8 -وظلت المحاكم الشرعية تتولى منازعات الأحوال الشخصية فقط، وبالرغم من أن الإصلاح بالمحاكم الشرعية قد تناول أكثر النواحي فإنه لم يتناول القانون الوضعي إلا ابتداءًا من سنة 1925م، ولم يتناول إلا بعض مسائل خاصة صدر بها القانون رقم 25 لسنة 1920م، والقانون رقم 25 لسنة 1929م.
وقد صدرت عدة لوائح بمصر في أزمنة مختلفة ترتب المحاكم الشرعية وتقلص ظلها ـ بعد إنشاء المحاكم المختلطة في سنة 1875م والمحاكم الأهلية في سنة 1883م ـ وحصر اختصاصها في مسائل الأحوال الشخصية بالنسبة للرعايا المصريين المسلمين بصفة عامة، بعد أن كانت المحاكم الشرعية هي صاحبة الولاية العامة وهي الجهة القضائية المختصة بالنظر في جميع المسائل من مدنية وجنائية وأحوال شخصية.
9 -وفي سياق هذا الإصلاح ألَّف محمد قدري باشا كتاب: (مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان) في المعاملات المدنية على غرار القوانين الوضعية في مواد اشتملت على 914 مادة، وكل أحكام الكتاب المذكور مأخوذة من مذهب الإمام أبي حنيفة، وقررت نظارة المعارف بتاريخ 15 سبتمبر سنة 1895م طبع الكتاب على نفقتها مع جدول يبين مآخذ كل مادة من كتب فقه الحنفية مع تعيين الصفحات.
-وألَّف أيضًا كتاب: (قانون العدل والإنصاف في مشكلات الأوقاف) ، حيث اشتمل على 646مادة، وقد بين مآخذ كل مادة من كتب فقه الحنفية، وصدر قرار من ناظر المعارف في 17 سبتمبر سنة 1893م بطبعه على نفقة نظارة المعارف.
-وألَّف كتاب: (الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية) واشتمل على 647مادة، والأحكام التي تضمنها مأخوذة أيضًا من مذهب الإمام أبى حنيفة، وقد تناول الكتاب أحكام: الهبة، والحجر، والإيصاء، والوصية، والميراث. وسائر مسائل الأحوال الشخصية.
10 -وفي سنة 1915م ألفت لجنة من كبار العلماء برئاسة وزير الحقانية (العدل) ؛ لوضع قانون لمسائل الأحوال الشخصية، فأعدت اللجنة مشروع قانون للزواج والطلاق والمسائل المتعلقة بهما، واستمدت أحكامه من المذاهب الأربعة، وطبع المشروع في سنة 1916م، وأعيد طبعه بعد تنقيحه في سنة 1917م، ولكن المشروع لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ، ولا يزال مهملًا ومتروكًا في زوايا النسيان حتى الآن.
11 -وصدر المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1925م، والمرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929م، وقد عدل فيهما عن مذهب الحنفية المعمول به أمام المحاكم الشرعية وأخذ بما في المذاهب الإسلامية الأخرى في بعض المسائل المتعلقة بالنفقة، والعدة، والطلاق، والفرقة بين الزوجين للإعسار وعدم الإنفاق أو لغيبة الزوج أو للإضرار بالزوجة بما لا يستطاع معه دوام العشرة.
12 -وفي سنة 1936م ألفت وزارة العدل لجنة من كبار العلماء برئاسة شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت للنظر في أحكام الأحوال الشخصية.
فأتمت اللجنة المذكورة إعداد مشروعات قوانين للمواريث والوصية والوقف، فعرضت الحكومة تلك المشروعات على البرلمان، وتمت الموافقة عليها بعد إدخال تعديلات في بعض موادها، وصدر بها القانون رقم 77 لسنة 1943م بأحكام المواريث، والقانون رقم 48 لسنة 1946م بأحكام الوقف، والقانون رقم 71 لسنة 1946م بأحكام الوصية.
وقد خولف في تلك القوانين مذهب الحنفية وعدل عنه في كثير من المسائل، وأخذ بما في المذاهب الأخرى بدون أن يتقيد برأي إمام معين من الأئمة المجتهدين ولا بمذهب دون مذهب؛ تحقيقًا للعدالة والمصلحة العامة ورفعًا للمشقة ودفعًا للحرج الذي كان يلحق الناس من إلزام المحاكم الشرعية التقيد بمذهب واحد ـ وهو مذهب الحنفية ـ والتزام أحكامه الفقهية في القضاء بين الناس والفصل في الخصومات والمنازعات، فما استحدث في تلك القوانين من تعديل، وخولف فيها مذهب الحنفية، وروعي في ذلك الأخذ بأيسر الأحكام الفقهية من المذاهب الإسلامية الأخرى وأقربها إلى ما تنطوي عليه الشريعة الإسلامية السمحة من يسر على الناس يرفع الحرج والعسر عنهم.
13 -وصدر القانون رقم 185 لسنة 1952م الخاص بإلغاء نظام الوقف على غير الخيرات، والقانون رقم 247 لسنة 1953م الخاص بالنظر على الأوقاف الخيرية وتعديل مصارفها.
14 -وأخيرًا صدر القانون رقم 462 سنة 1955م بإلغاء المحاكم الشرعية والمحاكم الملِّيَّه، وأصبحت بذلك جميع المحاكم في مصر بمختلف درجاتها محاكم علمانية تصدر أحكامها وفق الترتيب الوارد بنص المادة الأولى فقرة [2] من القانون المدني المصري، والتي تنص على أنه: (إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه: حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة) .
وهكذا صار موقع الشريعة الإسلامية على خريطة تشريعات مجمل النظام القانوني وهيكل السلطة القضائية في الدرجة الثالثة، بعد التشريع الوضعي، وبعد العرف.
فما هي ظروف ميلاد هذه التشريعات العلمانية وكيفية نشأتها، واختراقها لنظم المجتمع؟
ثانيًا: اختراق القوانين الوضعية للمجتمع:
في محاولة للبحث في ظروف ميلاد تلك القوانين ونشأتها فإن المدخل لذلك ينحصر في الإجابة عن السؤال الآتي: هل استُولدت أحكام هذه القوانين من القواعد العامة للشريعة الإسلامية بطريق صحيح مشروع، حتى يمكن نسبتها إلى الشريعة الإسلامية بنسب شرعي صحيح، أو أن العكس هو الصحيح؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال نعرض لكل من المجموعتين الأساسيتين للتشريعات (المجموعة الجنائية، والمجموعة المدنية) حيث تجدر الإشارة إلى أن ظروف نشأتها التاريخية تشير إلى أنها ولدت على يد محام فرنسي غير مسلم في أواخر القرن الماضي، وذلك على الإيجاز الآتي:
أولًا: التشريعات المدنية:
1 -في الثامن والعشرين من يونية سنة 1875م صدر التقنين المدني المختلط، وقد قام بوضعه المحامي الفرنسي مانوري ـ الذي اتخذه الوزير الأرمني نوبار باشا أمين سر له ـ ثم عينه بعد ذلك أمين سر اللجنة الدولية التي كانت تدرس مشروع إنشاء المحاكم المختلطة آنذاك (1) .
2 -وقد اقتُبس التقنين المدني المختلط من التقنين المدني الفرنسي، ونقل بعض المسائل عن القضاء الفرنسي، وعن التقنين المدني الإيطالي القديم الذي صدر في سنة 1866م، ويقول أحد كبار رجال الفقه الوضعي في مصر وهو الدكتور عبد الرزاق السنهوري: «إن مانوري لم يغفل الشريعة الإسلامية، فنقل عنها بعض الأحكام» (2) .
ويقول د. السعيد مصطفى السعيد (أستاذ القانون الجنائي) (3) : «وبالطبع فقد تم وضع القانون باللغة الفرنسية، ثم شكلت لجنة تكفلت بعد ذلك بترجمته وسائر القوانين المختلطة إلى اللغة العربية» .
من الناحية الرسمية كانت الشريعة الإسلامية هي القانون الوطني السائد في البلاد حتى ذلك التاريخ (4) ، ثم ما لبثت حكومة ذلك العهد بعد استقرار المحاكم المختلطة أن تطلعت إلى تغريب القضاء الوطني بتنظيمه على غرار القضاء المختلط (5) .
3 -فتألفت في أواخر سنة 1880م لجنة لوضع لائحة لمحاكم وطنية نظامية، كان من بين أعضائها رجل يدعى (موريوندو) ـ وهو محام إيطالي عين قاضيًا في محكمة الإسكندرية المختلطة في سنة 1875م ـ وقامت هذه اللجنة بوضع لائحة لترتيب المحاكم الوطنية الجديدة (صدرت في 17 من نوفمبر سنة 1881م) وقام أعضاء اللجنة في الوقت ذاته بوضع تقنينات لهذه المحاكم صيغت كلها على مثال التقنينات المختلطة، وكان أن وضع موريوندو التقنين المدني الوطني فنقله ـ على حد تعبير السنهوري ـ نقلًا يكاد يكون حرفيًا من التقنين المدني المختلط.