فهرس الكتاب

الصفحة 2554 من 3028

وأول ملاحظة تسجل على هذا المصطلح الترجمة المحوّرة المريبة. فحقيقة المصطلح في أصوله الغربية هو: السلطة البطريركية. ودلالات ذلك منسوبة إلى المنشأ والبيئة واضحة بينة. فتلك البيئة ممثلة في الأكاديميين الاجتماعيين ومنسوبي حركة الفمنزم تعرف مبتغاها ومراداتها. وتحرص من ثم على انتقاء الوافي الشافي في الإبانة عن تلك الأهداف والمرادات. واختيارها للبطريركية مصطلحًا- وهو عريق النسبة إلى الكنيسة ومؤسساتها العاتية في الغرب- ينم عن حذقها في استخدام وتداول أكثر العبارات والمفردات تأُثيرًا ومقدرة على تحقيق الاستجابة والتفاعل مع ما تريد. كما يعني الاهتمام المكثف والمعرفة الدقيقة بما يستجيش الضمائر ويستفز الأفكار والعقول هناك وكل ذلك متحقق من خلال مقولة"البطريركية"هذه والتي ما إن يسمعها المتلقي الغربي حتى يقشعر جسده وتتهيج مشاعره. إذ أنّ دلالات البطريركية هناك لا تنفك عن بشاعات الكنيسة واستغلالها البغيض لما افترته من سلطات أرادت أن تحاكم على الأفكار المستكنة والخطرات العابرة إن وجدت لذلك سبيلًا. فضلًا عما جسدته من تسلط مكين وقهر متسع عبر تحالفاتها مع الملوك والأمراء وجملة الاقطاعيين هناك.

ومن هنا فالمواضعة على مصطلح"البطريركية"- كما ترى- معين ومهيئ للاحتفاء بما يطويه في جوانحه فتكون الأذهان مستعدة لقبوله رمزًا مكثفًا للبشاعة والابتزاز وألوان وصنوف الاستغلال المقيت للإنسان. بهذا وبأشباهه اجتذبت حركة الفمنزم جمهورها وأحسنت حشده وأتقنت تعبئته.

أما إبدال ذلك وتحويره وتحريفه في أوساطنا وإحلال: السلطة الأبوية مقابلًا رديفًا له فجريمة فاجرة بشعة. إذ أنّ ذلك يعني زلزلة وتقويضًاودكًا لمدرك تراحمي تعاضدي اجتماعي إنساني أساسي. يعد ركيزة هامة من ركائز اجتماعنا الإنساني. بل هو الركيزة الأهم على الإطلاق إذا استدعت الأذهان صنوه: الأمومة وبدون اعتساف أو أدنى تكلف.

نعم تداولت حركة الفمنزم في السنوات الأخيرة مصطلح السلطة الأبوية ولكن في سياق ما اعتراها من تبدل آيديولوجي بتبني بغض الرجال مطلقًا وتبغيضهم مرتكزًا وعقيدة ومنطلقًا. وأنّ هذا البغض للعالم الذكوري طال الرجل في عمومه أخًا أم أبًا أم ابنًا- لم أذكر الزوج لأنّ الزواج مؤسسة مرذولة تستحق البغض وإثارة التقزز عند الفمنزيات!- وأنّ النقلة الجديدة في استخدام مقولة: السلطة الأبوية هو تركيز وتكثيف لتبغيض الأب بحسبانه محور عالم الذكورة. ومن ثم فالحملة التبغيضية له تعني في حقيقتها حملة على عالم الذكورة بأشمله!

وبهذا فاستخدام ابنتنا الباحثة الاجتماعية لذلك المصطلح والمفهوم الكامن من ورائه هي استعارة غير حكيمة لأزمة منهكة لنا من أزمات المتجمع الغربي. كما وأنّ ذلك الاستخدام يعني استقداما للبغض الأنثوي الغربي المريض الكامن من ورائه. إضافة إلى اشاعة كل ذلك وغيره مما يرتبط به- بما فيه إقرار السحاق كعلاقة"مشروعة"!- وتسويغه لمجتمعنا من حيث تدري ولا تدري!

ويقيننا أنّ ابنتنا الباحثة الاجتماعية ومن شاركنها الحوار من أخواتنا وبناتنا وعاضدنها ضمنياُ بالتأمين والاقرار لبث هذا المفهوم الخطير. يقيننا أنهن لا يتعمدن ذلك من قريب أو بعيد- معاذ الله- وهذا ما حفزني وأملي على كتابة هذا المقال. ولكني والله أخشى منهن! وأكثر من ذلك أخشى عليهن من مقارفة جريمة كبرى أقل ما نصفها أنه قتل غير عمد لاجتماعنا الإنساني كله في عالمنا هذا وقطاعنا.

وينبغي على التفاز من هنا فصاعدًا أن لا يسمح بتداول ما يخل بأمننا المفاهيمي وأمننا القيمي أو أمننا الاجتماعي. وهو كما لا يجامل في رقابته الأمنية السياسية لمواده وبرامجه. فحريّ به أن يهتم مستقبلًا بهذه النواحي التي لا تقل أهمية بحال عما يراقبه ويحترز منه. فالأسباب مربوط بعضها ببعض والحزم يقتضينا التدقيق والمراقبة لكل ما عساه يخل بأمننا ولو بعد زمان طويل ! أم ترانا لا ننتبه لمقدمات الزلازل ولا نتعرف عليها إلا إذا حلت كوارثها بنا؟!

كما يفترض في الوسائط الإعلامية الأخرى مقروءة أم مسموعة ألا تجامل في تداول هذا المصطلح أو أشباهه من المشوهات المقوضات لمفاهيم ومدارك مجتمعنا التراحمي التعاضدي التآزري. ولعمر الحق أنه لم تبق لنا ذخيرة ورصيد حافظ لاجتماعنا الإنساني سوى الأبوة والأمومة. وقد نعلم أنه لا قيام لأحدهما في عالمنا المفاهيمي دون الآخر. إذ أنه حيثما سقط أحدهما فقد سقط كلاهما ودون حاجة للإعلان عن ذلك!!

بيني وبين التلفاز 2 ـ2

محمد عبد الله الغبشاوي*

أنا و التلفاز 2-2 تحدث الكاتب في حلقة سابقة عن باحثة اجتماعية علقت ـ في تلفزيون جمهورية السودان ـ على ظهور فرقة موسيقية نسائية خالصة بقولها: إنّ بروز هذه الظاهرة دليل على انكسار المؤسسة الأبوية، ويواصل الكاتب حديثه فيقول:

إذا انقلبت المفاهيم:-

هذا وقد أصابت المتحدثة فيما قالت من حيث حقيقة السبب الأساسي الذي تعزي إليه الظاهرة وظهورها والمتمثل في انكسارات أو تصدعات أصابت المؤسسة الأبوية. وأخطأت- عفا الله عنها- من حيث الإشادة والتبشير الضمني بانهيار الأسرة المسلمة ممثلة في نظامها الأبوي المعروف. والحق أنّ 'البشارات' في هذا المقام لا تزف إلينا وإنما تزف للدوائر الغربية الصهيوصليبية. حيث أنّ مشروعهم الذي يستهدفنا لن تقوم له قائمة إلا بتقويض الركائز التي يقوم عليها بناؤنا الاجتماعي والتي بتقويضها ينهار كل شئ ولا تبقى لنا باقية لا قدر الله.

و'بشارة' ابنتنا الباحثة إنما هي نذير لمجتمعنا وأمتنا كلها عن التصدعات والانكسارات الطارئة- بإذن الله- على المؤسسة الأسرية. واستعير في هذا المقام عبارة مبينة للمفكر المستشار على فاضل حسن. وهو من خيرة كُتَّاب الرأي في صحيفة الأهرام. فقد تناول ذات مرة حدثًا هز المجتمع المصري هزًا عنيفًا وكانت له أصداؤه في كل أوساطه. وتتلخص الواقعة في غرق فتاة وخدينها أو عشيقها- احترازًا من كلمة 'صديقها' تسمية للأشياء باسمائها!- في أحد السواحل المصرية. وكان مما ذكرته الأخبار المتعلقة بذلك الحدث أنّ الفندق الذي آوى العشيقين حاول الاتصال بهاتفهما فوجده خارج الخدمة. فاستخدم الكاتب المستشار تلك العبارة كعنوان. وعقب على عدم علم والد الفتاة الضحية بخروجها مع عشيقها بأنه: أب 'خارج الخدمة'. وأنا في هذا المقام أجد في هذه العبارة وفاء بمقاصدي. فبعض قليل من أسرنا صارت 'خارج الخدمة'. ومن حسن طالعنا- باذن الله- امكان التدارك لذلك وبشتى السبل العلاجية والوقائية الدارئة للإنهيار الأسري في مجتمعنا ولو باستصدار تشريع قائم على اجتهاد صحيح يتضمن مساءلات وعقوبات صارمة للآباء والأمهات من أهل الاستهتار بما فيها الحرمان من حق التنشئة للأبناء والبنات! وذلك استنادًا على أمرين، أما أولهما: فعدم الأهلية إذ أنّ فاقد الشئ لا يعطيه! وأما ثانيهما: فالضرر المتأتي من ذلك على المجتمع لا في قيمه ومفاهيمه- وهي مهمة بلا ريب- وإنما في أمنه وسلامته نفسها. فأبناء وبنات مثل تلك الأسر، الأسر التي هي 'خارج الخدمة' كثيرًا ما تكون"قنابل"اجتماعية أخلاقية موقوتة. وقد صرنا نسمع عن أبناء وبنات أسر موسرة تنشئ عصابات أو تنضم إليها فتسرق السيارات أو تمارس النصب والتغرير والابتزاز والاستدراج من قبل"مافيا"منظمة. وهذه من الظواهر الدالة على حقيقة ما"بشرت"به الأستاذة الباحثة الاجتماعية عن انهيار السلطة الأبوية وعن مقدمات وطلائع نتائج التفاعلات الناشئة عن ذلك وعن نماذج عينية مجسدة لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت