ويمكن أن يزول العجب إذا تذكرنا أن معظم -إن لم نقل كل- مؤسسي وقادة الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي كانوا من اليهود: ففي مصر مثلًا كان هناك أربعة تنظيمات شيوعية، رؤساؤها كلهم يهود: «هنري كورييل» ، «إيلي شوارتز» ، «أوديت» وزوجها «سلامون سدني» ، «يوسف درويش» و «ريمون دويك» . كذلك فإن السكرتير العام للجنةالمركزية للحزب الشيوعي اللبناني السوري «جاكوب تيبر» يهودي جاء من فلسطين ليترأس الحزب، وعندما تشكلت قيادة جديدة برئاسة خالد بكداش ثم اختيار فرج الله الحلو حيث أرسل إلى تل أبيب للتنسيق، كما تم استقدام «نخمان ليفنسكي» اليهودي ليكون مستشارًا للقيادة الجديدة.. (صفحات مجهولة) . إن الغاية من مثل هذه الدعوات المشبوهة والمضللة: إبعاد الإسلام عن ساحة القضية المقدسة؛ لقد درسوا التاريخ، تاريخ صراعهم مع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وتاريخ الغزو الصليبي، ووعوا درسه، بل إنهم شكلوا لجنة لدراسة ظاهرة »صلاح الدين الأيوبي « رحمه الله لتفادي ظهورها من جديد.. وذهبوا إلى حد استعداء الدنيا بأسرها ضد الصحوة الإسلامية: » إن عودة الروح الدينية للظهور من جديد في المنطقة تشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل إسرائيل ولمستقبل الحضارة الغربية بأسرها.. إن على اليهود وأصدقائهم أن يدركوا أن الخطر الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل هو خطر عودة الروح الإسلامية إلى الاستيقاظ من جديد.. وإن على المحبين لإسرائيل أن يبذلوا جهدهم كله لإبقاء الروح الإسلامية خامدة، لأنها إذا اشتعالت من جديد فلن تكون إسرائيل وحدها في خطر، ولكن الخضارة الغربية كلها ستكون في خطر«. (من تعليق للإذاعة اليهودية: 5/9/1978م) .
وإبعاد الإسلام عن ساحة القضية المقدسة لا يكون إلا بمثل هذه »المستوردات« من هنا وهناك، وإلا فما الذي دفع يهود إلى أن يهجروا الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبولندا وغيرها من دول أوروبا الشرقية والغربية.. والقدوم إلى فلسطين للاستقرار والإقامة فيها؟ وإن كان حقًا منهم من يعادي الصهيونية كما يدّعون، فلمَ لا يعودون إلى بلدانهم الأصلية؟ لمَ يصرّون على البقاء في فلسطين وتشريد أهلها، وينطلقون في كل ما ينادون به من منطلق الحفاظ على دولة إسرائيل والتمكين لها في الأرض؟
وأخيرًا: فإن يهود، وهم يتقدمون نحو الأرض المقدسة، رجالًا ونساءً، شيبًا وشبابًا، جاؤوا يتغنون بنداء التوراة على اختلاف انتماءاتهم الظاهري، يحدث هذا في اوقت الذي نجد فيه بعض من يسمون عندنا برجال الفكر والمثقفين يخجلون من مجرد الانتساب إلى الإسلام، ويبذلون ما في وسعهم لرفع شعارات ودعاوى تصرف أذهان الناشئة المسلمة عن حقيقة الصراع الدائر على الأرض المقدسة.. يراهنون على الصراع الطبقي وضرورة الوقوف مع الكادحين اليهود رغم احتلال أرضنا، ويسخّرون وسائل الإعلام المختلفة للدعوة إلى التفريق بين اليهودية والصهيونية.. هذه التفرقة ليست مهمة العرب والمسلمين، فهم الضحية المعتدى عليهم، ولكنها مهمة اليهود أنفسهم -إن كانوا صادقين- من خلال المواقف العملية التي يتخذونها ضد اليهود الذين اغتصبوا فلسطين وغيرها من أراض عربية مسلمة وشردوا أهلها.. فهل فعل هؤلاء شيئًا من هذا؟
إن الصهيوني كما يقول الشيخ محمد الغزالي: »ليست وليدة بحث اليهود عن وطن لهم بعد ما أحسوا وحشة الغربية في أرض الله الواسعة.. فقد وسعتهم بلدان شتى،وعاشوا فيها جزءًا من أبنائها الأصلاء، ووصلوا إلى درجة فاحشة من الثراء، ومناصب كبيرة في الحكم.. ولكنه رجحوا نداء دينهم على علاقاتهم بأوطانهم وآثروا التجاوب مع توراتهم وتلمودهم على الذوبات في الوطنية الأمريكية أو الروسية أو الألمانية أو.. سيرتهم في مختلف القارات واحدة، ونزوعهم إلى خدمة عنصرهم ديدنهم في كل مكان وزمان..« فهل يعي العرب والمسلمون هذه الحقيقة؟
مجلة الأمة، العدد 59، ذو القعدة 1405 هـ
[1] أثيرت هذه القضية علنًا، وبشكل جماهيري، في أعقاب نكبة الخامس من حزيران 1967م، وتمكنت دولة العدو من السيطرة على فلسطين بأكملها والجولان وسيناء.. وتولت كبرها مجلة «الطليعة» التي كانت تصدر في القاهرة، وكان مدير تحريرها آنذاك زوجًا لبنت أحد زعماء الحركة الصهيونية -يهودي رأسمالي صودرت أمواله في مصر.
[2] (ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حينفًا مسلمًا..)
[3] انظر سفر يشوع، وهو المقرر بصورة إجبارية في المناهج المدرسية على الناشئة والمعتمد من الحاخامية العسكرية في جيش العدو، لتجد كيف يركز على «الإبادة المقدس» من ذلك مثلًا: «وحرِّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف» (الإصحاح السادس/21) .
[4] الحاشية: رئيس دولة ألمانيا الشرقية، وقد قال «شو إن لاي» ريئس وزراء الصين السابق لوفد منظمة التحرير: «إن الروس يتظاهرون بأنهم يعطونكم بعض التأييد، بل ربما ذهبوا إلى أبعد من ذلك فأوهموكم بأنهم يحملون السلاح معكم، ولكن احذروا من ذلك، وتأكدوا أن البندقية التي يحملها الروس معكم هي غير محشوة، إنها فارغة..
بقلم: د. محمد آمحزون
مجلة البيان العدد 89 المحرم 1416 - يونيو 1995
إن تاريخ الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية يشير إلى ظاهرة مهمة جدًّا في نشأة هذه الأحزاب، وفي مواقفها من النزاع العربي الإسرائيلي، وفي تأثرها بالعناصر اليهودية التي حرّكتها الصهيونية العالمية لإقامة دولة إسرائيل.
ويمكن القول بكل يقين: بأن الحركة الشيوعية في العالم العربي إنما أنشأها اليهود الذين كانوا أنشط العناصر داخل هذه الحركة، وفي تلك الفترة بالذات من تاريخ قيام الأحزاب الشيوعية في العالم العربي، أخذت بعض الدعاوى تنتشر في الأجواء السياسية حول شرعية حق اليهود القومي في فلسطين، لتلتقي هذه النظرة التي عمل الشيوعيون على ترويجها مع النظرة الصهيونية والأهداف التي تعمل لها.
إن تأثر الماركسيين العرب بالعناصر اليهودية على مستوى القيادة والتنظيم السياسي، كان له بالغ الأثر في جعل الماركسيين يعمون عن واقع وطنهم، ويتغاضون عن تمزيق بلادهم، إذ كانوا لا يفكرون من خلال عقولهم، وإنما من خلال المخططات التي تضعها الشيوعية الدولية والصهيونية العالمية، ويعملون هم على تنفيذها بشكل تلقائي دون أن يجهدوا أنفسهم في تحري المواقف، ليروا ما إذا كانت تلك المخططات الموضوعة تصلح للعالم العربي الإسلامي وتتفق مع حقه في الوجود أم لا.
كان الحزب الشيوعي الفلسطيني أول حزب شيوعي تأسس في المنطقة عام (1919م) ، وكان جميع عناصره من اليهود الروس الذين حملوا بذور الفكرة الأولى إلى فلسطين. وفي عام 1924م تأسس الحزب الشيوعي في لبنان، حيث ساهم بعض العناصر اليهودية الوافدة من فلسطين في إنشائه، وهي التي أوكلت إليها مهمة نشر الفكرة الشيوعية والإشراف على تنظيم خلاياها في منطقة الشرق الأوسط (1) .
وفي نهاية عام 1925م كانون الأول (ديسمبر) انعقد المؤتمر الوطني الأول للحزب الشيوعي، وانتخب لجنته المركزية من سبعة أعضاء، وظل تيبر اليهودي الروسي محتفظًا بأمانة الحزب العامة، وكان يعرف عادة باسم شامي، حيث درج معظم الأعضاء القياديين في الحركات الشيوعية على استعارة أسماء أخرى، وهو تقليد يهودي (2) .