هذه العلاقة بين الدين والقانون توجد في جميع المجتمعات غير الإسلامية من الديانات المختلفة، ولكنها بالنسبة للإسلام خاصة تتخذ رباطًا وثيقًا للغاية؛ لأن الصلة بين الدين والقانون في الإسلام صلة ارتكان.
ثالثًا: الشريعة والتجديد:
ونظرًا لكثرة الكلام حول وجوب التجديد في الشريعة يتعين الإشارة إلى أنه عند الحديث عن التجديد والمجددين في الإسلام ينبغي ملاحظة الفارق المهم بين الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي.
1-فالشريعة هي الأحكام التي أنزلها الله ـ سبحانه وتعالى ـ لعباده، ومصادرها الرئيسية هي القرآن وسنة النبي .
2 -بينما الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية التي تتعلق بأفعال العباد بأدلتها التفصيلية عن طريق الاستدلال والاستنباط والاجتهاد في فهم نصوص الشريعة الإسلامية؛ فالشريعة ذاتها أصل ووضع إلهي لا يتغير، بينما الفقه ـ وهو فهم البشر للنصوص وتطبيقه على أوضاع مجتمعاتهم وظروفهم ـ ذو وضع بشري يَرِد عليه الخطأ والصواب، ويَرِد عليه التجدد وإعادة النظر.
ولكن تتبقى نقطة بالنسبة للتجديد وهي أنني لا أظن أن أحدًا أو كثيرين لا يؤمنون بأهمية تجديد الفقه والفكر الإسلامي، ولا نجد خلافًا حقيقيًا في هذه النقطة، وإنما المشكلة الأساسية هنا هي: كيف يمكن أن نمارس التجديد في الفقه الإسلامي الآخذ عن الشريعة ونحن مستنفذو القوى في معركة فكرية أخطر، وهي: تثبيت الشريعة أو تعطيلها؟
هذه هي المشكلة الحقيقية! المشكلة أن الشريعة تجد هجومًا شديدًا عليها وتجتث أصولها من المجتمع، مما يجعلنا نسائل أنفسنا: ما الذي ننصرف إليه؟ ننصرف إلى الاجتهاد في الفروع؟ أم نهتم بتثبيت الأصول؟
هذه هي المشكلة، وهذه هي النقطة التي تحتاج منا إلى صياغات جيدة؛ فهل نستطيع أن نقوم بالعملين معًا بغير تضارب بينهما وبحيث لا يطغى أحدهما على الآخر؟
-لا بد من تثبيت الأصول، هذه نقطة.
-النقطة الثانية: لا بد من التجديد في فروع الشريعة الإسلامية وفي الفقه.
-والتلاؤم وعملية المزاوجة بين هذين الأمرين تحتاج من الكافة إلى جهد كبير.
رابعًا: الشريعة والجماعة السياسية:
إن التشريع المأخوذ عن الشريعة الإسلامية يشكل أساسًا حيويًا وجوهريًا لتوحيد ما يمكن توحيده من أقطار العرب والمسلمين، وقد قام بدوره التوحيدي هذا من قبل، ومما له دلالته أن تفتت أمتنا العربية والإسلامية أقطارًا جاء متواكبًا مع العدول عن التشريع الإسلامي، وأن التقنين الوضعي واختلاف مدارسه صار أحد معوقات إمكان التوحيد بين شعوبنا؛ إذ بينما يخضع المصري والشامي للتشريعات اللاتينية كان يخضع السوداني للتشريع الأنجلو سكسوني.. وهكذا (1) .
الغزو العلماني للتشريعات القانونية المصرية:
ونظرًا لما تتمتع به مصر من مكانة تاريخية وجغرافية على مدار التاريخ الإسلامي كله منذ الفتح الإسلامي لمصر إبان خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ، ودورها الرائد في حماية الإسلام والذود عن المسلمين، والذي تجلى في أعظم صوره في مواجهة التتار ودحر عدوانهم فضلًا عن صمودها وجهادها وتضحياتها في مواجهة الحملات الصليبية المتكررة على مدار حركة الصراع التاريخي كله، ونظرًا لأثرها في العالم الإسلامي، فقد ركز عليها الغرب ضرباته واستهدفها بمؤامراته، مما رشحها بقوة لتكون نموذجًا لـ (دراسة حالة) لموضوع هذا المقال.
ولبحث مدى اتفاق أو افتراق القوانين المصرية مع الشريعة الإسلامية، وإلى أي مدى كان الاحتلال الأجنبي (العلماني) للأحكام القانونية المصرية في مختلف المجالات نعرض أولًا للنشأة والتطور التشريعي تاريخيًا.
التطور التاريخي للتشريعات الحاكمة في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى اليوم:
أولًا: المحاكم الشرعية منذ نشأتها حتى إلغائها:
1 -نشأت مصر نشأة إسلامية تحكم بالشريعة، حيث كان فقهاء الصحابة والتابعين من بعدهم يرجعون في قضائهم وفتاويهم إلى الكتاب العزيز والسنة المطهرة وأدلة الاجتهاد.
2 -وفي العصور اللاحقة تداول منصب القضاء في مصر فقهاء من مذاهب إسلامية مختلفة.
3 -إلى أن فتح الأتراك العثمانيون القطر المصري، فجعلوا قاضي القضاة حنفيًا، وفي كل هذه العهود كان المرجع في القضاء متون كتب الفقه المتعددة، والشروح والحواشي، وكتب الفتاوى الكثيرة، بدون أن يتقيدوا بقانون مصاغ على نمط القوانين الحديثة.
4 -وفي أوائل حكم محمد على باشا والي مصر صدر له من الدولة العثمانية فرمان شاهاني يتضمن تخصيص القضاء والإفتاء بمذهب أبي حنيفة، كما صدرت له في آخر حكمه إرادة سَنِية تؤكد العمل بذلك الفرمان، وجرى العمل من ذلك الحين طبقًا لما تضمنه هذا الفرمان وتلك الإرادة، وتقرر هذا التخصيص بشكل واضح فيما صدر من القوانين للمحاكم الشرعية.
والجدير بالذكر أنه لما جاء النفوذ الأجنبي أزاح ذلك كله وأقام نظامًا جديدًا قوامه القانون الغربي في مختلف مسائل الأسرة والمجتمع والتجارة والمعاملة؛ فأحدث ذلك اضطرابًا شديدًا، وقد دعم النفوذ الأجنبي سلطانه السياسي والاجتماعي والاقتصادي بأن أقام معاهد الحقوق والتجارة لتدريس النظم الأجنبية القائمة على إباحة الربا والزنا والخمر والميسر في المجتمع الإسلامي، وكان قانون العقوبات من أخطر هذه القوانين التي أباحت جرائم الزنا وهتك الأعراض وأخرجت المجتمع الإسلامي من ضوابطه وقيمه، وكان الأمر كذلك في دائرة المعاملات حيث فرضت القوانين التي تبيح الربا وتجعله أساس جميع وجوه التعامل في البيع والشراء والإجازة وغيرها.
5 -وقد جاء هذا التحول الخطير في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي وقعت فيها مصر نتيجة لاستدانة إسماعيل باشا من المصارف الأجنبية، تلك المبالغ التي جلبت معها نفوذ الدائنين وسيطرتهم على الاقتصاد المصري، ثم سيطرتها على الحكومة نفسها، مما شجعهم على المطالبة بنظام غربي جديد يمكنهم من فرض سلطانهم على الاقتصاد، وما يتبع ذلك من تغييرات قانونية واجتماعية، وقد جرى ذلك في دائرة الامتيازات الأجنبية التي مكنت الأجانب من إقامة محاكم قنصلية خاصة لهم للفصل بين رعاياهم وبين أهل البلاد (بلغت سبعة عشر محكمة) ، وقد صدر عن هذه المحاكم أحكام بتعويضات باهظة حتى تجاه الحكومة المصرية نفسها بلغت في أربع سنوات نحو ثلاثة ملايين من الجنيهات، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت.
6 -ورأى القائمون على الأمر وقتها أن المخرج من هذا المأزق هو إنشاء المحاكم المختلطة لتكون بديلًا عن القضاء القنصلي، وقد قامت هذه المحاكم 1875م واشتركت فيها أغلب الدول الأوروبية واستدعت إنشاء قوانين غربية المصدر، منها: القانون المدني والقانون التجاري والقانون البحري وقانون العقوبات وقانون تحقيق الجنايات وقانون المرافعات.
7 -وكانت هذه القوانين هي الأساس الذي قامت عليه من بعد نظم المحاكم الأهلية، وبذلك سيطرت القوانين الأجنبية على مختلف شؤون المجتمع المصري بديلًا للشريعة الإسلامية التي انحسر نفوذها في دائرة الأحوال الشخصية، وهي مجموعة القواعد التي تحدد العلاقة بين الفرد وأسرته، وهكذا حجب القانون الفرنسي الشريعة الإسلامية عام 1885م في مؤامرة واسعة النطاق، اشترك فيها الخديوي مع الحكومة والاحتلال الأجنبي، واستمر العمل بهذه القوانين في المجال المدني والتجاري والاجتماعي حتى الآن مع تعديلات يسيرة أدخلت خلال تلك المدة الطويلة التي قاربت قرنًا من الزمان.