إذ كان رحمه الله رجلًا بأمّة ، حمل هموم العالم الإسلامي و وضعها نصب عينيه ، و شخّص الأدواء التي تهدّ كيانها ، و طفِق بحثًا لها عن الحلول الناجعة ، مجتهدًا في اتخاذ الأساليب الإصلاحية السليمة المنسجمة مع منطلقات الشريعة وأصولها ، فكان لهذه المجلّة وقعٌ طيب و صدى إيجابيّ في كل أصقاع العالم الإسلامي على مدى سبعة و ثلاثين عاما هو عمر هذه المجلة .
من هنا ، كانت هذه اللمحة السريعة في تعريف الإخوة القراء بهذه الشخصية الرائدة ، و دورها البارز في مجال نشأة الصحافة الإسلامية ، كجزء من العرفان و الوفاء الذي يلزمنا تجاه روّاد الإصلاح و الدعوة إلى الله تعالى في كلّ عصر و مِصر .
• من هو الشيخ محمد رشيد رضا ؟
وُلِد الشيخ محمد رشيد رضا في في قرية قلمون بالقرب من طرابلس الشام عام 1282هـ الموافق 1865 م ، و تلقّى تعليمه فيها . و كان في بداياته واعظًا متصوّفًا ، ثم تأثر بمدرسة الأفغاني و محمد عبده بعد قراءته لأحد أعداد مجلتهما العروة الوثقى ، و ارتحل إلى مصر عام 1315 هـ ، و تنقّل من الإسكندرية إلى القاهرة التي استقرّ به النوى فيها عام 1315 هـ ، و التقى بالأستاذ محمد عبده و لازمه ، و أفصح له عن رغبته بإصدار مجلة تعتني بأحوال المسلمين ، و طرق إصلاح واقعهم المتردّي ، لكن الأستاذ محمد عبده لم يكن متحمسًا لإنشاء مجلة لاقتناعه بعدم جدواها في مقاومة الصحف التي تهتم بأخبار الخديوي و الإنجليز مثل"المؤيد"و المقطم"و الأهرام"، إلا أن محمد رشيد رضا أقنعه بصحة رأيه و ضرورة إنشاء المجلة للتصدي لمهمة الإصلاح المنشودة ، و أنه في هذا السبيل على استعداد للمغامرة و تحمّل تبعات هذه المغامرة ، و قال له:"إن معالجة قضايا التربية و التعليم و نشر الأفكار الصحيحة لمقاومة الجهل و الأفكار الفاسدة التي فشت في الأمة كالجبر و الخرافات ، هي الباعث لي على إنشاء هذه الجريدة ، و إنني أسمح أن أنفق عليها سنة أو سنتين من غير أن أكسب شيئا".
• إنشاء المجلة و انتشارها:
ولما صحّ العزم من الشيخ محمد رشيد رضا قام بإنشاء المجلة ، و أطلق عليها اسم:"المنار"، و طبعها في مطبعة التوفيق القبطية ، فصدر أول أعدادها في تاريخ 22 من شوال عام 1315 هـ ، الموافق 15 مارس من عام 1898 م . يتألف العدد منها من ثمان صفحات كبيرة ، تتوسّطها كلمة المنار بخطّ كبير . و قوبلت المجلة حين إصدارها بالترحاب و الإهتمام من شتى طبقات المجتمع المثقفة ؛ إذ كان أكثر المشتركين فيها من الطبقة المتعلمة و على الأخصّ من فئة المحامين و القضاة الأهليين . و كانت في بداية صدورها أسبوعية ، لكنها اضطرّت لظروف معينة إلى أن تكون نصف شهرية ، ثم إلى شهرية شبه منتظمة . و مع ذلك كان انتشارها في إطار ضيق فلم يزِد المشتركون فيها عن الثلاثمائة ، إذ كان من أسباب ضيق انتشارها منع السلطات العثمانية المجلة من الدخول إلى و لاياتها ، بسبب مواقفها المعارضة للسياسة العثمانية آنذاك .
و لكن الناس في تلك الأقطار بدأوا في التسامع بها ، و ازداد الطلب عليها لا سيما على ما فاتهم من أعدادها السابقة ، و في عام 199 أُعيد طباعة مجموعة أعداد السنة الأولى ، و بيعت بأربعة أمثال قيمتها . فطار ذكرها و انتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى وصلت إلى الهند و سومطرة . فكان لانتشار هذه المجلة في العالم الإسلامي آثار إيجابية في نشر الأفكار الإصلاحية التي طرحها الشيخ محمد رشيد رضا بين ظهراني المسلمين ، إذ يقول المستشرق"هاملتون جب"في كتابه"وجهة الإسلام":"و لم يشرق ( منار ) الإسلام على المصريين وحدهم ، و لكنه أشرق على العرب في بلادهم و خارجها و على المسلمين في أرخبيل الملايو الذين درسوا في الجامعة الأزهرية ، و على الأندونيسي المنعزل الذي ظل محافظًا على علاقاته بقلب العالم الإسلامي بعد عودته لبلاده النائية على حدود دار الإسلام"ا هـ .
و استمرّت المجلة على هذا الحال من الإنتشار و الذيوع في العالم الإسلامي رغم ما تعرّضت إليه من مصاعب جمة ؛ فقد كانت المجلة تسدّ ثغورًا كثيرة من ثغور العمل الإسلامي ، و يقوم الشيخ محمد رشيد رضا بتحرير أغلب موادّ المجلة بنفسه ، و يقوم بتصحيحها و فهرسة مجلداتها مما يسبب له الكثير من الإرهاق و العنت .
و من جملة العقبات التي جابهها إلى جانب ذلك العقبة المادية ؛ فكان يعاني من مطل المشتركين في تسديد قيمة اشتراكاتهم ، لأن المجلة لم تكن تتلقى أي مساعدات مالية من الخارج بسبب استقلاليتها الفكرية ، و عدم انضوائها تحت راية حزب أو جهة حكومية أو أحد الأعيان القادرين . و كان كثيرًا ما يطرح قضيّة مطل المشتركين في المجلّة تارةً بالتلميح ، و أخرى بالتصريح ، مما يدل على الحرج البالغ الذي كانت تتعرّض إليه المجلة بسبب هذه المشكلة ، و تداعياتها على عمليّة نشر المجلة .
• الإتجاه السلفي في مجلة المنار:
كما رأينا في عرضنا السريع لسيرة الشيخ محمد رشيد رضا ، أنه قد مرّ بعدة أطوار في حياته الفكرية ، فكان في بداياته صوفيًا ، ثم متأثّرًا بمدرسة الأستاذ محمد عبده العقلانية ، ثم انتهى أخيرًا إلى مرحلة اقترب فيها كثيرًا من المدرسة السلفية ، و هذه المرحلة الأخيرة - و هي الأهم - برزت في مادّة المجلة بشكل واضح ، و نستطيع تحديد أهم ملامح هذا الإتجاه وفق ما يلي:
أولا: شنّت حربًا شعواءً على الشركيات و البدع المنتشرة بين المسلمين في مصر ، و غيرها من دول العالم الإسلامي ، كبدع البناء على القبور و تعظيم الأضرحة ، و الإستغاثة بالمخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، و حثت المسلمين على وجوب العودة إلى الكتاب و السنة و آثار السلف الصالح في فهم قضايا التوحيد و الشريعة .
ثانيا: دفاعها عن أعلام الدعوة السلفية ، و ركّزت على عَلَميْن شامخين من أعلام هذه المدرسة هما: شيخ الإسلام ابن تيمية ، و الإمام المجدّد محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله ؛ فقد كان يهتبل كل فرصة مواتية لبيان مكانة هذين العلَمَين و مآثرهما و دورهما في الإصلاح و التجديد ، و الدفاع عنهما و دحض الشبهات و المفتريات التي عادةً ما يثيرها أعداؤهما . و كذا نشرت المجلة العديد من فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية ، و فصولًا من كتب ابن القيم رحمهما الله تعالى ، للتنبيه على قيمة هذه الكنوز العلمية . ثالثا: حاربت المجلة التعصّب المذهبي و دعت إلى فتح باب الإجتهاد ، و إلى التمسّك بنصوص الكتاب و السنة الصحيحة بدلًا من التعصّب لمقالات المشايخ و الأئمة و الجمود عليها ، يقول محمد رشيد رضا رحمه الله:"و لا نعرف في ترك الإجتهاد منفعة ما . و أما مضارّه فكثيرة و كلها ترجع إلى إهمال العقل ، و قطع طريق العلم ، و الحرمان من استقلال الفكر ، و قد أهمل المسلمون كل علم بترك الاجتهاد فصاروا إلى ما نرى"ا هـ .