فهرس الكتاب

الصفحة 891 من 3028

ويقول في هذا المعنى (لورانس براون) : (إن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الغربي) ثم بين (لورانس براون) (أن خطر المسلمين هو الخطر العالمي الوحيد في هذا العصر، الذي يجب أن تجتمع له القوى، ويُجَيَّشُ له الجيوش، وتلتفت إليه الأنظار، فيقول حاكيًا آراء المبشرين:(إن القضية الإسلامية تختلف عن القضية اليهودية، إن المسلمين يختلفون عن اليهود في دينهم، إنه دين دعوة، إن الإسلام ينتشر بين النصارى أنفسهم، وبين غير النصارى، ثم إن المسلمين كان لهم كفاح طويل في أوروبا - كما يراه المبشرون - وهو أن المسلمين لم يكونوا يوما ما أقلية موطوءة بالأقدام) . . ثم يقول: (إننا من أجل ذلك نرى المبشرين، ينصرون اليهود على المسلمين في فلسطين، لقد كنا نُخَوَّف من قبل بالخطر اليهودي، والخطر الأصفر(باليابان وتزعمها على الصين) وبالخطر البلشفي، إلا أن هذا التخويف كله لم يتفق (لم نجده ولم يتحقق) كما تخيلناه، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر، فإن هناك دولًا ديمقراطية كبيرة، تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام).

ولقد اشترك الاستعمار الغربي، والجهد التبشيري، والحقد الصليبي، في حرب المسلمين، وتشتيت تراثهم، ونهب ديارهم، بحيث أصبح يخيم عليهم كسحابة سوداء، من البغضاء الكراهية، يتمثل هذا فيما حدث في عام 1918م عندما دخل اللورد (اللنبي) القدس، وأعلن: (الآن انتهت الحروب الصليبية) كان هذا القائد يعبر عن الروح الأوروبية، الروح الصليبية، التي ظلت متوهجة في أعماقهم طوال تلك الحقب، وبنفس الحقد الذي صدر عن الجنرال الإنجليزي (اللنبي) ، كان مسلك الجنرال الفرنسي (غورو) قائد الجيش الفرنسي في دمشق حين ذهب إلى قبر صلاح الدين، بعد أن جاء راكبًا سيارة مكشوفة، وترجل إلى القبر، وقال قولته المشهورة: (نحن هنا يا صلاح الدين) وفي اليوم التالي عمل الشيء نفسه في حمص، حيث ذهب إلى قبر (خالد بن الوليد) - رضي الله عنه - وقال: (نحن هنا يا خالد) .

هذا الحقد، والضغن، والمقت، كان سببا قويًا، في الإغارة على المسلمين، بشتى الأساليب، والطرق والأشكال، والألوان، وما زالت تلك الموجة، تعلو، وتشتد، وتمتد، ثقافيًا وفكريًا، لتخريب قواعد الإسلام، والأخلاق الإسلامية، وإشاعة الأفكار والتيارات الهدامة، وشغل الأمة الإسلامية، بكل ما هو هامشي في حياتها، حتى لا تدرك اليقظة الواعية، ولا تنتبه إلى ما يحاك حولها.

لقد وجد الغربيون أن خير طريق لغزو العالم الإسلامي وإخضاعه، هو سلوك الغزو الفكري، فوضعوا الخطط، وحاكوا المؤامرات للغارة على الأفكار والمفاهيم الإسلامية، وعلى كل ما له صلة بالإسلام، حضارة وثقافة، وصارت قاعدتهم التي ارتكزوا عليها: (إذا أرهبك عدوك فأفسد فكره ينتحربه، ومن ثم تستعبده) وانطلقت الصيحة إلى ضرورة نقل المعركة من ساحة الحرب إلى ميدان الفكر والمعرفة. فأغاروا على حضارة الإسلام وثقافته سعيًا وراء هدم عقائده وأفكاره، ونشر الأفكار الغربية بديلًا عنها.

ولا شك أن الغزو الفكري أعمق أثرًا، وأشد فتكًا في حياة الأمة من الغزو المسلح، لأنه يتسلل إلى عقولها وقلوب أبنائها، ذلك أن الأمم تقاس بمقوماتها العقدية، والفكرية، وقيمها الخلقية.

فالغزو الفكري الأخلاقي أخطر من الغزو المادي المسلح، لأنه يمضي بين الناس، في صمت ونعومة وخفاء في الأهداف، مما يجعل الناس تدريجيًا يتقبلون كل جديد، ولو خالف قيمهم وعقائدهم وأفكارهم دون معارضة، ويتقبلون الذوبان في بوتقة أعدائهم، وهم ينظرون ولا يشعرون. .

وإذا كان العداء الصليبي للإسلام والمسلمين سببًا رئيسًا دفع بالغرب إلى (الغزو الفكري) للمجتمعات الإسلامية فإن هناك أسبابًا أخرى - غير العداء الصليبي - ساعدت على انتشار (الغزو الفكري) وعملت على هزيمة المسلمين أمام هذا الغزو. ونجد ذلك واضحًا في السبب الثاني. .

ثانيًا: الاستعمار الغربي للمجتمعات الإسلامية:

لقد تعرض المجتمع الإسلامي في آسيا، وأفريقيا، للطابع الأيديولوجي، للمجتمع الأوروبي، سواء الحديث منه في القرن التاسع عشر، أو المعاصر في القرن العشرين، ولم تكن للمجتمع الإسلامي مناعة كافية في رفض هذا الطابع وتحديه، وعدم تقبله.

فتعرض للغزو الأوروبي، من أجل الصناعة الغربية، منذ أثمر عهد النهضة الأوروبية ثمرته في التحرر والخلاص، من سلطة الكنيسة، وفي استرداد الإنسان الأوروبي حرية الحركة في التجارة، وفي شؤون المال على العموم، وحرية التفكير والتوجيه السياسي.

وكان الوضع في البداية قبل الاستعمار تربصًا من جانب المجتمع الأوروبي بالمجتمعات الإسلامية ، وانقضاضًا عليها من جانب، بينما كان استسلامًا من أي مجتمع إسلامي، تعرض للتربص والانقضاض، وقبولا للوصاية الأجنبية والاستغلال الأوروبي من جانب آخر.

ومما هو مسجل في صفاحت التاريخ: أن المجتمع الإسلامي وقع فريسة للاستعمار، فقد احتلت بريطانيا: الهند في سنة 1859م ومناطق الخليج الإسلامي، وجنوب شبه الجزيرة العربية في سنة 1849م، ومصر في سنة 1882م، والسودان في سنة 1898م.

واحتلت إيطاليا: طرابلس الغرب في سنة 1911م.

واحتلت هولندا: جزر الأرخبيل الإندونيسية تباعًا منذ عام 1903م.

وروسيا احتلت القرم قبل القرن التاسع عشر في سنة 1873م، وسيطرت بإشرافها على المجتمعات الإسلامية في وسط آسيا، وهي: أذربيجان، وكازاخستان، وأوزبيكستان، ونوركيستان، وكزيخستان. . سيطرة تامة في القرن التاسع عشر، ولم يسلم من الاحتلال الأوروبي سوى: اليمن ، والحجاز، وإيران، ووسط تركيا.

ولا يخفى أن وقوع المجتمعات الإسلامية تحت سيطرة الاستعمار زاد من اتساع السوق الاستهلاكية لمنتجات الغرب الصناعية، وهذا أدى إلى تفوق الصناعة الغربية. وكلما قوى المجتمع الأوروبي وتفوق صناعيًا، كلما زادت رقعة استعماره في قارة إفريقيا وقارة آسيا. .

وكلما زادت قبضة أوروبا على ما تم استعماره، وكلما اتسع نفوذها السياسي والاستغلالي، كلما زاد ضعف المجتمع الإسلامي، الذي وقع تحت سلطة الاستعمار، وزادت تبعيته وتقبله لما يأتي من الغرب.

و يوم أن تحرك المجتمع الأوروبي لاستعمار المجتمعات الإسلامية، كان في قمة مجده، بما أنجزه من الفصل بين الكنيسة والدولة، واستقلاله بالسلطة الزمنية، وبالحرية الفردية، في التفكير، والتوجيه، وبالحرية السياسية، كما كان في أشد الأوضاع حرصًا على اتجاه (العلمانية) كمثال للإنسانية. .

استصحب الاستعمار معه هذا الاتجاه، بما يستتبعه في الحكم، والتوجيه، والتشريع، والاقتصاد، في المجتمع الإسلامي الذي يتمكن منه.

وباستصحاب الاستعمار اتجاه العلمانية، ومحاولة تطبيق هذا الاتجاه، في المجتمع الإسلامي، وهو مجتمع يغاير في خصائصه، وتاريخه، وواقعه. . المجتمع الأوروبي، اضطر هذا الاستعمار إلى أن يسلك طريقًا يمكنه من هذا التطبيق، وهو عزل المجتمع الإسلامي كلية عن ماضيه، وعن تراثه العقلي، والروحي، والتوجهي، والسلوكي. .

فإذا ما تم عزله، أصبحت قيادته ميسرة، وطيعة للمستعمر، وبالأخص للأجيال التي تنشأ في ظل هذه العزلة.

ثالثًا: تقدم الغرب العلمي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت