فهرس الكتاب

الصفحة 1966 من 3028

ثم أيها المستهزئون الساخرون: أعيدوا النظر فيكم وفي أنفسكم مرة أخرى، من الذي دبركم بألطف التدبير وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم في موضع لا يد تنالكم ولا بصر يدرككم ولا حيلة لكم في التماس الغذاء ولا في دفع الضرر ؟!!! فمن الذي أجرى إليكم من دم أمهاتكم ما يغذوكم به كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لكم لبنًا ولم يزل يغذيكم به بجوده وكرمه في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسب والطلب، حتى إذا كَمُلَ خلقكم واستحكم وقوى أديمكم على مباشرة الهواء وبصركم على ملاقاة الضياء وصلبت عظامكم على مباشرة الأيدي والتقلب على الغبراء، هاج الطلق بأمهاتكم وأزعجكم إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء، فركضكم الرحِم ركضةً من مكانكم كأنه لم يضمكم قط ولم يشتمل عليكم، فصار يستغيث ويعج إلى ربه من ثقلكم، فمن الذي فتح لكم بابه حتى ولجتم ؟!! ثم ضمه عليكم حتى حُفظتم وكملتُم ؟!!! ثم فتح لكم ذلك الباب ووسعه حتى خرجتم منه كلمح البصر لم يخنقكم ضيقه ولم تحبسكم صعوبة طريقكم فيه ؟!!!!! فلو تأملتم حالكم في دخولكم من ذلك الباب وخروجكم منه لذهب بكم العجب كل مذهب، فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليكم وأنتم نطفة حتى لاتفسدوا هناك ؟!! ومن الذي أوحى إليه أن يتسع لكم ويتفسح حتى تخرجوا منه سليمين ؟!!!!

ومن الذي رعاكم بعد أن خرجتم فريدين وحيدين ضعفاء لا قشرة لكم ولالباس ولامتاع ولامال، أحوج خلق الله وأضعفهم وأفقرهم ؟!!!

ثم ماذا بعد ذلك يا أيها المستهزئون الساخرون من الله تعالى ؟!!! لقد صرف سبحانه وتعالى ذلك اللبن الذي كنتم تتغذون به في بطون أمهاتكم إلى خزانتين معلقتين على صدرها تحمل غذاءكم على صدرها كما حملتكم في بطنها، ثم ساقه الحي القيوم إلى تينك الخزانتين ألطف سوق على مجارٍ وطرق قد تهيأت له، فلا يزال واقفًا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة فيجري وينساق إليكم من عند الذي لاتنفد خزائنه ولا يزول ملكه، فمن الذي رققه لكم ؟!!! ومن الذي صفاه وأطاب طعمه وحسَّن لونه وأحكم طبخه أعدل إحكام: لا بالحار المؤذي ولا بالبارد الردي ولا بالمر ولا بالمالح ولا بالكريه الرائحة ؟!!!!! (((فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ ) ))

وحين خرجتم إلى الدنيا وبدأت الشفاه تتحرك للرضاع: فما كان من ذلك الثدي المعلق كالإداوة إلا قد تدلى برحمته سبحانه وتعالى إليكم، وأقبل بدره عليكم، ثم جعل في رأسه تلك الحلمة التي هي بمقدار صغر أفواهكم فلا يضيق عنها ولا تتعبوا بالتقامها، ثم ثقب لكم في رأسها ثقبًا لطيفًا بحسب احتمالكم: فلم يوسعه فتختنقوا باللبن، ولم يضيقه عليكم فتمصونه بكلفة، بل جعله بقدر اقتضته حكمته ورحمته، فمن الذي عطف عليكم قلب الأم ووضع فيه ذلك الحنان العجيب والرحمة الباهرة حتى تكون في أهنأ مايكون من شأنها وراحتها ومقيلها فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك وآثرتك على نفسها على عدد النفس منقادةً إليك بغير قائد ولا سائق إلا قائد الرحمة وسائق الحنان: تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها وأن حياتها تزاد في حياتك .. فمن الذي قذف هذا في قلوب عباده يامعاشر الساخرين والمستهزئين ؟!!!

إنه الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، القائم على كل نفس بالخلق والرزق

وعلى هذا فإنِّي أُذَكِّرهم بالله تعالى، وبأن يعودوا إلى ربهم تائبين منيبين مِمَّا جنت أيديهم وألسنتهم وأقلامهم في ذات الله من استهزاءٍ وسخريةٍ، وليسمعوا إلى قول الله تعالى في كتابه العظيم: (((وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) )) [إبراهيم: 42 - 43] ، وقوله تعالى: (((ويوم القيامة ترى الذين كَذَبوا على الله وجوهُهُم مُسْوَدَّة أليس في جَهَنَّمَ مثوىً للمتكبرين ) )) [الزمر: 60] ، وقوله تعالى: (((فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيِاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ) )) [مريم: 68 - 70] ، وقوله تعالى: (((وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُواْ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ) )) [الأنفال: 50 - 51] ، وقوله تعالى: (((فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونََ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم ) )) [محمد: 27 - 28]

وسيعلمون غدًا عند الوقوف بين يدي الله أمرهم وشأنهم ومآلهم

كشف بعض الشبهات

وهنا أذكر بعض الشبهات التي قذفت في قلوب كثير من المسلمين حتى بعض الصالحين الأخيار الذين جازت عليهم هذه الشبهات، وهي في الحقيقة هدمٌ لأصول الدين وقواعد الملة وركائز الشريعة ونسفٌ لأصل الأصول: كعقيدة التوحيد وعقيدة الولاء والبراء

فإلى ذكر الشُبه والرد عليها بما يفتح به الفتاح العليم

الشبهة الأولى

قولهم: إن الشعراء والروائيين إذا تكلموا في أشعارهم ورواياتهم عن بعض الأسماء والذوات إنما هم يتكلمون عن قوالب شعرية ورموز خيالية في غير مرادها الحقيقي المعروف لدى العامة، وإنما المعنى يكون كما يقولون في بطن الشاعر وجوفه، فإذا تكلم شاعرٌ مثلًا عن الله تعالى أو عن أي ذاتٍ من الذوات كالرسل والأنبياء ويوم القيامة وغيرها من الأشياء فهناك تصور آخر عند الشاعر هو غير المراد الحقيقي لهذه الذات ولهذه الحقيقة، وعلى هذا فلا يَكْفُرُ من قال في شعره إن الله مثلًا يجوع أو يعرى أو يمرض أو إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تهرب وتخاف وتجبن وغير ذلك !!!

الرد على هذه الشبهة

إن هذه الشبهة ما أظن أن إبليس قد ألقاها على هؤلاء، وما أظنه كان يعلمها حتى سمعها منهم، وإنا نسأل أولئك المخدوعين: لو أن شاعرًا قام وصرح باسم رئيس دولة من الدول ووصفه مثلًا بأنه قد رآه مشنوقًا على باب المدينة أو أن ذلك الشاعر قد رأى ذلك الملك أو ذلك الحاكم مذبوحًا في عَمَّان: أتكون أقوال ذلك الشاعر في حق ذلك الملك أو الرئيس أو الحاكم من القوالب الشعرية التي يراد منها غير حقيقتها ؟!! وهل تلتمسون لهذا الشاعر العذر كما التمستموه له عندما رمى الله عز وجل بهذه النقائص ؟!!!

الجواب طبعًا: لا وألف لا؛ والسبب في ذلك أن هذا الرئيس أو الملك أو الحاكم عذابه معجل دنيوي ملموس عند أهل الدنيا، أما عذاب الله تعالى فمؤخر مؤجل إلى ذلك اليوم الذي تشيب فيه مفارق الولدان، قال تعالى: (((فَلا تَعجَلْ عَلَيِهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) )) [مريم: 84] ، وقال تعالى: (((كَلا سَنَكتُبُ مَايَقُولُ ونَمُدُّ لَه مِن العَذابِ مَدًا * وَنَرِثُهُ مَايَقُولُ وَيأتِيِنا فَردًا ) )) [مريم: 79 - 80]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت