وبادئ ذي بدء أنبه إلى ملاحظة ذات بال ينبغي استصحابها في فهم ما دار وجال في تلفازنا تلك الليلة. تلك الملاحظة تتصل بالفصام الحاد بين النخبة والمجتمع لا من حيث الترف ونعيم العيش الذي تميزت به وإنما بترف الفكر والهموم التي تتناوشها وتتبناها وتعيش بها ولها.
وإن نم ذلك عن شئ فهو انتفاء وجود نخبة مؤهلة لقيادة المجتمع في كل فصائله وبحكم هذه الأخدود الفاصل بين هموم المجموع واهتمامات النخبة بين أشواق العامة غير المتعدية للضروري من قوام الحياة مقارنة بأشواق النخبة المحصورة في تحقيق فردوسها الأرضي ومهما كان الثمن. بين ضنك العيش المصطليه السواد الأعظم من الناس والأجواء المخملية الحاجزة عن أي شعور بمعاناته والمنعزل بهمومه وأولوياته التي تعني مزيدًا من الترف والنعيم أو محافظة مستميتة على ما هي فيه على الأقل!!
لا أقول هذا استجاشة لعاطفة قطاع عريض من الناس أعلمه، ولا تسفيها لأحلام قطاع آخر أعرفه وأتبينه. وإنما هو انطباع محتوم تقضي حواسك السامعة المبصرة به على نفر من نسائنا- يمثل النخبة في مجموعها برجالها ونسائها- تغمرهن- ولو بعضًا- روح مخملي خلاب تعكسه نعومة زائدة عن الحد وفاخر باهر من الحلى والثياب. لا جرم أن تكون همومهن واهتماماتهن وقضاياهن وأوجاعهن غيرما يمت إلى المجموع بل الأمة بصلة. وهو ما يقوض حجة التمثيل لقطاعنا النسوي ويبددها تبديدًا ويعيدها إلى حقيقتها وحجمها كدعوى مرصوفة إلى جانب أشباهها من الدعاوى اللاتي تبنينها وبشرن بها من خلال تلك الحلقة.
وبعد هذه الملاحظة التي ألح على نفسي وعلى القارئ الكرم باستصحابها والاستئناس بها في فهم واستيعاب مغزى ما يبث من الأفكار عمومًا ومن غريبها الشاذ- بمعاييرنا- على وجه الخصوص. ينبغي أن نلج الآن مباشرة في التعقيب على قضايا ودعاوى تلك الحلقة.
المصطلحات وتضليلاتها:
أستاذن القارئ الكريم في وقفة متأملة عند مصطلح تم تداوله في تلك الحلقة وهو مصطلح: النظام الأبوي أو السلطة الأبوية وهذا المصطلح جزء من"أسرة"أو"عائلة"من المصطحات أعرف بها القارئ الكريم حتى يحسن ربطها ببعضها البعض ويجيد التعرف عليها ويكون على بصيرة بأفراد هذه العائلة من المصطلحات فلا تموه أو تشرد عنه طرفة عين حين يطل عليه واحد منها.
فكثيرًا ما تطرق مسامعنا وتبصر أعيننا من خلال الوسائط الإعلامية المختلفة مقولة"الجندر"وربما قالوا النوع. ومقولة"المساواة"و"محو التمييز"ضد المرأة. ومقولة"التسلط الذكوري"وبالطبع هذه المقولة القديمة"الجديدة"التي صكت أسماعنا ثالث أيام العيد وهي مقولة"النظام الأبوي"أو"السلطة الأبوية"والتي قد يقرأها القارئ أو يسمعها بصيغ أخرى مثل"القهر الأبوي"أو"التسلط الأبوي".
وكل هذه المقولات ينتهي نسبها إلى حركة"الفمنزم"Feminism. أو التمركز حو الأنثى أو النسوية المتطرفة. ولا ينبغي أن تشتبه علينا هذه الحركة بحركة تحرير المرأة الغربية. نعم، بَنَتْ حركة الفمنزم ولا ريب على البناء الذي أسسته حركة تحرير المرأةولكنها تجاوزت ذلك وانحرفت عنه انحرافًا مبينًا. فحركة تحرير المرأة الغربية حركة حقوقية في أساسها دعت إلى إنصاف المرأة العاملة وتحريرها من جرائر الرأسمالية البشعة وخاصة بعد الثورة الصناعية الأولى والثانية واللتان أدتا إلى انقلاب اجتماعي أدى إلى ظهور ما يمسى بالمجتمع الصناعي.
والذي حدث أنّ ذانك الثورتين الصناعيتين أبرزتا حاجة ملحة للأيدي العاملة بحيث لم يعد الرجال يسدون الحاجة المتصاعدة للعمل. فبدأ تشغيل النساء وتكاثف وخرجت النساء أفواجًا أفواجًا من بيوتهن استجابة لذلك الطلب. بل وتجاوزهن ذلك إلى طلب عمالة للأطفال على ما يقصه التاريخ الاجتماعي الأوروبي وخصوصًا البريطاني منه.
ولجهل النساء الغالب وقلة خبرتهن بالحياة في ذلك العصر. ولحاجتهن إلى المال من ناحية استغل رجال الصناعة ذلك أبشع الاستغلال لا من حيث البيئة اللا إنسانية غير الصحية التي عملت فيها النساء والأطفال فتلك مصيبة عمّت إخوانهن من الرجال أيضًا. وإنما أضيف إلى ذلك غبن آخر هو الحيف في الأجور والعطاء المقابل. فقد كانت المرأة تقوم بنفس العمل الذي يقوم به الرجل ولكن بأجر أقل بمقدار النصف أو الثلث أو الربع في أحسن الأحوال على ما كان يتقاضاه الرجل.
ومع انتشار محو الأمية ونمو الحركة التعليمية في الأوساط النسوية نما الوعي وبرزت أجيال جديدة من النساء تعرفت بوعيها المكتسب الجديد على الظلم الحائق بهن والذي حاق بأجيال سابقة لهن فبدأن بالمطالبة بتصحيح الأوضاع وإعطاء النساء حقوقهن. واستمرت تلك الحركة التي نمت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لتعرف في التاريخ الاجتماعي الغربي بحركة تحرير المرأة. وتطورت بالطبع مع تطور حركة مجتمعها فكلما تبين لها جانب من الحيف والظلم جديد طالبت بالتصحيح ووضع الأمور في نصابها الصحيح.
أما حركة الفمنزم أو التمحور حول الأنثى فشأنها مختلف عن تلك فهي قد قفزت فوق المطالبة بالحقوق- والتي تحققت وتمكنت تمامًا عبر تشريعات وقوانين حادة صارمة- إلى تأطير أيديولوجية يقوم بناؤها الأول على نزعة استقلالية مَرَضية للمرأة موغلة في البغض للرجال. سرعان ما تحورت إلى مقولات ودعاوى ترفض الاختلافات البيولوجية- وهي ليست بيولجية فقط- بين الجنسين كأساس لتقسيم العمل أو معاملة الأنثى. ونشأ لديها وفقًا لذلك مفهومًا يعتبر ذلك نوعًا من القوالب والأُطر"الذكورية"التي غدت"اجتماعية"بتبني المجتمع لها وفقًا لسيطرة الرجال عليه.
ثم نشأ جيل وتيار جديد قافز قفزًا عاليًا فوق ذلك متجاوزًا له بالدعوة لا لإعادة كتابة التاريخ فقط. وإنما لإعادة صياغة اللغة في كل ما يشتبه فيه ملمحًا من تمييز ضد المرأة- على معاييرهن المصكوكة لذلك التمييز- وتمادت وأوغلت فدعت لتصحيح الأديان بما يتوافق مع ذلك المنطلق وتلك المركزية المعرفية الجديدة- ومن هنا سماها العلامة المسيري بحركة التمركز حول الأنثى- وجدير بي التنبيه في هذا المقام أنّ هذه الحركة المريبة القوية الكاسحة قد أوحت إلى أو الزمت المسلمات أمورهن وعقولهن إليها من المسلمات- اسمًا- بالدعوة إلى إعادة تفسير الإسلام وصياغته من جديد وفقًا لهذه المنطلقات الفمنزية وبهذا فالشبهات الجديدة القديمة بالدعوة إلى المساواة وخصوصًا في الميراث- مثلًا- لن تجد تفسيرها الصحيح في فهم اجتزائي يقصد به إحداث البلبلة والالتباس في المقام الأول. وإنما تستطيع فهمها واستيعابها استيعابًا صحيحًا بقراءتك المتأنية لما يسمى باتفاقية سيداو {نفي كل أشكال التمييز ضد المرأة} .
قصدت من هذا الاسترسال غير الشافي توضيح الإطار الذي تستخدم فيه مثل هذه المصطلحات وفي المصطلح الأخطر منها علينا الذي تناولته تلك الحلقة التلفازية ثالث أيام العيد في التناول الناعم والمس الرقيق بالتقول على المؤسسة الأبوية أو النظام الأبوي إضرابًا عن مقولة التسلط الأبوي أو التسلط الذكوري مرحليًا أخذًا بالمتلقي أخذًا رفيقًا ناعمًا في الاستدراج.