فهرس الكتاب

الصفحة 2861 من 3028

وهكذا يقوم التفريغ العلماني بدوره في نشر الإيدز السياسي والثقافي والعقدي لتصبح المنطقة كلها سوءات مفضوحة مفتوحة ، أو لاجئين مطاريد ، أو أمواتا

ولا تنتهي معركة"المسألة الشرقية"بحلقتها الأخيرة في"مشكلة الشرق الأوسط"

بل تتصل فصولها في أوطان المسلمين تخريبا وتبديدا

أو يخلعوا ثوب العلمانية ، ويلبسوا ثوب الإسلام

والله أعلم

المحامي/ صبحي صالح موسى

تعد التشريعات القانونية مرآة تعكس حقيقة المجتمعات؛ فمن خلالها نستطيع التعرف على النمط السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأي مجتمع لا سيما المجتمعات ذات الاتجاهات الأيديولوجية التي تحكمها تشريعات تصدر عن هذه الاتجاهات وتصب فيما يحقق الفلسفة الفكرية للاتجاه السائد.

ولما كانت الشريعة الإسلامية نظامًا كاملًا شاملًا (وضمن ذلك جانبها التشريعي القانوني) يستند إلى أساس عقدي، وتصدر عن أصل مقدس قائم على الكتاب والسنة، وهما أصلا الاستدلال عند المسلمين؛ فإنها تتميز بلون وسمت مميز ومختلف تمامًا عن كافة النظم القانونية الأخرى السائدة في العالم كله {صٌبًغّةّ پلَّهٌ $ّمّنً أّّحًسّنٍ مٌنّ پلَّهٌ صٌبًغّةْ $ّنّحًنٍ لّهٍ عّابٌدٍون} .

[البقرة: 138] .

ومن السهل تمييز المجتمعات المحكومة بنظام الإسلام من أي مظهر من مظاهر هذه المجتمعات سواء كان هذا المظهر عقديًا أو أخلاقيًا، فكريًا أو سلوكيًا، فرديًا أو مجتمعيًا.

وقد ظلت المجتمعات الإسلامية جميعها محكومة بنظام الشريعة الإسلامية منذ ظهور الإسلام، وفي النكبة الأخيرة التي كان أبرز مظاهرها سقوط الخلافة العثمانية (في تركيا) سنة 1924م على يد مصطفي كمال أتاتورك، وما تبع ذلك من انهيارات مدوية في البلاد الإسلامية إلا ما رحم ربك، ولم يكن ذلك فجأة ولا من فراغ، وإنما تم ذلك بعد هجوم ضار منظم تمثل في حملات عسكرية متتابعة يتزامن معها وعلى المحاور نفسها حملات غزو فكرى وثقافي أشد ضراوة وأكثر تنظيمًا.

وإذا كانت الأمور قد انتهت باحتلال عسكري أجنبي (صليبي) في معظم البلاد الإسلامية؛ فإن الأشد فداحة هو وصول الأمر إلى أبعد غاية ممكنة، تمثلت في احتلال عقول وقلوب ـ ومن ثم: سلوك وعادات ـ كثير من أهالي هذه البلدان.

وعلى الرغم من حصول هذه البلدان على الاستقلال السياسي، وجلاء القوات العسكرية الأجنبية عن أراضيها على مدار سني القرن العشرين؛ ومع ذلك وبعد مرور قرن بأكمله فإنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن عقول وقلوب وعادات وسلوكيات أبناء هذه البلاد ـ لا سيما كثيرًا من النخب السياسية الحاكمة فيها ـ ما زالت محتلة احتلالًا أجنبيًا، وأبرز صور هذا الاحتلال وضوحًا وأبلغها أثرًا: هذا الاحتلال الفكري والثقافي والاجتماعي المسيطر على كثير من مناحي التشريعات القانونية لبلدان العالم الإسلامي؛ فما زالت أحكام الشريعة الإسلامية مهمشة ومبعدة عن دفة الأمور ومنصة الأحكام عن عمد وإصرار، بل الأشد من ذلك والأنكى: أن هذا الاحتلال أصبح قويًا وممكنًا إلى درجة اعتبار الدعوة إلى الاستقلال التشريعي، والمطالبة بالتحرر القانوني، والعودة إلى التشريعات الأصلية لهذه البلدان والتي تنبع من عقيدتها، والمطالبة من ثم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية أصبح ذلك جريمة شائنة تعامل بأشد صور المعاملة القانونية قسوة وبشاعة، وتطبق عليها أشد العقوبات صرامة وضراوة، وتحكمها عادةً إجراءات استثنائية وأحكام عرفية غير مسبوقة في التاريخ.

ولكن قبل استعراضنا لدراسة الحالة التي نمثل لها يحسن بنا تقديم عرض تمهيدي موجز لفكرة سيادة القانون في التشريعات العلمانية مقارنة بالشريعة.

أولًا: فكرة (سيادة القانون) بين الإسلام والعلمانية:

تعد فكرة سيادة القانون عند المفكرين القانونيين قمة التطور الإنساني في مجال كرامة المواطن وحقوق الإنسان، كما أنها تمثل قمة الديمقراطية؛ فهي النموذج المحتذى والمثل المقتدى في الدول الحرة والمتقدمة، وهذه الفكرة تتمثل في سيادة القانون وتدرُّجه؛ بحيث يكون الدستور هو القانون الأعلى والأسمى للبلاد، وهي فكرة تحقق توازن الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم، كما أنها تحقق مبدأ الفصل بين سلطات الدولة، بما يضمن عدم تعدي سلطة على أخرى أو انفراد إحداها بالسلطة بما يتيح المناخ للظلم والقهر والتسلط والدكتاتورية.

ونظرًا لما تتسم به المجتمعات العلمانية من قصر نظرٍ مرجعه عدم الإيمان بالغيب، فضلًا عن سطحية في التصور ـ مرجعها عبادة العقل والتمرد على الوحي ـ فإن فكرة المشروعية الدستورية وسيادة القانون هي بالنسبة لهم غاية المرتجى ونهاية المجد.

لكن في الشريعة الإسلامية تبدو هذه الفكرة أشبه بآلهة التمر التي كان يصنعها كفار مكة قبل الإسلام، فإذا جاع أحدهم أكل الإله أو بعضه، ثم أعاضوا له ما أكلوه منه، ثم خرُّوا له ساجدين.

وبيان ذلك يتضح من هذا الفرق الجوهري والخطير بين المشروعية الدستورية العليا عند العلمانيين والمشروعية الإسلامية العليا عند علماء الشريعة الإسلامية؛ إذ إن الدستور الوضعي ـ وهو أسمى القوانين؛ بحسبانه القانون الأعلى للدولة ـ إنما يضعه البشر (نواب عن الأمة) ، بينما القانون الأسمى والأعلى عند المسلمين هو وحي الله المنزل (كتابه العزيز ـ وصحيح السنة النبوية المطهرة) والفرق بين الاثنين واضح، والأثر المترتب على ذلك أوضح:

فالوحي مقدس قداسة منزله ـ عز وجل ـ، وباق بقاء منزله ـ سبحانه ـ، ومن ثم فهو يستعصي على الإلغاء أو التعديل لقوله ـ عز وجل ـ: {مّا يّكٍونٍ لٌي أّنً أٍبّدٌَلّهٍ مٌن تٌلًقّاءٌ نّفًسٌي} [يونس: 15] .

كما أن كون الوحي منزلًا من عند الله فإنه ينفي وجود أي درجة أو امتياز لأحد على أحد؛ فكل الناس عباد لله الواحد المعبود، وهو بهذه المثابة عال، ومقدس، ومنزه، وباق، وعادل، وهذه صفات مطلقة لله عز وجل، ووحي الله صفة من صفات الله تعالى، والصفات تابعة للذات.

أما أن فكرة سيادة القانون عند العلمانيين لا تحظى بهذه الصفات التي تتميز بها الفكرة نفسها في الشريعة الإسلامية؛ فذلك لأن الدستور يضعه بشر (أيًا كانت صفتهم) ، وأن الجهة التي تصدر الدستور تملك تعديله، كما تملك أيضًا تبديله، ولا يستبعد وجود الأهواء والشهوات والمصالح الشخصية أو النظرات القاصرة في هذا التعديل والتبديل؛ إذ إن ذلك من طبائع البشر، والواقع خير شاهد ودليل، وهذا الأمر يستحيل حدوثه أو حتى تصوره في الشريعة الإسلامية ولا يملكه ولا يقدر عليه أحد كائنًا من كان.

فالدستور إذن من صنع أيدي هؤلاء ونتاج عقلهم القاصر وثقافتهم المحدودة؛ فهو لمن أصدروه مثلما كانت آلهة التمر لكفار مكة؛ إذ إن القاعدة أن الصانع سيد المصنوع، فإذا كان الدستور من صنع البشر فإن البشر هم سادة الدستور، وهذا الذي لا يستطيع أحد أن يدعيه على الشريعة الإسلامية قط، وهذا أيضًا وجه من وجوه إعجازها.

ثانيًا: القانون والإسلام:

ويلاحظ كثير من المؤرخين وفقهاء القانون أن الصلة بين الدين الإسلامي خاصة والشريعة صلة تقوم على التغذية المتبادلة دائمًا؛ فالشريعة انتشرت حيث انتشرت العقيدة الإسلامية، وبالعكس فإن العقيدة الإسلامية بدأت تنحسر وتضعف حيث تقلص نفوذ الشريعة وتقلص دورها في المجتمعات التي أحلَّت القوانين الوضعية محل أحكام الشرع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت