إذا هلك المرتد وانتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة فهو بين أحد أمرين لا ثالث لهما
الأمر الأول
أن يكون قد تاب توبةً صحيحةً نصوحةً مخلصةً بين يدي ربه ومولاه قبل خروج الروح من الجسد، فهذا قد يكون مِمَّن حطَّ رِحاله في الجنة وانغمس في أنهارها، وإن كان في الدنيا قَدْ عُومِلَ معاملة المرتد الكافر؛ وذلك لأن الأحكام والحدود في الدنيا قد بُنيت على الظَّاهر .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر ) ) [رواه الترمذي - كتاب الدعوات - باب فضل التوبة والاستغفار وما ذُكر من رحمة الله بعباده - حديث رقم 3537، ورواه ابن ماجة - كتاب الزهد - باب ذكر التوبة - حديث رقم 4253]
الأمر الثاني
أن يخرج من دار الدنيا إلى دار الآخرة دون أن يتوب إلى الله عز وجل مِمَّا فعله أو قاله أو شك فيه، فهذا حكمه الخلود في نار جهنَّم وتحريم الجنَّة عليه فلا يراها ولا يجد ريحها أبدًا .. قال تعالى: (((إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى ) )) [طه: 74] ، وقال تعالى: (((إِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِلءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّنْ نَاصِرِينَ ) )) [آل عمران:91]
وعلى هذا فالواجب على كلِّ مسلمٍ يحمل في قلبه عقيدة أهل السنة والجماعة: أن يتبرأ ممن حادَّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى: (((لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آباءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) )) [المجادلة: 22] ، وقال تعالى: (((يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آباءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُم مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) )) [التوبة: 23]
فاللَّهم أسألك حطَّ الرِّحَالِ في الجنَّة بلا حسابٍ ولا عذاب، والانغماس في أنهارها انغماس الفرحين المسرورين، والتجاوز عن عبادك الذين غرقوا في أوحال الخطيئة والمعصية من المؤمنين والمؤمنات مِمَّن شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك
يَا خَالِقِي عَبْدُكَ الْخَاطِي الْحَزِينُ لَقَد *** أتاكَ مُنْكَسِرًا فَاجْبُرْ لِمُنْكَسِرِ
مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبٍ لاَ عِدَادَ لها *** بِعَفْوِكَ الْجَمِّ يَا رَحْمَنُ لاَ تَذَرِ
فَلاَ تَدَعنِي مَلِيكَ العَرْشِ مُطَّرحًَا *** بَيْنَ النَّوَائِبِ وَالأَسْدَامِ وَالْغِيَرِ
حَسْبي لَدَى الْمُوبِقَاتِ الصُّمِّ أَنْتَ فَلا *** نَرْجُو سِوَاكَ لِنَيْلِ السُّؤْلِ وَالوَطَرِ
عَلَيْكَ يَا ذَا العَطَا وَالْمَنِّ مُعْتَمَدِي *** في كُلِّ خَطْبٍ أَتَى بِالْغِيَرِ وَالضَّرَرِ
فاغفر وَأَكْرِمْ عُبَيْدًا ما لَهُ عَمَلٌ *** مِنَ الصَّوَالِحِ يَا رَحْمَنُ في العُمُرِ
لكِنَّهُ تَائِبٌ مما جَنَاهُ فَقَد *** أتاكَ مُسْتَغْفِرًا يَخْشَى مِنَ السَقَرِ
فَإِنْ رَحِمْتَ عَلَى مَنْ جَاءَ مُفْتَقِرًا *** فأنتَ أهلٌ بِهِ يَا رَبُّ فَاغتفِرِ
وإن تُعَذِّب فَإني أَهلُ ذَاكَ وَذَا *** عَدْلٌ قَويمٌ بِلاَ لَوْمٍ وَلا نُكُرِ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى خَيْرِ الْخَلِيقَةِ مَن *** كفَاهُ مُعْجِزَةُ الشَّقِّ في الْقَمَرِ
وَآلِهِ الطَّيِّبينَ الطُّهْرِ قَاطِبَةً *** وَصْحْبِهِ الْمُكْرَمِينَ السَّادَةِ الْغُرَرِ
مَا هَبَّتِ الرِّيحُ وَاهْتَزَّ النَّبَاتُ بِهَا *** وَمَا تَغَنَّتْ حَمَامُ الأَيْكِ في السَّحَرِ
المشاركات من 6 حتى 13 منقولة للفائدة والتذكير وجزى الله الكاتب والناقل خيرا وحفظ عليهم دينهم وثبتهم على الحق والسنة كما أسأله سبحانه أن يمن عليهم بحسن الخاتمة
الخميس 21 شعبان 1427 هـ - 14 سبتمبر 2006 م
-الغرب يستخدم المصطلحات لحسم صراعه الحضاري معنا.
-لكل حضارة خصوصية في استعمال مصطلحاتها.
-يجب أن ننحت مصطلحاتنا التي تعبر عن ذاتيتنا وثقافتنا وعقيدتنا.
د. ليلى بيومي
مفكرة الإسلام: 'المصطلحات' .. من القضايا الهامة والخطيرة في عصرنا الحديث الذي يتميز بالتشابك والتداخل .. ولأن المصطلح يعني تلخيص فكرة واضعيه حول قضية معينة فإن الأمر إذن على درجة كبيرة من الخطورة تحتم علينا الحيطة والحذر في التعامل مع المصطلحات.
فالغرب كطرف أقوى حضاريًا وثقافيًا وإعلاميًا يطلق المصطلحات التي تعبر عن رؤيته لقضية معينة،ثم يسوّق هذه المصطلحات إلى العالم عبر أجهزة إعلامه المسيطرة، فتنتشر هذه المصطلحات وتسود حتى لو كانت خاطئة ومتحيزة وأنانية.
يقول المفكر الراحل د. أحمد صدقي الدجاني: إن قضية المصطلحات تبرز في كل صراع وتحتل أهمية خاصة في الإعلام عنه .. وأي غفلة عن أهميتها وأي خطأ في التعامل معها قد يكون له نتائج وخيمة. فقد تساهلنا في كثير من المصطلحات التي نحتها الغير من وجهة نظره وكان لها نتائج سلبية في مقدمتها التبعية الفكرية. وهذه المصطلحات - في إطار صراعنا الحضاري مع الغرب - نجدها قد صممت لخدمة الغرب وانحازت لفكرته ورؤيته وعقيدته.
فمثلًا مصطلح مثل 'العالمية' ورد في إطار الحديث عن الأدب العالمي والمكتبة العالمية .. وقد دأب الغرب على احتكار هذا اللفظ بحيث أصبح مصطلح العالمية ينصرف إليه وحده .. فكل ما هو غربي عالمي وكأن العالم مقتصر عليه .. وقد قبلنا هذا المصطلح الخاطئ وأصبحنا من ضحاياه .. فأصبحنا ضحايا تبعية فكرية خطيرة واتجهت أنظار أدبائنا إلى جائزة نوبل وهي جائزة غربية .. ويتحدث البعض عن لغات عالمية وأخرى ليست كذلك.
ومصطلح 'التقدم' يجب أن نحدد مفهومنا عنه .. فقد ظهر هذا المصطلح في الغرب مع تقدمه التقني في جو سادت فيه فكرة أن تقدم العلم التقني مرادف للتقدم الإنساني .. وعبرت فكرة التقدم هذه عن مفهوم اجتماعي تاريخي وكانت وثيقة الصلة بمفهوم التطور الذي جاء به داروين وبمفهوم التغير الذي ينصب على عالم الظاهر .. وكلا المفهومين عار عن أي مضمون أ خلاقي .. فبينما التقدم وهو مظهر من مظاهر التغير مرتبط أشد الارتباط بالمعيار الأخلاقي .. فهو مفهوم ذاتي يعني ما هو مرغوب فيه أو ما هو الأفضل والأصلح أو ما هو مثالي يرجى تحقيقه وهو من ثم مفهوم نسبي يمكن أن يكون اجتماعيًا أو أخلاقيًا أو دينيًا أو اقتصاديًا.
ورواج مفهوم التقدم الغربي بمفهومه التقني فقط وإهماله الجوانب الأخرى ساهم في الإغراق في التوسع في استغلال مصادر الطبيعة وتحقيق أكبر قدر من اللذات الدنيوية.