فهرس الكتاب

الصفحة 1967 من 3028

كما أن هذه الشبهة الخطيرة تجعل كثيرًا من الزنادقة والملحدين الذين حكم عليهم علماء الإسلام على مر العصور بالردة والمروق من الدين بأنهم من المؤمنين الذين قد يحصل من الواحد منهم قول أو فعل ظاهره الكفر الصريح ولكنه لا يكفر بهذا القول أو الفعل؛ لأن له مرادًا وتصورًا آخر في قلب ذلك الزنديق والملحد، وعلى هذا فلا يحكم بالكفر على أصحاب وحدة الوجود من الحلولية والاتحادية الذين يزعمون أن الله عز وجل قد حلَّ أو اتحد مع خلقه أو أن الله تعالى قد حلَّ في صورة عيسى عليه السلام، وغير ذلك من الأمور الباطنية التي تهدم الدين والملة والتي لا يختلف في إبطالها وتهافت أصولها من له أدنى عقل وأقل بصيرة

الشبهة الثانية

قولهم: إنك بنشر هذا الكلام ردًا على نزار قباني وذكر كفرياته وطوامه بالتفصيل قد أعنت على نشر هذا الكفر وهذه الزندقة وأشهرتها بين عوام المسلمين، وهذا يجعل كثيرًا من القراء يعودون إلى شعره وإلى دواوينه !!!

الرد على هذه الشبهة

أولًا: إن نزار قباني لا يحتاج إلى هذا ليُشهر بين المسلمين وهو الذي قد وزع وطبع من دواوينه السوداء ما يقارب ثلاث ملايين نسخة هي موجودة بين يدي محبيه وعاشقيه من أبناء المسلمين، وإن من المؤسف المحزن والذي تدمع له العين أن جُلَّ المراجع التي اعتمدتها في هذا الرد هي من دواوينه التي استعرتها من عشاقه ومحبيه في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم من ديوان وكم من مجموعات شعرية له هي في قلوب عشاقه ومريديه في هذه المدينة الطاهرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( المدينة حَرَمٌ ما بين عائرٍ إلى كذا، من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لايُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ ) ) [رواه البخاري - أبواب فضائل المدينة - حديث رقم 1771]

ثانيًا: إن الذين يستدركون عليَّ بهذه الشبهة هم في الحقيقة يستدركون على الله تعالى وعلى كتابه الكريم؛ حيث إن الله تعالى قد بين وفصَّل كُفر الأمم السابقة في كتابه الكريم تفصيلًا دقيقًا في آياتٍ تُتلى منذ مئات السنين وإلى أن يرفع الله القرآن من المصاحف ومن صدور الرجال، ولم يقل قائل بل لم يجرؤ أحدٌ من المسلمين ولا من غيرهم من أهل الملل الأخرى على القول بأن هذا التفصيل المذكور في كتاب الله تعالى مدعاة إلى نشر الكفر في الأرض، وإنما هو التحذير من الله تعالى لخلقه لكي لا يقعوا في شيء من ذلك

بل إن القارئ لكتاب الله يجد أن الله تعالى قد ذكر كفريات لبعض الأمم السابقة تتعلق بذاته العلية، فقد أخبر سبحانه عن جرأة اليهود أحفاد القردة والخنازير على الله ووصفهم إياه بصفات النقص، قال الله تعالى: (((وقالت اليهودُ يدُ الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفقُ كيف يشاء ) ))، وكذلك ذكر تعالى كفر النصارى في قوله تعالى: (((لقد كَفَر الذين قالوا إِنَّ الله هو المسيحُ ابنُ مَرْيم ) ))، وقال تعالى: (((لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالثُ ثلاثةٍ وما من إلهٍ إلا إلهٌ واحد ) ))، وغير ذلك من الآيات التي توضح عقائد الكفار وما يصرحون به من إلحاد وزندقة

الخاتمة

نسأل الله حسنها إذا بلغت الروح المنتهى

بعد أن فاضت دموع المؤمنين الموحدين حُرقةً وغيرةً لله تعالى مما جنته أقلام الزنادقة والملحدين وألسنتهم في حق الله تعالى وآياته ورسله من حربٍ واستهزاءٍ واستخفاف، وقبل أن يقف القلم عن جريانه ليسجد بين يدي ربه وخالقه ويواصل تسبيحه وتمجيده وتقديسه لرب هذا الكون: نذكر أمرًا مهمًا من أمور الدين التي جهلها كثير من المسلمين في عصرنا هذا الذي ارتفع فيه الزنادقة والمرتدون والفسقة والفجار

ألا وهو حكم الزنديق المرتد في شريعة ربِّ العالمين

فنقول:

لا يخلو المرتد الذي حصلت منه الرِدَّة عن دين الله تعالى من ثلاث حالات:

الحالة الأولى

أن يرتد عن الإسلام بقولٍ أو فعلٍ أو شكٍّ، ثم يأتي تائبًا منيبًا ممَّا قاله أو فعله قبل القدرة عليه، فهذا دمه محقون وماله محفوظ وله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، والله غفور رحيم

قال تعالى: (((فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) )) [المائدة: 39] ، وقال تعالى: (((إِلاَّ الذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) )) [آل عمران: 89]

الحالة الثانية

أن يرتد عن الإسلام بقولٍ أو فعلٍ أو شكٍّ، ولم تعرف له توبة وإنابة ممَّا فعل، أو قال في حق الله تعالى ورسله ودينه، فهذا فيه خلاف عند أهل العلم

فذهبت طائفة إلى قتله من غير استتابة كما نقل ذلك ابن القَيِّم في إعلام الموقعين 3/144، قال: (( وهذا مذهب أهل المدينة مالك وأصحابه، والليث ابن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى الروايات عن أحمد نصرها كثير من أصحابه، بل هي أنص الروايات عنه ) )

وطائفة ثانية ترى أن يستتاب، فإن تاب قبلت توبته ولم يقتل، كما نقل ذلك ابن القيم فقال: (( وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب، وهو قول الشافعي، وعن أبي يوسف روايتان إحداهما: أنه يستتاب، وهي الرواية الأولى عنه ) )

الحالة الثالثة

وهي حالة لم تظهر إلاَّ في عصرنا؛ وذلك بسبب غياب تطبيق حدِّ الرِدَّة على أولئك الزنادقة والملحدين مِمَّن يستهزئون بالله تعالى وبدينه وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم، وهذه الحالة صفتها: أن يرتد عاقل بالغ عن الإسلام بقولٍ أو فعلٍ أو شَكٍّ، كأن يستهزئ بالله تعالى أو بأحد من أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، أو بآياته، أو يسبّ الله تعالى أو أحدًا من أنبيائه، أو يستحل الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، أو ينفي صفات الله تعالى أو أسماءه بالكلية، أو يشبه الله بخلقه، أو يصف غير الله بصفة لا تكون إلاَّ لله تعالى، أو أن يجعل بينه وبين الله وسائط يدعوها كعُبَّاد القبور والأضرحة، أو يترك أركان الإسلام بالكلية، أو يرد شرع الله تعالى كله أو بعضه، أو ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو لا يعتقد كفر اليهود والنصارى، أو يشك في كفرهم، أو يسوّغ اتباع دينهم، أو يستحل قتل المسلمين، أو قتل المسلم من أجل إسلامه، أو يوالي الكفار ولاءً مطلقًا، وغيرها من الأمور .. فلا يخلو هذا المرتد الذي حارب الله تعالى واستهزأ به وبدينه طيلة حياته ولم يُستتب على رِدَّته ومات عليها ولم تُعلم له توبة من حُكمين: حكمٌ في الدنيا، وحكمٌ في الآخرة

حكم الدنيا

إذا عُلم أنه مات على رِدَّته وزندقته ولم يستتبه أحدٌ من ولاة المسلمين أو علمائهم ولم تُعلم له توبة وإنابة مِمَّا قاله بل ظلَّ مجاهرًا بكفره وزندقته إلى إن لقيَ ربه وخالقه: فهذا يعامل معاملة الكافر في الدنيا، فلا يُغسَّل ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْعَى له بالمغفرة والرحمة، ولا يُدْفَن في مقابر المسلمين، ولا يُورث .. هذا حكمه في الدنيا؛ لأن أحكام الشريعة تُبنى على الظَّاهر من أفعال العباد، أمَّا السرائر فلا يعلمها إلاَّ عالم السر والنَّجوى سبحانه وتعالى .. قال تعالى: (((وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) )) [البقرة: 217] ، وقال تعالى: (((وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) )) [المائدة: 5]

حكم الآخرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت