إن الخطر الذي سيلاحق الدولة الإسلامية المؤمل قيامها ، لن يكون قانونيًا فقط برفض ( الأمم المتحدة ) الاعتراف بها ، بل قد تواجه الحظر السياسي والحصار الاقتصادي ، والتربص العسكري كما حدث لدولة الطالبان وقبلها دولة الشيشان وما قد يحدث لدولة السودان ، وهنا نقول: هل من المناسب في ضوء ذلك أن يظل هدف إقامة الدولة الإسلامية النموذجية في هذه المرحلة على رأس أولويات الحركات الإسلامية في أنحاء العالم ، كما كان العهد في العهود الماضية بحيث تتمحور حولها البرامج وتتركز التحركات ؟! أم يتحول الجهد إلى إزالة العقبات من أمامها ، وتأسيس الأرض الصلبة لإنشائها ؟!
ثانيًا: انتهاء عصر الاستقلال بانتهاك مفهوم سيادة الدول بالمعنى القديم المعهود وخاصة الدول الإسلامية ، حيث برزت في السنوات القليلة الماضية ظاهرة التدخل المباشر في شؤون الدول الضعيفة ، وتوجيه سيادتها عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا ، دون الرجوع في أحيان كثيرة إلى من يفترض أنهم ( المسؤولون ) في هذا البلد أو ذاك ، ولن نضرب المثل بما يحدث الآن في أفغانستان أو العراق ، فذلك أمر قد فُرغ منه ، بل انظر إلى ما يحدث في باكستان و إندونيسيا و السودان ، حيث تُفرض الحلول الأمريكية فرضًا ، حتى وصل الأمر في بعض الحالات إلى انتهاك المجال الجوي لبعض الدول من أجل تعقب من تطلق عليهم أمريكا ( الإرهابيين ) ، وما أمر اليمن منا ببعيد عندما دخلت الطائرات الأمريكية لتعقب سيارة مدنية بها أشخاص تشتبه بهم ، ومثلما حدث عندما أغار الأمريكيون في عهد كلينتون على كل من السودان وأفغانستان دون مقدمات بزعم ضرب أهداف معادية .
ثالثًا: التغيير الحاد في مفهوم ( سيادة القانون ) بما فيها القانون الدولي ؛ فمع ما ندين الله به من بطلان كل قانون بشري مخالف لشريعة الإسلام ، دوليًا كان أو إقليميًا ، إلا أن تلك القوانين على عجزها عن تحقيق العدالة المطلوبة ، تقيَّد الآن ، لتكون شريعة الغاب أو الغرب هي سيدة الموقف ، بما فيها من تسلط وكبرياء وغطرسة ، لا تفهم إلا القوة ولا تعترف بحقوق الإنسان إلا إذا كان إنسانًا غربيًا أو بالأحرى نصرانيًا أو يهوديًا ! فأين سيادة القانون الدولي الآن مما يحدث في فلسطين ، وأين « سيادته » مما يحدث في العراق وأفغانستان والسودان والبلقان وإندونيسيا والشيشان ؟! الأمر مرشح لمزيد من الفوضى القانونية الدولية ، وخاصة أن أمريكا تمضي قُدمًا في تطبيق مفهوم ( الحرب الوقائية ) و ( الضربات الاستباقية ) التي ستغير كل ما كان معهودًا من أعراف تتعلق بإعلان الحروب واستعداد الشعوب لدخولها قبل أن تقحم بها .
إننا مقبلون فيما يبدو على عصر ( اللاقانون ) مع عصر ( اللانظام ) ، فإذا كان القانون الدولي يداس الآن بأقدام أمريكية ، فإن القوانين المحلية سيجري الجري فوقها لا مجرد دوسها ، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالإسلاميين ، ولذلك فإن الرهان على عودة الاستقرار في الساحات المتوترة ، لا ينبغي أن تفضل فيه الأسباب الخارجية عن الداخلية .
رابعًا: تعاظم دور الجاسوسية في العالم باسم ( المخابرات ) ؛ فالحرب العالمية ضد ما يسمى بـ ( الإرهاب ) يبدو أنها ستحتاج إلى تجييش الجواسيس من مستوى الخفير إلى الوزير ، بل إلى رئيس الدولة ، وما لنا نذهب بعيدًا وبوش الأكبر ، الذي كان رئيسًا لأكبر دولة ، تولى المنصب الأكبر في قيادة الجاسوسية الأمريكية حيث كان رئيسًا لوكالة الاستخبارات الأمريكية ( CIA ) قبل تولي الرئاسة .
وكذلك فإن الدولة التي كانت تمثل القطب الثاني في العالم ( روسيا ) يترأسها الآن رجل الجاسوسية الروسية الضليع ( فلاديمير بوتين ) الذي كان ضابطًا في المخابرات السوفييتية ( KGB ) .
ولهذا لم نستغرب ولن نستغرب أن تكون أشهر المبادرات والتحركات السياسية الخاصة بالشرق الأوسط في الوقت الراهن يديرها قادة في المخابرات ، من أمثال ( جورج تينت ) الذي تولى منصب وكالة المخابرات المركزية منذ عام 1996م والذي وضع منذ فترة فترة ما يعرف بخطة ( تينت ) .
يبدو أننا أيضًا في عالمنا الإسلامي سنشهد بعد حقبة الحكومات العسكرية ، حقبة جديدة من الحكومات المخابراتية ! وهي حقبة سيحتاج فيها الإسلاميون ولا شك لطرق أخرى في التعامل مع الواقع .
خامسًا: تقلص دور الحكومات في العالم النامي وأغلبه إسلامي بعد أن كرست أحداث السنوات الأخيرة عجز أغلب تلك الحكومات عن مواجهة التحديات ، وهذا سيضاعف من مسؤولية الشعوب في تحمل أعبائها بنفسها ، والإسلاميون شاؤوا أم أبوا هم طليعة تلك الشعوب ، وهم قادتها الحقيقيون ، ومع ذلك ويا للمفارقة فهم المعنيون قبل غيرهم بالعداوة الصليبية واليهودية الراهنة ، ولا خيار لهم في تحمل مسؤولياتهم المزدوجة في حماية أنفسهم وحماية الأمة .
سادسًا: تحول وظيفة إنقاذ الأجيال إلى مهمة عسيرة ، في ظل اختراق الإعلام لخصوصيات الشعوب ، وهذا المعطى ليس خاصًا بالحرب الأمريكية على الإسلام وما تشكله من نظام دولي جديد ، بل هو من عوامل تغير الزمن ، وظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ، ولكنه مؤثر على كل حال في أهم وظائف العمل الإسلامي وهو تربية الأجيال ؛ فبالأمس القريب كان الدعاة يتحدثون عن خطر ( الغزو الفكري ) وتأثيره الضار على الأجيال ، مع أن خطر الغزو الفكري وقتها ربما اقتصر على شرائح معينة تتعامل مع وسائل الثقافة والإعلام المخاطِبة للطبقة المتعلمة .
أما اليوم فلم يعد الأمر أمر كتاب أو شريط أو فيلم ، وإنما أضحى طوفانًا من الفساد المبثوث عبر القنوات الفضائية والشبكات الحاسوبية ، أصبحت معه مهمة الدعاة بالغة الصعوبة في توسيع دائرة المنتمين للدعوة من الأجيال الجديدة ، بل إن الخطر لم يعد يحاصر الأطفال والفتيان والفتيات ، بل غدا يطارد الكبار أيضًا ، فأصبحنا بين خطرين: خطر العسر في المحافظة على مكتسبات عقود ماضية من شريحة الملتزمين بالدين بتآكل أطرافها ، وخطر المخاوف من تقلص الفرص في جلب شرائح جديدة إلى صفوف الملتزمين الجادين بسبب صعوبة التمسك بالدين في ظل انفجار تيار الفجور .
بمعنى آخر: نحن نسير بسرعة متهورة نحو ظاهرة ( خفة الدين ) ، ولا بد للدعاة أن يعكفوا على إيجاد حلول لتلك النازلة ؛ لأن المراحل القادمة في مصير الأمة لا يصلح للتعامل معها خفاف الدين ، صغارًا أو كبارًا .
سابعًا: التحول من الهموم العامة إلى الهموم الخاصة ؛ فعلى مستوى المسلمين عمومًا تكرست العزلة بين ما يسمى بـ ( العالم الإسلامي ) وبين ما يسمى بـ ( العالم العربي ) بفعل القوميات ، ثم تجذرت العزلة بين أجزاء كل عالم منهما بعد ذلك بفعل الوطنيات ؛ فالهَمُّ المحلي الآن هو منتهى اهتمام الجميع ، حتى إن بعضهم أضحى يقول: أنا ومن بعدي الطوفان ! ومن إفرازات هذه الظاهرة على الأرض ما يحدث الآن في فلسطين ؛ حيث جُردت قضيتها بشكل شبه نهائي من بُعدها العربي ، بعد فصلها عن بُعدها الإسلامي ، وأصبحت ( قضية العرب والمسلمين الأولى ) مجرد همٍّ فلسطيني ، وقس على ذلك الهم السوداني والأفغاني والشيشاني ، والبلقاني ؛ فالكل مشغول عن الكل بنفسه أثرة وشحًا ، أو عجزًا وضعفًا .
وأخشى ما نخشاه أن تنتقل هذه العدوى إلى العمل الإسلامي ، فتصبح كل ساحة منكبة على نفسها ، منغلقة على ذاتها ، تاركة هموم غيرها وراء ظهورها ، وبخاصة عندما يكون لحمل تلك الهموم ضريبة لا يريد الكثيرون دفعها .
? ضعفنا وقوتهم: