ألم تر أن السيف ينقص قدره …إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
ثم ألم تضع أمريكا في حسبانها احتمالًا ولو ضئيلًا جدًا بخسارة المعركة، فكيف سيكون موقفها أمام العالم الذي جرته معها لهذه الهزيمة المريرة، إذا لم تحقق ما تفيهقت به.
حتى لو انتصرت أمريكا، فهل سيقبل العالم أدبًا يقال له: انتصر الأسد على القط؟
أيها الإخوة، إن أمريكا في جميع الأحوال هي الخاسر الأول، وهذا رأي كثير من المحللين حتى الغربيين منهم.
عباد الله، ورابع هذه المعالم التي نذكرها في هذه الخطبة: إزالة الغطاء عن بعض أسباب ضعف الأمة وذلتها.
أيها الإخوة، إن أمريكا والغرب الصليبي لم يكن قادرًا على الوصول إلى ما وصل إليه إلا من خلال مجموعة من الزعماء الذين سخرهم أداة لاستعباد شعوبهم وقهرها، حيث جعلهم أحذية يطؤها، ويطأ بها الأشواك التي يمكن أن تنخز جسده فتؤذيه، حتى إذا انتهت مهمة أحد هذه الأحذية، خلعها المستعمرون وألقوها في أقذر الأماكن، وأنتن المزابل، واستبدولها بحذاء آخر، حتى إذا كثرت الأشواك في الطريق واشتد عودها لم تعد تلك الأحذية البالية قادرة على حماية الجسد الأمريكي ومقاومة الوخز المستمر، فتمزقت شر ممزق، وتركت الجسد الأبيض مضرجًا بالدماء، حتى يأتي أمر الله بفنائه القريب.
إن كان رأس الكفر شعبي قد غزا……من إخوة الإيمان في الأفغان
فالدور يأتي للعروبة بعدهم……رغم الولاء، ليسلبوا قرآن
لقد أراد الله بهذه الأمة الخير حينما توالت الاختبارات والمحن عليها، لتفضح أولئك الذين يقفون عقبة كؤودًا في وجه الشعوب، ويحولون بينها وبين بذلها كل ما تستطيع من نفس ومال في سبيل قضاياها العادلة، ابتداء من قضية فلسطين، والانتفاضة، وانتهاء بهذه الأزمة التي تمر بها الأمة.
لقد استكملت هذه الأزمة ما كشفت عنه الانتفاضة الفلسطينية من المواقف الممعنة في الذلة والمهانة والولاء لأعداء دين الله، هذه المواقف المبغوضة من الله، والملعونة من عباد الله، تجاه هذا العدوان الفاضح على هذا الشعب المقهور لتجبر الأمة على إعادة النظر في تسليم زمام أمورها لهذه القيادات، ولتضعها أمام حقيقة كانت تستتر من قبل وراء غشاوت هافتة، وهي أن الأمة لا يمكن أن تعود إلى عزها وتتبوأ المكانة التي تصبو إليها إلا بالعمل الدؤوب على التخلص من العملاء، واستبدال أولئك الذين لا يعملون إلا من أجل شهواتهم الرخيصة، ونفوسهم الدنيئة، استبدالهم بالمخلصين الذين يحملون هم الأمة، ويعملون لمصالحها العليا.
قال الله جل وعلا: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيّبِ [آل عمران:179] ، وقال جل من قائل: وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الاْيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] ، واستبانة سبيل المجرمين من أول ما يبدأ به لنفض أثواب الهزيمة.
أما المعلَم الخامس من معالم بداية النهاية لأمريكا: فهو معلَم واضح بيِّن لا أشك في أن عقلاء أمريكا والعالم كله بدؤوا بإدراكه، لكني لست أدري لم لا تريد أمريكا الاعتراف به، أم لأن عقلاءها لم يخلصون النصح لها، أو لأن الغرور إذا مزج بالغباء ولد حمقًا يمنع من إدراك أتفه الأمور وأيسرها، وهذا هو ما أرجحه.
أتدرون ما هو هذا المعلَم يا عباد الله، هذا المعلَم كشف عنه، ودل عليه أمران، كل واحد كاف في إثباته، أما أول هذين الأمرين فهو ما يسمى بالجمرة الخبيثية، وأما الثاني فهو طريقة أمريكا في إدارة المعركة على أرض أفغانستان، أو لنقل في سماء أفغانستان.
أما الجمرة الخبيثة، فهي من جند الله الذي يسلطهم على من شاء، ولله جنود لا يعلمها إلا هو وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِِ [المدثر:31] .
عباد الله، في أمريكا يعيش الآن الناس حالة من الفزع، أطارت النوم من أعينهم، ومنعتم من التلذذ بأنواع ملذاتهم التي انغمسوا فيها ولا يستطيعون لها فكاكًا، ولولا ضيق الوقت لذكرنا بعض الأمثلة التي ذكرها بعض القادمين من أمريكا وأشارت إليها النيويورك تايمز في عدد السبت الماضي (13 أكتوبر) .
أيها المسلمون، هل تظنون أن الأفراد أو المجتمعات يمكن أن تتهيأ للنصر وتعمل له بخطوات ثابتة صحيحة وهم محاصرون بأشباح الخوف، ومكبلون بأغلال الوهم.
إن الرعب والجبن جرثومة عنيفة تدمر بنيان الأمم وتزهق حضارتها، وقد ألمحنا في خطب سابقة عن تأثير ذلك في إحداث الهزيمة النفسية، ومن ثم الهزيمة الحضارية والعسكرية.
أما خوف أمريكا الواضح من خوض الحرب البرية مع علمها بتفوقها العسكري المادي على قوات أفغاننسان؟ فقد مرغت كرامتها في التراب، وكل يوم يمر، تفقد من هيبتها بمقدار ما يكتسب خصمها من شعبية ونفوذ.
أيها الإخوة، لا أظن أني أجانب الصواب حينما أقول: إن خصم أمريكا الذي قام بتفجيرات الثلاثاء، بصرف النظر عن شخصيته ودوافعه، نجح في استدراج الولايات المتحدة الأمريكية لمعركة شرسة ستكون ولا شك بداية النهاية لها، والله عز وجل يقول: وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227] .
أمة الإسلام، أعيد الكلام قائلًا: لماذا نتحدث عن بداية النهاية لأمريكا، إنه وكما قلنا لبث الأمل في النفوس حتى يحدوها إلى العمل، ويسوقها نحو الأمل، نحن نحتاج إلى هذه الحقائق وهذا الحديث حتى نطرد اليأس الذي يكبلنا عن العمل المثمر النافع، إن الله متم نوره ولو كره الكافرون، على يد من؟ على يد الثلة المخلصة التي تبذل كل ما في وسعها تضحية في سبيل دينها، حتى تنال العز في الدنيا، وجنات عرضها السموات والأرض.
(1) في صحيح الجامع.
(2) رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنه.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3040)
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
الخطبة الأولى
أما بعد: أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126] . دخلت أمة الإسلام عامها الثامن عشر في بدايات قرنها الخامس عشر الهجري. وها نحن نعيش هذه الأيام أوائل عام هجري جديد، ومع كل أسف، فإن الذي يُقطع قلب كل مؤمن حيّ غيور على أمته، أن العالم الإسلامي، يعيش اليوم مرحلة من عمره، تعد من أسوأ المراحل التي مرت عليه.
لقد مرت الأمة في تاريخها الطويل من قبل بأزمات كثيرة، بل نكبات كثيرة، كان المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض أحيانًا، وأحايين كثيرة، كانوا يفقدون أمنهم وطمأنينتهم، وأحيانًا كانوا يفقدون ديارهم وأموالهم، وهكذا الفتن والمصائب والنكبات إذا نزلت بالأمم.
لكن الأمة الإسلامية أيها الأحبة، مع ما سبق ذكره، لم تمر بتجربة أقسى، ولا وضع مؤلم، ولا واقع مشين، كتجربتها ووضعها وواقعها الحالي، فإنا لله وإنا إليها راجعون.
إليكم أيها المسلمون، نماذج وأمثلة، من نكبات وأزمات مرت بأمة الإسلام، ثم كيف اجتازتها وخرجت منها، لنصل إلى أزمتنا الحالية والله المستعان، وما السبب في بقاء الأمة هذه الفترة الطويلة من الزمن، دون مخرج.