فهرس الكتاب

الصفحة 2493 من 3028

بدأت بعض الدراسات والبحوث في قسم من الجامعات ومراكز البحوث العربية تضفي نوعًا من الشفافية والمصداقية على أهل الذمة من النصارى (النصارى الوطنيين حسب المصطلح التنويري الجديد!) الذين عاشوا في كنف الدولة الإسلامية أيام الحروب الصليبية وقبلها، وكيف أن النصارى بشتى طوائفهم من أرثوذكس وسريان ونساطرة وموارنة وأرمن تعرضوا مثلما تعرض المسلمون إلى ويلات الغزو الصليبي الغربي، وأنهم لم يساعدوا إخوانهم في العقيدة النصرانية الصليبيين الغربيين أتباع الكنيسة الكاثوليكية - بقدر ما وقفوا ضدهم خلال محاولتهم السيطرة على المشرق الإسلامي واسترجاع ما يعتقدون أنه القبر المقدس للمسيح - عليه السلام - من أيدي البرابرة المسلمين - حسب زعمهم - على أساس وجود خلافات عقائدية وتاريخية وقومية بين الجانبين، وأنهم - أي النصارى - تمتعوا في ظل الدولة الإسلامية بالحرية والعدالة أكثر مما تمتعوا بها خلال حكم إخوانهم في العقيدة الإمبراطورية البيزنطية التي أذاقتهم الويل والثبور لخروجهم على تعليمات الكنيسة الجامعة وأنهم أصبحوا مهرطقين (1) .

هذه الدراسات والبحوث في حقيقة الأمر كانت واقعة تحت التأثير التغريبي للدراسات التنصيرية الاستشراقية من جهة، وتحت الضغط السياسي والإعلامي للمد القومي العلماني الذي ساد الساحة العربية بعد منتصف القرن العشرين بقليل من جهة أخرى؛ مع مراعاة اعتبار أن أغلب رواد الفكر القومي العلماني والاشتراكي كانوا من النصارى:

(ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث) ، (أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري) ، (جورج حبش أحد مؤسسي حركة القوميين العرب) ، (نايف حواتمة زعيم الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين!) ، (قسطنطين زريق أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة الأمريكية ببيروت) وغيرهم كثير.

وبعد أن تبوَّأ بعض هؤلاء وتلامذتهم كراسي الأستاذية في كثير من الجامعات العربية بدؤوا عملية تغيير منظمة ومبرمجة في العلوم الاجتماعية عامة والتاريخية خاصةً، إضافة إلى أن وزارات الثقافة العربية والتعليم العالي في الدول ذات الأنظمة الاشتراكية الراديكالية قامت بالعملية نفسها ولكن على نطاق واسع لكي تواكب تغييراتُها المرحلةَ العربية الثورية! مرحلة الإنجازات القومية الاشتراكية التي أهدتها للجماهير العربية المغلوبة على أمرها والتي طالما صفقت لها كثيرًا، مثل نكسة الانفصال بين مصر وسوريا عام 1961م، ونكسة حزيران عام 1967م، وغيرها كثير!

واستنادًا إلى هذه المتغيرات تم إحلال مصطلحات بديلة لكي يتربى عليها النشء الجديد ابتداءًا من رياض الأطفال وانتهاءً بالدراسات العليا في الجامعات ومراكز الدراسات؛ حيث تم إلغاء مصطلحات: الجهاد، الحروب الصليبية، الفتح الإسلامي، الشريعة الإسلامية، أهل الذمة، الجزية..، وحلت محلها مصطلحات: الصراع العربي الفرنجي، تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، تحرير الأرض العربية، نشر قيم السماء، النصارى الوطنيين، الضرائب (2) .

وعلى أي حال فإن الجامعات الأمريكية ومراكز الدراسات الأوروبية لا زالت تستعمل مصطلحات الحروب الصليبية والجهاد المقدس! ومما يؤسف له أن هذه المصطلحات التنويرية العصرانية! لا زالت تستعمل في كثير من أروقة الجامعات الأوروبية حتى اليوم بالرغم من اعتراف دهاقنة الفكر القومي والماركسي بإخفاق مشروعهم الثوري الاشتراكي على جميع الأصعدة: السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والتربوية.

فالصراع في واقع الأمر لم يكن بين العرب والفرنجة بقدر ما كان صراعًا بين القوى النصرانية بشقيها: الغربي، والشرقي من جرمان ولاتين ونورمان وإغريق وسلاف، إضافة إلى مساعدة النصارى من أهل الذمة لهم بشتى فرقهم، وبين القوى الإسلامية: من تركمان، وسلاجقة، وكرد، وعرب، وفرس.

واستنادًا إلى مجريات الصراع الإسلامي ـ النصراني في زمن الحروب الصليبية التي استغرقت قرنين من الزمان يستطيع الباحث أن يؤكد أن أغلب قادة حركة الجهاد الإسلامي ضد الحملات الصليبية كانوا من المسلمين غير العرب أمثال: عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود (تركمان) ، صلاح الدين الأيوبي (كردي) ، بيبرس البندقداري، الناصر قلاوون، الأشرف خليل (مماليك) .

وكانت مجلة البيان قد نشرت في عددها 138 في يونيو (حزيران) 1999م مقالًا تحت عنوان: (صراع بين كنيستين.. الخلفية الدينية لضرب الصرب) ، وبالرغم من أهمية المقال في هذه الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية وشعب كوسوفا يتعرض إلى أكبر عملية إبادة دينية وعرقية تحت سمع وبصر العالم الأوروبي المتحضر! إلا أنه لا يخلو من معلومات جانبت الصواب في عدة مواضع:

أولًا: في الصفحة 77 جاء ما يلي:"وخلال الفتح الإسلامي كانت القرى الأرثوذكسية تنضم إلى الجيوش الإسلامية نكاية بالكاثوليك الذين أذاقوا الأرثوذكس ويلات العذاب..." (3) والصحيح أنه أثناء عمليات الفتح الإسلامي لبلاد الشام كانت القوى السريانية (اليعقوبية) المنوفستيين تُبدي فرحها بهزيمة الدولة البيزنطية صاحبة المذهب الملكاني (مذهب الملك) أو مذهب الطبقيين، ولم يكن مصطلح الأرثوذكسية - الذي يعني الطريق المستقيم - قد شاع آنذاك وإنما ظهر إلى الوجود في أعقاب الانفصال الكبير بين الكنيستين: الغربية التي سميت بالكاثوليكية - أي الأغلبية - والشرقية التي سميت بالكنيسة اليونانية أو كنيسة الروم الأرثوذكس؛ لذا كان أنصار الكنيسة السريانية والقبطية يُعتَبرون هراطقة من وجهة نظر الكنيسة الرومانية التي أطلق عليها العرب المسلمون تسمية الكنيسة الملَكية نسبةً إلى ملك القسطنطينية.

ثانيًا: جاء في الصفحة نفسها:"بينما تم فتح مصر بسلاسة عجيبة؛ لأن أقباط مصر كانوا واقعين تحت ظلم الكاثوليك حتى أعلنت كنيسة مصر انفصالها عن كنيسة روما" (4) والصحيح أن المصريين أو الأقباط كانوا واقعين تحت ظلم الدولة البيزنطية وليس الكاثوليك، والكنيسة المصرية أعلنت انفصالها عن كنيسة القسطنطينية وكنيسة روما في آنٍ واحدٍ؛ حيث جاء في كتاب تاريخ الأمة القبطية ما نصه:"ولما طرق مسامع المصريين ما لحق ببطرِيَرْكِهم"ديسقورس"من الحرمان والعزل هاجوا وغضبوا، واتفقوا على عدم الاعتراف بقرار المجمع الذي أصدر هذا الحكم، وأعلنوا رضاهم ببقاء بطريركهم رئيسًا عليهم، ولو أنه محروم مشجوب، وأن إيمانه ومعتقده هو عين إيمانهم ومعتقدهم، ولو خالفه فيها جميع حكام القسطنطينية وبطاركة رومية" (5) .

ثالثًا: جاء في الصفحة نفسها:"ولما جمعت أوروبا الغربية (ذات الجمهور الكاثوليكي) قواها لغزو الأرض الإسلامية فيما يعرف بالحروب الصليبية لم تساندها الكنيسة الشرقية، وتكرر الغزو دون أثر للأرثوذكس؛ لأن الكنيستين كل واحدة منهما تكفِّر الأخرى" (6) ، والصحيح أن الكنيسة الشرقية كانت مشرفة على الكنائس التي تضمها الإمبراطورية البيزنطية التي عاصمتها القسطنطينية، وكان للدولة البيزنطية القِدْح المعلَّى في دعم الصليبيين ماديًا ومعنويًا؛ بل يستطيع الباحث القول دون موارية: إن استنجاد البيزنطيين بالعالم الأوروبي - خوفًا من الخطر السلجوقي بعد معركة (ملاذ كرد) الفاصلة التي خسروها وأسر امبراطورهم رومانوس الرابع - كان السبب الحقيقي للدعوة التي قام بها البابا أدريان الثاني عام 1095م للقيام بحرب صليبية لإنقاذ الأماكن المقدسة النصرانية - كما زعموا - من أيدي البرابرة المسلمين! (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت