والباحثون يدركون أن أوروبا اكتشفت الفكر الإسلامي، في مرحلتين من مراحل تاريخها: فكانت مرحلة القرون الوسطى، قبل وبعد (توماس إلاكويني) تريد اكتشاف هذا الفكر، وترجمته. . من أجل إثراء ثقافتها. بالطريقة التي أتاحت لها فعلًا تلك الخطوات، التي هدتها إلى حركة النهضة، منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وفي المرحلة العصرية والاستعمارية، فإنها تكتشف الفكر الإسلامي مرة أخرى، لا من أجل تعديل ثقافي، بل من أجل تعديل سياسي، لوضع خططها السياسية، مطابقة لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية من ناحية أخرى، ولتسيير هذه الأوضاع طبق ما تقتضيه السياسات في البلاد الإسلامية.
ويذكر المؤرخون أن الجيوش الأوروبية الصليبية لما هاجمت بلاد الإسلام كانت مدفوعة إلى ذلك بدافعين:
الدافع الأول: دافع الدين، والعصبية العمياء، التي أثارها رجال الكنيسة، في شعوب أوروبا، مفترين على المسلمين أبشع الافتراءات، محرضين النصارى أشد تحريض على تخليص مهد المسيح من أيدي الكفار -أي المسلمين- فكانت جمهرة المقاتلين، من جيوش الصليبيين، من هؤلاء الذين أخرجتهم العصبية الدينية، من ديارهم عن حسن نية، وقوة عقيدة، إلى حيث يلاقون الموت، والقتل، والتشريد، حملة بعد حملة، وجيشًا بعد جيش.
والدافع الثاني: دافع سياسي استعماري، فلقد سمع ملوك أوروبا بما تتمتع به بلاد المسلمين من حضارة، وثروات، فجاءوا يقودون جيوشهم باسم المسيح، وما في نفوسهم إلا الرغبة في الاستعمار والفتح، وشاء الله أن ترتد الحملات الصليبية كلها مدحورة مهزومة.
ويكاد يكون معروفًا، أن أوروبا شنت ثمان حملات صليبية على الشرق الإسلامي، وقد بدأت الحروب الصليبية منذ منتصف القرن الحادي عشر، واستمرت حتى نهاية القرن الثالث عشر، أي ما يقرب من مائتين وخمسة وعشرين عامًا في ثماني حملات من الحملات المدججة بالعدد والمعدات، ويصف كاهن مدينة (لوبوي ريموند واجيل) سلوك الصليبيين حينما دخلوا على القدس، فيقول: (حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقطعت رؤوس بعضهم، فكان أقل ما أصابهم، وبقرت بطون بعضهم ، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوه) .
وروى الكاهن نفسه خبر ذبح عشرة آلاف مسلم في مسجد عمر - رضي الله عنه - ويقول في هذا: (لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، فكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح، كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها. فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها. وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة، لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمنشفة.
ويذكر التاريخ أن الحملة الصليبية عند دخولها بيت المقدس في 15 مايو 1099م قد ذبحت أكثر من سبعين ألف مسلم، حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء، وفي إنطاكية، قتلوا أكثر من مائة ألف مسلم.
فالأمر خطير، إنه حقد الشر على الحق، والرذيلة على الفضيلة، وعداوة الشرك للتوحيد، وخصومة الضلال للهدي.
وقد صمدت الأمة الإسلامية في وجه هذه الحروب الوحشية التي سلبت، ونهبت، وقتلت وفتكت.
وبعد مضي أكثر من قرنين من حروب دامية، اشتد وطيسها، بين كتائب الإيمان، وبين جحافل الشر ، ارتدت الحروب الصليبية، وقد باءت هذه الحملات بالإخفاق والهزيمة، فالقديس (لويس التاسع) قائد الحملة الصليبية الثامنة، وملك فرنسا، وقع أسيرًا في مدينة (المنصورة) في مصر. ثم خلص من الأسر بفدية، ولما عاد إلى فرنسا، أيقن أن قوة الحديد والنار لا تجدي نفعًا مع المسلمين الذين يملكون عقيدة راسخة، تدفعهم إلى الجهاد، وتحضهم على التضحية بالنفس، وبكل غال.
إذن: لابد من تغيير المنهج والسبيل، فكانت توصياته: أن يهتم أتباعه بتغيير فكر المسلمين، والتشكيك في عقيدتهم وشريعتهم، وذلك بعد دراستهم للإسلام لهذا الغرض، وهكذا تحولت المعركة من ميدان الحديد والنار إلى ميدان الفكر، لأن القضاء على الإسلام أو تحويل المسلمين عن دينهم، لا يمكن أن يأتي عن طريق القوة المادية، والغزو المسلح.
ولقد بدأت حركة (الغزو الفكري) من منطلق ضرب المسلمين عن طريق الكلمة، بعد هزيمة الحروب الصليبية - كما وجههم (لويس التاسع) - والعمل على ترجمة القرآن، والسنة، وعلوم المسلمين، للبحث عن الثغرات التى يدخلون منها إلى إثارة الشبهات، وقد أعلنوا صراحة أن الإسلام هو عدوهم الأول، وأن أكبر غاية لهم هي ضرب وهدم قواعده) لقد فشلت الحروب الصليبية من الوجهة الحربية. . لكن بقي (الغزو الفكري) ينفث سمومه، ويثير الشكوك، وبقيت النزعة الصليبية تتوارى خلف ستار من الديبلوماسية، والرياء السياسي، تحرك ما تريد تحريكه، وتقف خلف الغزو الفكري، بكل ما لها من قوة، وعلم..
ولا شك أن العداء الصليبي للإسلام ، هو الدافع الأساس والأصيل (للغزو الفكري) الذي تسلط على مجتمعات الأمة الإسلامية ، ونجد أن هذا العداء أخذ (شكل السعار الوبائي) لدى الأمم الغربية (الصليبية) فأخذوا مستميتين يوزعون السموم، ذات اليمين، وذات الشمال، ويفترون الأكاذيب، ويطمسون الحقائق، ويدبرون المكائد، ويتصيدون السقطات، ثم يدخلون في روع أنفسهم، وبني جلدتهم أنهم أرقى عنصرًا، وأفضل عقلًا، وأفلح دينًا، وأنهم أوصياء على البشرية، وسادة الإنسانية، وهداتها، ومرشدوها).
وقال (وليم غيفورد لغراف) الإنجليزي المسمى بالحرباء: الكلمة المشهورة التي يلخص فيها عداء الغربيين للإسلام: (متى توارى القرآن، ومدينة مكة، عن بلاد العرب، يمكننا أن نرى العربي، يندرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه) .
وجلاد ستون رئيس وزراء بريطانيا يقول: (ما دام القرآن موجودًا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) .
ويرى غاردنر: (أن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا) .
ويوضح هذا العداء، ويذكر بعض أسبابه المستشرق (بيكر) ، فيقول: (إن هناك عداءًا من النصرانية للإسلام، بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى، أقام سدًا منيعًا في وجه الاستعمار، وانتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها) .