فهرس الكتاب

الصفحة 889 من 3028

وكذلك الحال إذا نحن تأملنا الحضارة الغربية، منذ اليونان، وحتى نهضتها الحديثة.. والحضارة الإسلامية منذ تبلورها كثمرة لاندماج هذه المواريث القديمة للشعوب التي دخلت الإسلام -بعد الإحياء لهذه المواريث- كثمرة لاندماج هذه المواريث في الفكر الإسلامي، الذي استصفاها وطورها وفقًا لمعاييره. حيث لم يكن المسلمون مجرد نقلة، ولكن إضافاتهم للأصول التي نقلوا عنها، تشهد بأنهم زادوا، وابتكروا، لأنهم كانوا ينظرون بعين إلى الثقافة اليونانية، وبالعين الأخرى إلى التعاليم الإسلامية.

على أن الذي ينبغي أن نقف عنده: (أن التصور الذي يرى العالم وطنًا واحدًا لا غزو لفكر فيه، تصور يقوم على انتصار الحضارة الغربية المتغلبة، التي تعمل على مسخ الحضارات العريقة) .

إذن: لابد من التصور، الذي يقوم على أن الفكر إذا نظرنا إليه، على المستوى العالمي الإنساني، وجدنا في هذا الفكر: (ما هو مشترك إنساني عام) لا يختص بحضارة بذاتها، وفي هذا الفكر أيضًا ما يتميز بالخصوصية والاختصاص.

والتميز في الفكر، بين ما هو مشترك إنساني، وبين ما هو خصوصية حضارية، إنما تحكمه وتحدده معايير موضوعية.

فكل العلوم التي موضوعها الطبيعة وظواهرها، والمادة وخصائصها، هي من قبيل الفكر، الذي هو مشترك إنساني عام، وذلك لأن مناهجها تتميز بالحياد العلمي، ولأن التجربة الملموسة بالحواس المادية، هي السبيل لاكتشاف حقائق هذه العلوم، تلك الحقائق التي هي بنت الدليل، والتي لا تختلف باختلاف مذاهب، وعقائد، وأجناس، وفلسفات المكتشفين. ومن ثم فهي لا تتغاير بتغاير القوميات، والحضارات، بل هي واحدة على المستوى الإنساني، كما أن موضوعاتها - المادة وظواهرها - واحدة هي الأخرى، لا تختلف ولا تتغاير باختلاف، وتغاير الحضارات. فعلوم مثل الرياضيات بفروعها، ومثل الكيمياء، والطبيعة، والطب، والجيولوجيا، لم ولن تختلف مناهجها وحقائقها، و قوانينها باختلاف الحضارات. . قد تتمايز وظائف استخدام قوانينها ونظرياتها ومكتشفاتها. لكن حقائق علومها، أي (فكرها العلمي) سيظل واحدًا مهما اختلفت المذاهب، والعقائد، والحضارات.

والعقل البشري استطاع بما اكتسب من خبرة، ودربة، و مرانة، أن يصنف هذه العلوم، وأن يحكم ما بينها من وشائج، وأن يستفيد بما بينها من صلاة، وروابط.

والنتائج العلمية متصل بعضها ببعض. ويعتمد بعضها على بعض. ولهذا كانت الحضارات الإنسانية، ليست ملكا لأمة بعينها. ولا هي وقف على جماعة من الناس، لأنها صرح هائل قد أسهمت فيه كل أمة بنصيب.

ويلحق بهذه المنظومة من حقائق العلوم الطبيعية الخاصة بدراسة المادة وظواهرها وأسرارها، على نحو ما، وإلى حد كبير العديد من ثمرات التجارب الإنسانية في الوسائل، والنظم، والمؤسسات، والخبرات التي ترشد أداء الإنسان، وهو يسعى إلى تحقيق المقاصد والغايات.

فعلى الرغم من تمايز المقاصد والغيات والمثل، فإن تجارب الإنسانية في الوسائل، والنظم، والمؤسسات، قد تكون صالحة في أحيان كثيرة للاقتباس، وللتمثل، والاستلهام.

هذا عن العلوم الطبيعية، والتجارب المادية، التي تمثل حقائقها وخبراتها فكرًا عالميًا، هو من صميم (المشترك الإنساني) .

أما الشق الآخر من الفكر، الذي يدخل في صميم الخصوصية الحضارية، التي تتمايز بتمايز الحضارات، فهو ذلك الذي ينطلق من العقائد والمذاهب والفلسفات.

فكما تميزت علوم (المادة) الثابتة بالعالمية، فغدت حقائقها، وقوانينها (مشتركًا إنسانيًا عامًا) تميزت، وتتميز علوم العقائد، والمذاهب، والفلسفات، بالخصوصية الحضارية، التي تجعلها وثيقة الصلة بطبائع الأمم، ومعتقدات الشعوب، وطرائقها في الحياة.

لقد وضح لنا: أن هناك (غزو فكري) مقصود، يعمل لإذابة الشعوب، وانسلاخها عن عقائدها، ومذاهبها، وحضاراتها، لتصبح مسخًا شائهًا تابعًا لغيره، يؤمر فيطيع. . ولقد عمل هذا الغزو على تضليل المجتمعات الإنسانية، وخداعها، والتمويه عليها، وقلب الحقائق، وتشويه الحقيقة، عن طريق تصنيع الكلمة، وزخرفة القول، والدخول إلى المخاطب، من نقطة الضعف، والاستغفال لإغرائه، والإيقاع به، والإيحاء إليه بسلامة الفكرة، وصحة المفهوم المزيف الذي تحمله كلمات الغزو.

ولكم تهاوت أمم وشعوب وأجيال، وتساقطت في هاوية الضلال والانحراف، والفساد الخلقي، والعقدي، والاجتماعي، بسبب تصورات (الغزو) المزخرفة الخداعة، التي يرقص السذج، والجهال على نغم إيقاعها، ويفتنون بسماعها وأناقة ظاهرها.

ولكم عانى الإنسان والشعوب من أولئك الذين يصنعون (الغزو الفكري) ، ويصدرونه في موجات، تقتحم الديار والبيوت، لقد قيدت الإنسانية إلى هاوية الضلال، والانحراف. ولقد كان (للغزو الفكري) في كل جيل، وفي كل عصر دوره التخريبي، في حياة الناس، إلا أن البشرية لم تشهد في مرحلة من مراحل حياته وضعا كان فيه (للغزو الفكري) خبراء، ومتفلسفون، وأجهزة، ومؤسسات، كعصرنا الحاضر هذا، الذي اتخذ فيه (الغزو الفكري) صبغة الفلسفة، والنظرية، والمبدأ، الذي يعتنقه الأتباع، ويدافعون عنه، وينقادون له. .

و قضية الغزو الفكري، أصبحت اليوم، من أشد القضايا خطرًا، وتبدو ظواهر هذا الغزو المدمر، في قلوب وعقول كثير من المثقفين، في هذا العصر واضحة بينة، والسلاح الذي يستعمله (الغزو الفكري) مدمر قتّال، يؤثر في الأمم والمجتمعات، أكثر مما يؤثر المدفع والصاروخ والطائرة، وقد ينزل إلى الميدان، ويعظم خطره، حين تخفق وسائل الحديد والنار، في تحقيق الهدف، والوصول إلى الغاية، والخطر الذي يحتجنه هذا الغزو أكثر بكثير من قتل الأفراد، بل من قتل جيل بأسره. إذ يتعدى ذلك إلى قتل أجيال متعاقبة، والسلاح الذي يستعمله هذا الغزو هو سلاح الحيلة والشبهات وتحريف الكلم، والخديعة، في العرض.

ومما لا ينكر: أنه لم يواجه دين من الأديان، ولا عقيدة من العقائد، مثل ما واجه الإسلام من تحديات، فقد واجه الإسلام منذ فجر تاريخه، تحديات عنيدة من مخالفيه، فقد واجه المشركين في مكة، واليهود في المدينة، ثم لما فتحت الأمصار، وانتشر الإسلام فيها واجهت الثقافة الإسلامية أفكارًا شعوبية إلحادية، وفلسفات وثنية، كالفلسفات الفارسية، واليونانية والهندية، وغيرها. ولكن الإسلام ثبت أمام هذه التحديات، وانتصر عليها. فقد كان المجتمع الإسلامي آنذاك يعي الإسلام وعيًا كاملًا، ويدرك أخطار الأفكار والاتجاهات التي كان يطرحها الفلاسفة والزنادقة، وما تحمله من شبهات، وهي في جملتها تعمل على نقل الفكر، من مجال أصالة الفطرة، ومنطق العقل الصحيح، وطريق التوحيد، وطابع الإيمان، إلى مجال الإلحاد والإباحية. غير أن المجتمع تصدى لهم، وأخذ يكشف زيفهم، ويبين ما انطوت عليه قلوبهم من كيد، ولم تستطع أن تنال من الإسلام عبر العصور.

على أن من أخطر هذه التحديات هي تلك التي تواجهها المجتمعات الإسلامية اليوم، وهي تحديات تتمثل بالمواجهة السافرة حينًا، والمستترة أحيانًا، هذا التحدي الذي يتمثل حالياًّ بالغزو الفكري الغربي.

أولًا: العداء الصليبي للإسلام والمسلمين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت