاتها الإسلامية، ويعبر عنها.