فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 3028

قد يكون المسلمون اليوم بالفعل أضعف من اللازم وهم مقبلون على منازلة ما ذكر من نوازل حاضرة ومستقبلة ، إلا أن ما عند الله تعالى من نواميس السنن ، كثيرًا ما يجري بخلاف ما يظن البشر من عادات ومجريات الزمن ؛ فالضعيف قد يقوى بعوامل لم تكن مقدورة للبشر ولا منظورة ، والقوي قد يضعف بمستجدات مكتوبة وغير محسوبة .

والذي أشعر به أن الله تعالى يُودِع قوة المسلمين اليوم في ضعفهم ، كما يضع ضعف أعدائهم في قوتهم ، كحال وحوش كبيرة ثقيلة كاسرة ، محصورة في ميدان محدود ، تطاردها طيور صغيرة عنيدة في فضاء غير محدود ، فتهزم تلك الضعاف الخفاف بطلاقتها وخفة مؤنتها ، تلكم الوحوش المحشورة في مرابض الأشر والبطر ! طابق - إن شئت - هذه الصورة المتخيلة على ما حدث مع فرسان الصحابة حينما خرجوا من جزيرة العرب خفافًا وثقالًا ، ينازلون الفرس ويناوشون الروم وغيرهم من طواغيت العالم ، فهزوا عروشهم ثم أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ، وطابق الصورة على ما كان قبل الإسلام من غلبة المستضعفين المطاردين من أتباع موسى - عليه السلام - لطاغية ذلك العصر فرعون ، حيث جعل الله ذله على أيديهم ونهايته أمام أعينهم حتى قبل أن يُكتب الجهاد عليهم: [ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ] (القصص: 5-6) .

ثم طابقها على ما كان بعد ذلك من قيادة داود الشاب - عليه السلام - لقومه المستضعفين المطرودين من أرضهم ، حيث جبر الله كسرهم فاقتحموا على الجبارين أبواب حصونهم: [ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ] (المائدة: 23) .

فحين مد داود يده وأمسك بقطعة الحجر ، وقذف بمقلاعه نحو الجبار جالوت ؛ كان هذا إيذانًا بتحول موازين القوى ، وتغير الأوضاع لدى قومه ، فتحولوا من شراذم تفر أمام الأعداء إلى جيوش نظامية حقيقية لها وجود .

ولا تظن أخي القارئ أن زمان هزيمة الطغيان على أيدي المستضعفين من أهل الإيمان قد ولَّى ؛ فقد أرانا الله في عصرنا من هذا آيات ، ليس آخرها ما كان من انهزام إمبراطورية الإلحاد السوفييتي السابق ، ثم انهدام بنيانها وتفكك اتحادها ، تحت ضربات المستضعفين من المؤمنين من أنحاء الأرض آنذاك ، الذين جاؤوا في ذلك الوقت لنصرة إخوانهم الأفغان الذين استنصروهم في الدين ؛ فقد ادخر الله تعالى للمستضعفين منهم شرف إسقاط تلك القوة الطاغوتية الإلحادية الكبرى التي كانت تعد القوة العسكرية الأكبر في العالم وقتها ، هذا في حين لم يكن للمجاهدين فيه دولة فتحاصر ، ولا سفارات فتغلق ، ولا جيش نظامي فيدمر .

صحيح أن أن أمريكا كان لها دور في الدعم من وراء ستار ، ولكن ذلك كان من تأييد المؤمنين بتسخير الكفار ، ثم انظر أيضًا إلى روسيا الصليبية الأرثوذكسية التي ورثت روسيا الإلحادية الشيوعية ؛ حيث أذل الله اتحادها الروسي الفيدرالي ، على أيدي المستضعفين الشيشانيين الذين لا يتجاوز عدد شعبهم 800 ألف نسمة ، في مقابل ما لا يقل عن 150 مليون نسمة هم سكان الاتحاد الروسي .

ونعيد نظرك بعد ذلك إلى ما حدث ولا يزال يحدث في فلسطين ، وإلى ما حدث ولا يزال يحدث في العراق ، حيث تُغير الطيور الحرة الطليقة ، بغايات شريفة ومؤن خفيفة على الديناصورات ذات الترسانات ، فتدمي أنوفها ، وتغرس الشوك في عيونها ، وتعلن للعالم أن قول الله تعالى: [ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ] (البقرة: 249) .

لا يزال ، ولن يزال باقي الصلاحية في إحداث التغيير والفاعلية .

ومع هذا ، لا نقول للمسلمين عامة ، والإسلاميين خاصة حوِّلوا العالم كله إلى ساحات حرب وميادين نزال ، لا ...

، فلا تزال الدنيا تتطلع إلى سماع صوت دعوتكم ، قبل سماع سوط سخطكم على المتآمرين وصريخ ثأركم من الجبارين ، لا يزال المسلمون والبشرية كلها معهم في أشد الحاجة إلى فقه العالم منكم ، وثقافة المفكر ، وحلم السياسي ، وصبر المربي ، ومثابرة الداعية ، بما لا يقل عن الحاجة إلى مصابرة المرابطين ، ورباطة جأش المجاهدين في المشروع من الميادين ، لم نسدَّ بعدُ نحن الإسلاميين وإن كثرنا فرض الكفاية لأمتنا17 من الأطباء الشرفاء والمهندسين الأكفاء ، والمعلمين والمهنيين الذين يكفون الأمة عار أن تظل عالة على عالم الكفاية ، ليس مطلوبًا من الإسلاميين فقط أن يكونوا خير الأدلاَّء على طريق النجاة في الآخرة ، بل المطلوب منهم أيضًا أن يكونوا في طليعة المصلحين للدنيا ؛ فصلاح الدنيا ، ورعاية مصالح الخلق مطلب شرعي أصيل ، وغاية التشريع الإسلامي الذي تشرئب إلى تحقيقه وتطبيقه كافة الفصائل الإسلامية ؛ هي الإصلاح فيما يمنع وفيما يمنح ، فيما يُحل وفيما يُحرم ؛ لأن من أنزل هذا التشريع سبحانه لا يريد بالناس إلا بيان الحق والهداية إليه وإصلاح الدنيا والآخرة به .

قال تعالى: [ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ] (النساء: 26-27) .

وشريعتنا شريعة القرآن تتوخى مع إصلاح الخلق ، رعاية مصالحهم ولا أدل على ذلك من أن قسمًا من الواجبات فيها يتعلق بكل ما يعود بمصلحة عامة ، وهذا القسم يتمثل في الواجبات الكفائية التي توجب كل ما من شأنه عزة المسلمين واستغناؤهم عن غيرهم .

والذين يظنون أن مهمة الإسلاميين هي تعليم الناس أحكام العبادات والمعاملات فقط ، هم مخطئون ؛ لأن عبادة العبد تعود إلى العبد ، ومعاملاته ترجع إليه ، والله تعالى غني عن العالمين ، فلم يجعل الشريعة قاصرة فقط على رفع درجة العباد في الآخرة ، بل شاملة لما يصلح شأنهم في الدنيا .

يقول الإمام الشنقيطي - رحمه الله -: « وإنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن الله جل وعلا غني لذاته الغنى المطلق ، وجميع الخلق فقراء إليه غاية الفقر والفاقة والحاجة ، ولكنه جل شأنه يشرِّع ويفعل لأجل مصالح الخلق المحتاجين إليه لا لأجل مصلحة تعود إليه ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا » 18 .

? وبعد:

لم تنته بعدُ النظرات في النوازل ومنازلتها ؛ لأن موضوعها أكبر من أن يستوعب بنظرة متأمل ، أو قلم كاتب ، في سطور وصفحات ، وإنما تحتاج إلى دراسات ودراسات ، ومع هذا فالأمر لا يمنع من مساهمات قد تفتح مجالًا لحوار ، أو تلفت نظرًا لمراجعة نظرية أو عملية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت