فهرس الكتاب

الصفحة 936 من 3028

وهكذا فإن البنية الأساسية لوعي العقائديات والحتميات لدى سائر التيارات الفكرية والسياسية العربية والإسلامية كانت واحدة، وظلت كذلك حتى مطالع التسعينيات من القرن العشرين. أما الصراعات بينها فهي صراعات على ساحة السلطة أو السلطات، وعلى المواقع في دولهم ومجتمعاتهم، وليس نتيجة الاختلاف في رؤية العالم. فقد كانوا جميعا يناضلون من أجل الانفصال عن العالم بعد إذ عجزوا عن الوصول إلى حالة من الرضا عن مواقعهم فيه.

لقد رأى الإحيائيون الإسلاميون دائما (ربما باستثناء مالك بن نبي الذي كان يملك على أي حال تصورا استقلاليا آخر) أن الترتيبات العالمية التي تبدو على درجة كبيرة من الانقسام، ليست منقسمة في الحقيقة، بل هي موحدة في مواجهتهم. أما القوميون واليساريون فقد وضعوا أنفسهم في صف أحد الانقسامين لفترة قصيرة، ثم ما لبثوا أن تحولوا باتجاه النضال الشامل مثل الإسلاميين من أجل"تحقيق الذات"التي لم تجد هويتها إلا في التمايز (مركز دراسات الوحدة مثلًا وتصوراته للمشروع الحضاري، وللتنمية المستقلة، في الثمانينيات) .

رؤية العالم والمشهد الإسلامي

...وبدأ المشهد يتغير ويختلط في مطالع التسعينيات: انهار الاتحاد السوفيتي، ونشبت حرب الخليج الثانية، وازدادت علائق المسلمين بالعالم سوءًا بحيث ظهرت مقولة هنتنغتون حول صراعات الحضارات، وحول التخوم الدموية للإسلام. ثم توالى ظهور المشروعات الإستراتيجية ذات الأبعاد الثقافية: حوار الحضارات، والنظام العالمي الجديد، وثقافة السلام، والتعددية الثقافية والسياسية... والعولمة 6. وقد اعتبر الإسلاميون والقوميون والبقية الباقية من اليسار ذلك كله لغير صالحهم؛ وخاصة تلك الهيمنة الأمريكية الطاغية في الإستراتيجية والأمن والقيم السياسية والثقافية. لكنهم بعكس ما فعلوه حتى الثمانينيات أقبلوا على مناقشة الأمور كلها، وإعادة النظر في المسلمات، وطرح الأسئلة على أنفسهم وعلى العالم.

لقد انفجرت الحتميات في أحضان كل التيارات، وبدءوا يغادرون ساحَ المعارك الأيديولوجية؛ ولذلك انعزلت القلة المتشددة من دعاة الحتميات القديمة أو الجديدة. وتضم تلك القلة راديكاليي الليبراليين الجدد، وراديكاليي الإسلاميين. يصر الليبراليون الجدد على أدلجة ظواهر العولمة، كما يصر خصومهم من راديكاليي الإسلاميين على الطهورية والانفصال. وبين هذا الطرف وذاك تنفتح البيئات الفكرية والثقافية والأدبية على آفاق شاسعة من التغيير تشكل مخاضا ضخما حافلًا بشتى الاحتمالات والإمكانيات. وشأن المخاض العربي والإسلامي في ذلك شأن كل مخاض تختلط فيه وجوه وخطرات وخطوات التقدم والتراجع والتردد والتشبث والقلق.

لكن فيما عدا تلك القلة المطمئنة من الراديكاليين؛ فإن الظاهر هو الإقبال الشديد على التغيير والتجدد والتجديد. فقد أقبل الإسلاميون منذ السبعينيات على إصدار الدساتير والإعلانات الإسلامية لنظام الدولة، ولحقوق الإنسان، وحقوق المرأة والطفل. وصارت تلك الإعلانات في التسعينيات شأنا عربيا وإسلاميا عاما7.

صحيح أن تلك البيانات والإعلانات تحفل بالشروط والتحفظات والملاحظات على الإعلانات العالمية، لكنها من ضمن وعي الهوية السائد تعتبر مراجعة نقدية لوعي القطيعة السابق، كما أنها تطلع غلاب للمشاركة في قيم العالم والعصر، وفي جدول أعماله أو أولويات اهتماماته. وعاد الإسلاميون للحديث في (مقاصد الشريعة) 8 في حين كانوا قد غادروا هذا المبحث أو هذا المنحى منذ عشرينيات القرن العشرين. ويعني ذلك طموحًا لإعادة النظر في مكونات المستوى الأول من مستويي"رؤية العالم"، مستوى معنى الوجود والرسالة.

صحيح أن الإسلاميين تحدثوا في الستينيات من القرن العشرين عن الإسلام باعتباره البديل الديني والحضاري؛ لكنهم كانوا يريدون وقتها إعادة فرضه في عالم الإسلام، وليس في العالم. أما اليوم فإن الإسلاميين البارزين الذين يتحدثون عن"مقاصد الشريعة"إنما يريدون من وراء ذلك الدخول في منافسة مشروعة من ضمن القيم العالمية الكبرى. والإسلاميون الذين أزعجتهم صورة هنتنغتون السلبية عن الإسلام، وهي الصورة التي تغذيها وسائل الإعلام العالمية كل يوم، ما عادوا للتحصن وراء أطروحات الهوية المتعملقة، بل عالجوا -وإن بنقدية مشروعة على أي حال- قضايا حوار الحضارات والثقافات على قاعدة التقابس والتجاور والتعددية والنسبية؛ آخذين حوار المسيحية والإسلام للمرة الأولى مأخذ الجد والتفهم. أما العاملون في إطار (إسلامية المعرفة) فإنهم يخرجون تدريجيا من الاشتراط على النفس والعالم، معتبرين الإشكالية المعرفية إشكالية إنسانية ينبغي التفريق فيها بين الحيادية والموضوعية9.

هل تغيرت رؤية العالم لدى الإسلاميين؟

هل يعني ذلك كله تغييرًا في رؤية العالم لدى الإسلاميين؟

الإجابة على هذا السؤال الكبير تتطلب عدة أمور: الأمر الأول أن ما نشهده منذ عقد من الزمان إنما هو مخاض هائل في مجالنا الثقافي، وفي العالم. ولذلك فإنه لا يملك ملامح محددة أو نهائية، وربما لن يحدث ذلك في المدى المنظور؛ بل ربما ما كان ذلك مطلوبا. والأمر الثاني أن الرؤية السائدة للعالم لدى الإسلاميين كانت تتمحور حول الهوية. أما الأمر الثالث، وهو مطلب الطهورية؛ فما يزال ظاهرًا، وإن لم يكن سائدًا. والأمر الرابع الملحوظ هو الانزعاج القوي لدى الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين، والقوميين، واليساريين، من الترتيبات على المستوى العالمي. وهي ترتيبات تحول في وعي هؤلاء جميعًا دون الانفتاح المرغوب على عالم تهيمن فيه وعليه قوىً غاشمة10.

إن الأمر الذي لا يمكن تجاهله أن وعي الهوية لا يزال قويا. وهو وعي يؤدي مباشرة إلى مشاعر وإحساسات الطهورية والتمايز والانفصال التي تقول بالغزو الثقافي وبالتجدد الذاتي.

وهاتان مقولتان غير تواصليتين كما أنهما تفرضان عقائدية معينة في مجال الفكر ومجال الثقافة نتيجة لذلك الوعي. فليس في الثقافات ولا بينها غزو أو استتباع، كما أن التجدد لا يمكن أن يكون ذاتيا. فالذات المتجددة هي الذات المنفتحة التي تُصنَع وتتشكل باستمرار في حوارية مع الآخر.

والوعي لا ينتظم ويتواصل ويتجدد نتيجة حوارية داخلية بين نصوصه ومقدساته ورموزه وتاريخه، بل يتسق وينتظم عندما يتجه الخارج المتنوع والمتكاثر لمحاورة ذلك الوعي المزود بتلك العناصر، أي بالثقافة. قال ابن تيمية في كتابه:"الرد على المنطقيين"مناقضا بذلك أرسطو: إن الحاضر والموجود والعيني هو الجزئي وليس الكلي11. فليس صحيحا ما قاله أرسطو من أن الماهية سابقة على الوجود. وليس صحيحا استطرادًا أن تعريف الشيء فرع عن تصوره. وليس دقيقا أنني أفكر فأكون ثم تكون أنت. بل إنني والآخر متحاذيان ومتحايثان يُنتج أحدنا صنوه في الوقت نفسه. وتكون المفارقة عندما يتجه الآخر للتحقق من دونك فلا تكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت