ماهية تحرير المرأة:
وثمة تهويمات والتباسات أخرى في طرح تلك الحلقة عن تحرير المرأة إذ أنّ هذا"التحرير"للمرأة في عالمنا غير محدد ولا منضبط لا نوعًا ولا حدًا ولا غاية. وذلك على عكس ما هو قائم في العالم الغربي الذي استعيرت منه تلك القضية! فالإبانات والتصريحات هناك نافية لأي التباس بل لا تتيح أدنى فرصة للخلط أو التمويه. أما عندنا فالأمر في غاية الإبهام ومع مضي ما يناهز القرن من الزمان إذا اتخذنا الإصدار الأول لقاسم أمين"تحرير المرأة"بداية لذلك التاريخ.
فحتى يوم الناس هذا لا تكاد تجد إجابة واضحة عن مدرك تحرير المرأة ودلالاته الحقيقية في عالم الإسلام! تحريرها؟ فليكن، ولكن ماهي ماهية ذلك التحرير؟ ومم وممن هو؟ وما أشكاله العملية التطبيقية وما أهدافه الحقيقية؟ وهل يمكن فصله أو اجتزاؤه عن حركة تحرير الأمة والمجتمع؟ وسؤال أكبر من هذا كله: وفقًا لأي مرجعية يكون؟!
أقول هذا وتحت بصري مقولات هذه الحلقة التلفازية كمثال على النمط التحريري الذي يدعى إليه. فاحتكامًاَ إلى معايير الباحثة وموازينها المعتنقة تعتبر وتقرر أن انبثاق هذه الفرقة الموسيقية النسائية نمط نفيس من أنماط التحرير وإن برز رغمًا عن أنف المؤسسة الأبوية وإن عنى انكسارها وتصدعها. بل تفيد ما وراء الكلمات تحبيذًا خاصًا لهذا النمط من التحرير"الموسيقي"وهذا يقتضي إبانات ووقفات أُخر.
وأجدني ملزمًا بالتصريح بأنني اختلف اختلافًا كبيرًا ومبدئيًا مع الباحثة الكريمة. وهو اختلاف تضاد وافتراق لا اختلاف تنوع والتقاء! وأوقن يقينًا لا شك فيه أنه اختلاف بين عالمين مفاهيميين يفترقان بداية في المدارك الأم بل في الأصول الأولى للنظريات المعرفية المؤسسة لتلك المدارك مرورًا بالنماذج التفسيرية فضلًا عن النتائج والخلاصات النهائية!!
ولا يراع القارئ الكريم فلن أثقل عليه بالخوض في ذلك وإنما هي إشارات لازمة اقتضاها الظرف والمقام.
عود إلى عصور الاسترقاق:
على العكس مما ذهبت إليه الباحثة الكريمة وعاضدها عليه السيدات والآنسات الفضليات الأُخر. لا أرى في ظهور هذه الفرقة الموسيقية النسائية شكلًا من أشكال التحرير. بل أرى فيه نمطًا معادًا من أنماط الاستتباع من جهة والاسترقاق من جهة أخرى وإن بدا وسم تهويمات ما بعد الحداثة عليه- ونحن ننتمي واقعًا وتاريخًا إلى ما قبل الحداثة إذ لم ننجز أيًا من الثورات التقنية العلمية بعد- كما ولا أرى فيه ذرة من تقدم بل هو إيغال في العودة إلى الوراء هذا بالطبع وفقًا لمقاييس دورتنا التاريخية الحضارية الأم!
فلتعلم الباحثة الكريمة ورهطها ممن يعتبر هذه الفرقة إنجازًا عظيمًا وفخرًا يجب التمجد به. أقول إنّ هذا كان من الأنماط المعتادة في حضارتنا في طور طويل من أطوارها ولكنه مما يرصف في باب الإفرازات المريضة التي ساهمت في انهيارها أخيرًا! فالفرق النسائية الموسيقية الغنائية كانت ظاهرة شائعة ولكنها اتصلت بمجتمع القيان والإماء والجواري وكانت قصرًا عليهن دون الحرائر من النساء! فقد نعلم أنه وفي ذلك العهد الذي كان فيه الرقيق جزءًا معروفًا من أشكال مجتمعه واجتماعه كان مما يعلي من"القيمة"السوقية للجواري- أي الرقيق من النساء- إجادتهن للغناء والطرب وافتنانهن في العزف والألحان. وقلما وجدت جارية في ذلك العهدلا تبرع في ذلك. وعلى ما تنبئنا المصادر التاريخية فإنّ ذلك كان من الأمور الشائعة في كل الحواضر والمدن الإسلامية. وكثير من الأسر كانت تقتني من القيان والجواري ما يجاوز العشرات للموسر منها وما لا يقل عن ثلاث أو خمس للأسر المتوسطة الحال وأما قصور الأمراء وكبار رجالات الدولة فحدث ولا حرج!
وأما الإجادة للغناء والموسيقى فمما تجد أصداءه حتى في الكتب الفقهية حين التقبيح والتحسين لصفات الجواري وما يتصل بأحكام الشريعة في ذلك. كما تجده في الحديث عن أنواع المال المقوَّم وفقًا للاعتبارات الشرعية وهل تدخل الآلات الموسيقية في دائرته أم لا؟
وهذه الشريحة الاجتماعية بمواصفاتها تلك ظهرت في المجتمع الإسلامي منذ أواخر العهد الأموي ثم تضاعف وذاع في العصر العباسي الأول ثم تفاقم تأنقه وتألقه في العصر العباسي الثاني واستمر وتواصل في كل العصور التي تلت ذلك ثم ذبل مع ذبول الحضارة والعمران ولكنه كان موجودًا إلى حين إبطال الاسترقاق في أواخر العهد العثماني.
على أنّ الأمر الذي يستحق التنويه أنّ ذلك كله كان محصورًا في عالم القيان والجواري- أي الرقيق- ولا يتصل بالحرائر من قريب أو من بعيد إلا في حيز الاستثناء غير المعتبر. حتى إنّ ظاهرة مثل ظاهرة ولاَّدة بنت المستكفي في الأندلس استرعت الانتباه والتنويه لا لشئ إلا لشذوذ سلوكها عن سلوك الحرائر ولا تجد لها شبيهًا إلا أعدادًا محدودة جدًا في كل التاريخ الإسلامي.
ووفقًا لهذه الرؤية المخالفة والمنبثقة عن عالمنا المفاهيمي الأم أصدع بأعلى الصوت إنّ ظهور فرقة نسائية موسيقية لا يناسبه الاحتفاء بقدر ما يُلزمنا بتبادل العزاء: إذ هو في الحقيقة التحاق بعالم الإماء والجواري وفقًا لأنساقنا الحضارية الأم. وهو عند الذين يدينون بمدرك الكرامة الإنسانية عمومًا وكرامة النساء على وجه الخصوص تخلف وانخلاع عن منظومة قيمنا وتقهقر ضخم عن تصوراتنا الاعتقادية ومعاييرنا وأطرنا الأخلاقية.
وأما بمقاييس الإنجاز ماديًا كان أم فكريًا: فأي إنتاج مفيد كامن وراء إجادة رهط من الفتيات- المغرر بهن- للموسيقى والغناء؟ وأي رقي فكري أو عقلي تحقق سواء للمجتمع السوداني في عمومه، أم المجتمع النسوي على وجه الخصوص؟ وأي تقدم نالنا ونال فتياتنا إذا سفرت الأحاسيس والمشاعر وصارت الآهات النسوية على القنوات الفضائية أو في الاذاعات الأرضية؟! وما هي تلك الموهبة أو العبقرية إذا تمايل رهط من فتياتنا يمنة ويسرة على رؤوس الأشهاد؟ أو تناغم قفزهن واهتزاز اجسادهن مع تعالي طرق الطارقة للطبل الأفريقي (البنقز) وما إليه؟ وماذا أضفنا لدنيانا- فالدين أجلّ وأعظم من أن يذكر في هذا المقام- ماذا أضفنا بربك بانكباب فتاة على كمان؟ أو هزها العنيف لأوتار الجيتار؟ أو انتفاخ أوداجها بالنفخ المرهق لسكسفون أو مزمار؟!
إنّ الأمر عند صاحب هذا القلم ومن يشاركه الرأي والرؤية لا يعدو أن يكون تفاقمًا لخسائر العقول والأرواح في قطاعنا. ومزيدًا من التراكمات لمتوالية الإهدار ماديًا، فكريًا إنسانيًا أم قيميًا أخلاقيًا. وهو في سياق اللحظة التاريخية المحاصرة إضرام لمزيد من نيران الإلهاء والصوارف عن الرسالة الأم ومشروع النهضة المهدد دائمًا بالمزيد من الانتظار والتأخر لشغلنا الشاغل عنه بمثل هذه الصوارف. وهو في حقيقته السافرة ترسيخ لاستتباع أنثانا للأنثى الغربية! استتباع يلغي عقلها قبل دينها ويطمس بصرها بل بصيرتها أيضًا! كيف لا وهي تقتفي أثرها في سيئاتها لا حسناتها وفي أفدح أخطائها ولا أقل القليل من صوابها.
ولئن عُدّ مثل هذا تحررًا ونسب إليه فربما كان تحررًا من الأنساق القيمية والمدارك المعرفية الأم. على أنه وبالضرورة وقوع في استعباد الآخر عالمًا مفاهيميًا ماحقًا مبيدًا وتعبيداُ لطريق عائد بالإمبريالية الغربية الصهيوصليبية لرحابنا من جديد!!
من تبديات العلمانية الشاملة: