ومن المعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهر، والشهران لا يوقد في بيت من بيوتهم نار، وكثيرًا ما كان قوته التمر والماء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعصب على بطنه الحجر من الجوع، ومع ذلك فإن"لا مانس"يصفه بأنه أكول، وقد كثف جسمه بالملذات، ولا يذكر شيئًا عن صوم الرسول لشهر رمضان، وأنه كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس، وكان يصوم حتى يظن أنه لا يفطر، وقد كان الرسول من أكثر المسلمين صومًا، ولكن القسيس"لا مانس"يثبت على عناده!!
ويقول الله تعالى: (( إن ربَّك يعلمُ أنَّك تَقومُ أدْنى من ثُلُثي الليل ونِصْفه وثُلُثه وطائفةٌ من الذين مَعك ) ). (68)
وقد نقلت الأخبار: أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، لطول وقوفه في الصلاة، ومع ذلك يقول"لا مانس": كان محمد نؤومًا. (69)
ونستطيع أن نقول له:
إن مشركي قريش قد لجوا في عنادهم كل اللجاجة، وكانوا يبحثون بعيون طُلعة عن أي مطعن أو مغمز، فلو رأوا أن ما جاء في القرآن من وصف محمد صلى الله عليه وسلم ، بالقيام ليلًا، لا يصدقه واقع الحال، لكان لهم شأن، ولنقل إلينا عن هذه المعارضة.
وقد ناقشه (ناصر الدين دينييه) بقوله:
"وهو - أي لا مانس - لا شك يجهل أو يتجاهل أن روح النقد عند العرب تبلغ حد الإفراط، وأن هؤلاء لو رأوا ما يكذب خبر القرآن من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي جزءًا كبيرًا من الليل في العبادة، لما استمروا على متابعته وتصديقه، ولما احتفظ هو بثقتهم".
وإنه لمن المعروف أن العالم لم ينجب من أمثال سيدنا عمر إلا أفرادًا يعدون على الأصابع،: إن عمر من أعظم الفاتحين المصلحين، الذين عرفهم التاريخ ، وإن عدالته الرحيمة الصارمة، وسياسته الحكيمة النافذة، وإدارته الدقيقة الساهرة، كل ذلك يجعله من هؤلاء الذين لا يظفر التاريخ بأمثالهم إلا في دهور دهيرة، وإننا حقًا لا نكاد نجد ممن يشابهه في التاريخ، اللهم إلا إذا كان الإسكندر الأكبر.
ومع ذلك، فقد كان عمر في نظر القسيس (لا مانس) جنديًّا مسكينًا، أدنى مرتبة من الوسط، ولكنه في كراهيته البالغة للإسلام، ينسى أو يتناسى هذا الوصف حينما يريد أن ينتقص - معاذ الله - من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيذكر أن عمر سيطر عليه هو وأبو بكر.
وليس عمر وحده هو الذي نال منه قلم القسيس، فقد أخذ القسيس يحطم - كعاصفة هوجاء - كل أخيار المسلمين: الرسول - أبا بكر، عمر، عثمان، عليًّا، فاطمة، عائشة، حفصة، وغيرهم. . وغيرهم..
أما إذا تحدث عن أعداء الإسلام، كأبي جهل، وأبي لهب، ألد أعداء النبي، أما إذا ما تحدث عن المنافقين، خونة الإسلام، أما إذا ما تحدث عن يزيد قاتل الحسين ، فإنه يشيد ما شاء له هواه ويمدح ما أمكنه المدح، ويطري كلما أتيح له الإطراء، ويلبسهم من الفضيلة ثوبًا لامعًا خلابًا". (70) "
أما المنافقون فهم أبطال الوطنية، عند القسيس، وإذا تساءلت: من هو هذا الدخيل الذي لم تنبته الجزيرة العربية، والذي يقف أمامه"أبطال الوطنية القومية"فإنك لا تجد من القسيس إلا صمتًا!
أكان محمد"فارسيًّا"غازيًا للجزيرة العربية؟
أم كان"روميًّا"يهاجمها؟
أم هو عربي يحب وطنه ويعمل على جمع شتاته في وحدة تكون قدوة ومثلًا أعلى لكل من يشرئب بصره نحو الكمال؟". (71) "
وأعجب نموذج، وأبلغ صورة لمنهج العكس هذا عند"لا مانس"أنه إذا أراد أن يؤيد دعواه في قضية من القضايا، ثم بحث حتى أعياه البحث فلم يجد خبرًا لا صحيحًا ولا سقيمًا يؤيد ما ادعّاه، فإنه لا يتراجع، وإنما يمضي في جرأة نادرة - على حد تعبير (دينييه) - ويستمر متشبثًا بدعواه، ويقول:"إن هذا أمر عُني رجال الحديث بكتمانه" (72) هكذا إذا لم يجد الخبر، فهو حقيقة ولكن تواطأ الرواة على كتمانه.
وليس هذا الفساد المنهجي (منهج العكس) قاصرًا على (لا مانس) وأضرابه من متعصبة المستشرقين، بل إننا نلحظه عند كثيرين منهم، ولكن بدرجات متفاوتة، فمن ذلك مثلًا، ما نراه عند (ول. ديورانت) في كتابه"قصة الحضارة"حيث لا يعجبه أن المؤرخين في كل ما كتبوه"صوروا هارون الرشيد - أولا وقبل كل شيء في صورة الرجل الورع المتمسك أشد التمسك بأوامر الدين . . وأنه كان يحج إلى مكة مرة كل عامين، (73) وأنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة مع الصلوات المفروضة"أ.هـ.
فهو يرى، أن هذه الصورة غير الصورة المعروفة، عن هارون الرشيد، حيث صوّرته قصة"ألف ليلة وليلة"في صورة الملك المرح، ولكن هذا (المرح) أغضب المؤرخين، فصوّروه في صورة الورع المتمسك بالدين. . . إلخ.
فكل المؤرخين في نظر (ديورانت) كاذبون مزيفون، ساءهم مرح هارون الرشيد، فاخترعوا له صورة (معكوسة) (عكس الواقع) .
وهكذا يفعل (منهج العكس) عند علماء الاستشراق وفي أبحاثهم. (74)
فحينما يكون الدليل قائمًا على الرأي أو الحكم، الذي لا يوافق هوى المستشرق تجده يتعامى عنه، ويتجاهله،ويشكك فيه، حتى لو كان صحيحًا بين الصحة، كأن يكون حديثًا في الصحيحين، بل لو كان قرآنًا كريمًا صريح الدلالة.
فمن ذلك مثلًا قول (مونتجومري وات) :"وكان يقال في الإسلام: إن المهر كان ملك المرأة. . .". (75)
فانظر تعبيره بلفظ (يقال) فهي صيغة تشكيك في هذا الحكم، يوحي بأنه غير مصدق أن يكون ذلك من شريعة الإسلام وأحكامه، مع قراءته (قطعًا) للآية الكريمة في سورة النساء: (( وآتوا النساء صَدُقاتِهنَّ نِحْلةً ) ) [النساء:4] ولكنه يغض بصره عن هذه الآية الكريمة: (وهو قد قرأها قطعًا بدليل استشهاده بآيات من السورة نفسها) التي تأمر بغاية الوضوح، والصراحة بإعطاء النساء مهورهن.
فمع ما استقر في أعماق ثقافته من أن الإسلام يظلم المرأة ويمتهنها لا يقبل عقله أن يرى القرآن ينص على أن المهر حق المرأة.
ولذا يواصل التعامي عن أي دليل في هذا الحكم، وينكره، فيقول:"ولا يذكر القرآن المهر إلا بصورة عارضة عند ذكر الطلاق". (76)
وهو بذلك يشير إلى الآية الكريمة: (( الطلاق مرّتان فإمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحُ بإحسان] ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنَّ شيْئًا ) ) [سورة البقرة:229] . والى قوله تعالى: (( لا جُناح عليكم إن طلّقتم النساء ما لم تمسّوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضةً، ومتّعوهُنّ على الموسع قدرُه، وعلى المقتر قدره، متاعًا بالمعروف حقًّا على المُحسنين ) ) [سورة البقرة:236] . وإلى الآية الكريمة أيضا: (( وإن طلّقتموهنَّ من قبل أن تمسّوهنّ وقد فرضتم لهُنّ فريضةً، فنصف ما فرضتم، إلا أن يعفون، أو يعفو الذي بيده عُقدة النكاح، وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم، إنّ الله بما تعملون بصير ) ) [سورة البقرة:237] . وكذلك إلى الآية الكريمة: (( وإن أردتم استبْدال زَوجِ مكان زوجِ وآتيتُم إحداهنَّ قِنْطارًا، فلا تأخُذوا مِنهُ شيْئًا، أتأْخُذونه بُهتانًا وإثمًا مبينًا ) ) [ سورة النساء:20] .