ولكن ليس معنى عدم وجود المصطلح، أو عدم استخدام المصطلح، قبل القرن الرابع عشر الهجري، إن معنى الغزو الفكري، ومفهومه، وموضوعه، لم يكن موجودًا، لأن المستقرئ لأحوال الأمم والشعوب، يجد أن مفهوم الغزو الفكري، كان موجودًا في القديم، وفي الحديث. .
وكلمة: (الغزو) في اللغة العربية تعطي معنى: القصد، والطلب، والسير إلى قتال الأعداء، في ديارهم، وانتهابهم، وقهرهم، والتغلب عليهم.
ومصطلح الغزو الفكري، قصد به: (إغارة الأعداء على أمة من الأمم، بأسلحة معينة، وأساليب مختلفة، لتدمير قواها الداخلية، وعزائمها ومقوماتها. و انتهاب كل ما تملك) .
والفرق بين (الغزو الفكري) ، و (الغزو العسكري) : أن الغزو العسكري يأتي للقهر وتحقيق أهداف استعمارية، دون رغبة الشعوب المستعمرة، أما الغزو الفكري فهو لتصفية العقول، والأفهام، لتكون تابعة للغازي.
وقد يكون الغزو الفكري أشد وأقسى، لأن الأمة المهزومة فكريا، تسير إلى غازيها، عن طواعية، وإلى جزارها عن رضا، واقتناع، وحب، لا تحاول التمرد أو الخلاص.
وبهذا يظهر ما بين المصطلح واللغة من صلة، حيث إن كلمة الغزو استعملت في معناها، وهي الإغارة على أمة من الأمم للاعتداء عليها، وانتهابها، ولكن عن طريق الفكر وتدمير القوى المفكرة فيها، وهذا ما لفتت إليه كلمة: الفكر، التي تطابق معناها في العربية، معناها في المصطلح. .
ويمكن أن يقال أيضًا: إن المصطلح استعار كلمة (الغزو) للفكر، لما بينها وبين الغزو في الحرب من علاقة، في نهب الشعوب، وتدميرها، والسيطرة عليها.
ويمكن أن يقال أيضًا: إن مصطلح (الغزو) مجاز على التشبيه بالحرب الفعلية، في التدمير، والتخريب، والانتهاب، والسيطرة على الشعوب. . ولهذا شاع استعمال هذا المصطلح، وأضرابه من المصطلحات، التي تدل على هذا المعنى، وتسير في فلكه. .
ومما يسترعى الانتباه، أن بعض العلماء والباحثين: ينكرون، ويستنكرون وجود (الغزو الفكري) . معتبرين الحديث عنه مجرد (وهم) من الأوهام.
هؤلاء العلماء إنما ينطلقون من تصورهم لعالم اليوم، باعتباره، رغم الحدود الدولية السياسية، والحواجز الجغرافية وبسبب من التقدم الهائل في ثمرات (ثورة الاتصال) ينطلقون من تصورهم لعالم اليوم باعتباره (وطنًا واحدًا) لحضارة واحدة، يسمونها: (حضارة العصر) أو (الحضارة العالمية) أو (الحضارة الإنسانية) ويتصورون الأمم ، والشعوب، والقوميات، مجرد درجات ومستويات في البناء الواحد، لهذه الحضارة الواحدة.
ومن ثم فليس في هذا التصور حدود -لها حرمة الحدود-تميز (أوطانًا) متعددة، لحضارات متميزة. . ولهذا فإن عبور الفكر -كل الفكر- للحدود ليس فيه عندهم شبهة (غزو) ولا أثر (عدوان) .
وهذا التصور يُروَّجُ له بشتى الأساليب، فثمة دعوة إلى (فكر عالمي) وهناك دعوة إلى أن الحضارة الحديثة (حضارة عالمية) وهناك دعوة إلى (ثقافة عالمية) .
فحركة (البهائية) التي نشأت سنة 1260هـ 1844م تحت رعاية الاستعمار الروسي، واليهودية العالمية، والاستعمار الإنجليزي، تزعم أنها جاءت بدين عالمي جمع: البوذية، والبرهمية، والزرادشتية، المانوية، والمزدكية، والفرق الباطنية، واليهودية، والنصرانية، والدهرية. وهذه الدعوة تجد رواجًا.
وهناك علماء ومفكرون، ينكرون أن يكون عالم اليوم، وطنًا حضاريًا واحدًا . لحضارة عالمية واحدة. . وهؤلاء العلماء يَدْعُون إلى ضرورة احترام (الحدود الحضارية) . . لأن العالم في تصورهم: هو أقرب ما يكون إلى (منتدى عالمي لحضارات متميزة) تشترك أممها في عضوية هذا المنتدى، ومن ثم فإن بينها ما هو (مشترك حضاري عام) . . وأيضا، فإن هذه الأمم تتمايز حضاريًا. . الأمر الذي ينفي الوحدة الحضارية، ويستدعي الحفاظ على (الهويات) الحضارية المتميزة. . لا لمجرد، الحفاظ عليها - رغم أهميته - إنما لأسباب وطنية، وقومية، وعقدية، تلعب دورها في إنهاض أمم كثيرة، من كبوتها وتراجعها، لما لهذه الخصوصيات، من قدرات على شحن شعوب هذه الأمم، بالكبرياء المشروع، والطاقات المحركة، في معركة الإبداع. . ولما للتعددية من دور في إثراء مصادر العطاء العالمي).
وهؤلاء العلماء الذين ينكرون أن يكون عالم اليوم وطنًا حضارياَ واحدًا، لحضارة عالمية واحدة، يذهبون إلى أن التعددية الحضارية، تكشف وتعري، روح الهيمنة، والعدوان، والاستعلاء، التي تخفيها الحضارة المتغلبة، على عالمنا المعاصر. وهي الحضارة الغربية، تحت ستار: (وحدانيتها. . و عالميتها. . وإنسانيتها) .
كما أن هذه التعددية تقوم بدور فعال، في إذكاء روح المقاومة، عند الأمم المستضعفة حضاريًا، ضد السمات والقسمات التي مثلت وتمثل (مأزق الحضارة الغربية) الذي يمسك اليوم بخناق إنسانها، وذلك حتى لا تعم مأساته كل بني الإنسان؟.
هؤلاء العلماء يعترفون بوجود (الغزو الفكري) وينبهون على مخاطره التي تعددت و تكاد تحيط بالمجتمعات الإسلامية.
هؤلاء العلماء: يرفضون دعوى (الوطن الحضاري الواحد لعالمنا المعاصر) ودعوى (الحضارة العالمية الواحدة) لهذا الوطن الواحد، ويقدمون بديلًا لها: دعوى أن عالمنا هو أقرب ما يكون إلى منتدى عالمي لحضارات متميزة) وأن الأمم المستضعفة حضاريًا، لا بد لها من النضال الحضاري، ضد نزعة التفرد، والهيمنة، التي تمارسها الحضارة الغربية المتغلبة - بالاستعمار القديم والجديد- على غيرها من الحضارات. . فالتعددية لا الواحدية، هي الحقيقة الممثلة للواقع الحضاري، في الواقع الذي نعيش عليه. ومن ثم فإن هناك حالات لتعدي (الحدود الحضارية) . تمثل (غزوًا فكريًا) لا شك فيه.
وهذا التصور يؤيده واقع حياة الشعوب، فالذين يعايشون حياة الشعوب، والأمم ذات الحضارات الغنية، والتاريخ القديم، والتراث العريق، . . أو يغوصون في تراث هذه الأمم وفلسفتها، ومذاهبها، وتقاليدها، وأعرافها. . يدركون أن عالمنا به -حقًا- أمم متعددة، تتميز كل منها بشخصيتها القومية والحضارية المتميزة.
وإننا إذا نظرنا في مذاهب هذه الأمم وأعرافها، وفي معايير الحلال والحرام، والمشروع والممنوع لدى أبنائها، وفي موازين الأذواق والحاسة الجمالية، وفي تصوراتها لمكان الإنسان من الكون، وتصوراتها لمصيره بعد الموت، وتصوراتها الفلسفية لهذا الكون، وما وراء المادة والطبيعة.. إذا نحن نظرنا إلى مذاهب هذه الأمم، في هذه القضايا الأمهات، أدركنا السمات التي تمايز بينها - جنبًا إلى جنب - مع سمات تشترك فيها، فتجمع بينها.
ولا يخفى أن الباحث الذي يسبر أغوار المواريث الفكرية لهذه الأمم، ويتتبع خيوط هذا التمايز الحضاري، إلى حيث تضرب بجذورها في أعمق أعماق التاريخ. . حيث كان البابليون، والآشورويون، والفينيقيون، والمصريون، وغيرهم ممن أسهموا في الفكر الإنساني، كان لهم تمايز حضاري.
ولعل نظرة فاحصة، إلى أمم مثل: الصين.. والهند.. واليابان، ستفضي بالباحث إلى الاجتماع على حقيقة تميز الشخصيات القومية، والمواريث الحضارية، وطرائق العيش، والفلسفة، والحياة، وفي النظرة للكون وتصوره، لدى شعوب وأمم هذه الحضارات..