فهرس الكتاب

الصفحة 892 من 3028

لقد كان الغرب يملك تقدما"ً علميًا فائقًا، وتقدمًا ماديًا هائلًا، وعبقرية تنظيمية مبدعة، وروحًا من الجلد والصبر على العمل والإنتاج، وروحًا عملية في مواجهة المشكلات من ناحية الدراسة أو من ناحية التنفيذ."

ولا شك أن التقدم العلمي المذهل للغرب، كان قويًا دفاقًا، له من القوة والانتشار والاستيلاء، ما بهر العقول، وفتن الألباب، ولا غرو فقد بز بذلك كل تقدم علمي عرفه العالم، وسمعت عنه البشرية في التاريخ المترامي الأطراف، واستطاع أن يخرج من الأسرار، ويكشف من الاختراعات، ما جعل أبصار الناس وعقولهم تتعلق به، وخاصة أن هذا العلم أصبح في خدمة الإنسان، في كثير من مناحيه، فاتجهت الأنظار، والعقول، والقلوب إلى الغرب، تتطلع إلى ما فيه من اكتشافات تأتي بجديد.

لقد واجه العالم الإسلامي مشكلة تقدم الغرب العلمي، وجهًا لوجه، وهذا التحدي السافر على طريق واحد. وهو صاحب الحضارة العريقة، والرسالة الدينية الخاتمة، وصاحب الشهادة على البشرية، بعد ما انسحبت كل الديانات والمذاهب القديمة، متوارية من نوره الوهاج، وحجته المشرقة، وصاحب الرقعة الواسعة، والثقافة المنتشرة، والقوة الكبرى التي كان يحسب لها ألف حساب. فكان تحدي الحضارة المادية للعالم الإسلامي، أعظم من تحديها لأي أمة، ولأي حضارة، ولأي ثقافة، وقد صاحب تلك الحضارة مذاهب فكرية، وفلسفات مادية، ونظم سياسية، واقتصادية، وعمرانية، واجتماعية، وخلقية، وكان لا بد أن ينظر الناس - وخاصة الشعوب المتخلفة إلى هذه المذاهب، والفلسفات، والنظم نظرة تقدير واحترام، لأنها نتاج تلك الشعوب المتقدمة، وحصاد تلك الأمم المتطورة التي فتتت الذرة، وصنعت الطائرة والصاروخ، وأدارت الأقمار وغزت الفضاء، لتراقب سلوكيات الإنسانية كلها 0 وخاصة تحركات المجتمعات الإسلامية 0 ولتكتشف من الفضاء الواسع، ما يزيدها من العلم تمكينًا وأصبحت المجتمعات الإسلامية تمجد الحضارة الأوروبية، والتقدم العلمي والصناعي، واستطاع الغرب أن ينقل الإنتاج المادي إلى المجتمعات الإسلامية، في أفريقيا، وفي آسيا، لاستخدام هذا الإنتاج في تيسير الحياة، والتغلب على الصعوبات والمشاق التي تصحب عادة الحياة الإنسانية المتخلفة، أو البدائية، وذلك ليكون شواهد مادية، ترى وتختبر في التطبيق وفي واقع الحياة.

رابعًا: الضعف الفكري، والتفكك الاجتماعي:

لقد أصيب المجتمع الإسلامي بالضعف الفكري، والتفكك الاجتماعي ، وذاق من جراء تلك الإصابة مرارة التأخر، والضعف الفكري، ما أصيبت به أمة من الأمم، أو مجتمع من المجتمعات، إلا كانت الحالة، انحطاطًا في التفكير، واهتمامًا بالخرافات والأساطير.

والتفكك الاجتماعي نتيجة حتمية للضعف الفكري، لأن الضعف الفكري لا يكشف للإنسان مخاطر الانزلاق في الهاوية، ولهذا نجد أن المجتمعات الإسلامية، ابتليت بالطوائف المتعددة والمتناحرة، والمذهبية التعصبية، وتعدد السلطنات والدويلات، التي قامت على أساس شعوبي أو مذهبي، في هذا المجتمع أو ذاك.

وهكذا كله جر المجتمع الإسلامي إلى فوضى قاتلة، وتناحر حقيقي، ونهب وقتل، دون رادع أو وازع. . ومجتمعًا كهذا لا بد وأن يتعرض لسيطرة المتربصين به. لقد كانت السلطة السياسية في المجتمعات الإسلامية تعيش في وضع مقلوب، (وفي ذلك الوضع لا بد أن تكتمل الصورة المقيتة لأي إمبراطورية على وشك السقوط، بغض النظر عن اللافتة التي ترفعها، سواء كانت إمبراطورية فارسية، أو بيزنطية، أو رومانية، أو عباسية. لابد أن تتفشى الرشوة، وتكثر مصادرة الأموال، وتتفاقم الاضطرابات الداخلية، مع الانحلال الخلقي، والانشغال بالتوافه عن الخطر الذي يدق الأبواب) .

وأساس انهيار الأمم، يبدأ من الداخل، وقد يأتي تدخل خارجي ليعجل بالسقوط. ولكن يظل الانهيار الداخلي هو بداية النهاية وعاملها الأكبر، ويأتي الانهيار الداخلي حين تتكون طبقة مترفة تتحكم في الثروة، وفي الجماهير، فتنشر الظلم، والانحلال، وتحيل حياة الأكثرية إلى جحيم تهون فيه الحياة).

لا شك أن الأمة الإسلامية عاشت فترات من حياتها، كانت سببًا في تأخرها وغفلتها، وطمع الطامعين في مجتمعاتها.

وأي أمة تضعف في أفكارها، ولا تعرف إلا القشور من أمرها، وتعيش في تناحر وتمزق، لا بد وأن تسقط، وينال منها من كان يهابها.

خامسًا: تخلف الشعوب الإسلامية عن ركب الحضارة:

إن المجتمعات الإسلامية، حين أصابها الضعف الفكري، والتفكك الاجتماعي، انشغلت بالتافه من الأمور، فقادتها التفاهة إلى التخلف عن ركب العلم، والتقدم، والحضارة. . ومعنى هذا، أن المجتمعات الإسلامية ، انصرفت عن تعاليم الإسلام ، التي تدعو إلى العلم، والمعرفة، واستعمال العقل، والفكر في كل ما من شأنه أن يأخذ بالناس إلى الطريق السليم، (وواكب هذا الانصراف انحطاط في القيم و دعوات إلى الركون إلى المتع، والعبث بالأموال، إلى حد السفه والجنون، والترف والفجور، حتى كان قواد هذا الركب في كل ناد، وكل صحيفة، مع جهل ضارب، ونفاق ناشب أظفاره، وفساد في كل مجتمع وناد، وتصارع على كل تافه وخسيس من المادة، وخراب للذمم، وبيع للشرف، وكره للقيم، وضياع للحق، وهضم للحقوق، وذبح للفضيلة) .

وكان وضع البلاد الإسلامية، كما صوره شاعر تركيا الإسلامي الكبير محمد عاكف:(يسألني الناس أنك كنت في الشرق مدة طويلة. فما الذي شهدت يا ترى، وما عسى أن يكون جوابي ؟ إنني أقول لهم: إنني رأيت الشرق من أقصاه، فما رأيت إلا قرى مقفرة، وشعوبًا لا راعي لها، وجسورًا متهدمة، وأنهارًا معطلة، وشوارع موحشة، رأيت وجوها هزيلة متجعدة، وظهورا منحنية، ورؤوسًا فارغة، وقلوبًا جامدة، وعقولًا منحرفة.

رأيت الظلم، والعبودية، والبؤس، والشقاء، والرياء، والفواحش المنكرة المكروهة، والأمراض الفاشية الكثيرة، والغابات المحرقة، والمواقد المنطفئة الباردة، والحقول السبخة القاحلة، والصور المقززة، والأيادي المعطلة، والأرجل المشلولة. .

رأيت أئمة لا تابع لهم، ورأيت أخًا يعادي أخاه، ورأيت نهارًا لا غاية له، ولا هدف، ورأيت ليالي حالكة طويلة، لا يعقبها صباح مسفر، ونهار مشرق).

هذا التخلف أضعف الثقة بالنفس، وأوقف عجلة التقدم والانطلاق في الشعوب الإسلامية، وجعلها تعتمد في كل شيء على غيرها، إن التخلف العقلي لا يكمن في عدم الذهاب إلى الجامعات، واكتساب المعارف فقط، بقدر ما يكمن في التبلد، والخمول، والنوم، والرضاء بالدون، وموت الهمة..

ومن المؤكد أن الأمة التي تفضل أو ترضى بالتواكل، والاستجداء، والكسل، والتبعية، أمة لا تستحق الحياة الكريمة، والحياة الحرة الكريمة لا تتأتى لأمة دون ثمن، والثمن هو التضحية، ولا يتأتى لأمة أن تشق طريقها في الحياة، وأن تستعيد وجودها وكرامتها، وتعيد صنع حياتها، دون أن تحاول جاهدة أن تبني نفسها بناءًا يتفق مع الاعتداد بالذات.

وقد يكون من المسلمات البدهية: أن فقر الأمة في جوهره وجذوره ليس فقرًا في السلاح والمعدات، أو فقرا في المال والإمكانات، وإنما يكمن في فقر النفوس وعجزها، وضعف الإرادة واضطرابها. .

فالتخلف عن ركب التقدم والحضارة، يعود بالمجتمعات الإسلامية إلى الانحطاط، ويقودها طواعية إلى الهلاك، كما تقاد الشاه إلى حتفها بظلفها، ولذا كان هذا التخلف عاملًا من عوامل الغزو الفكري، الذي اجتاح البلاد والعباد. .

سادسًا: الفراغ العقدي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت