فهرس الكتاب

الصفحة 2099 من 3028

قضية العولمة قضية من أعقد قضايا العصر؛ فهذا المفهوم ظهر في الحقبة الأخيرة، وحاول أنصاره أن يروِّجوا لفكرة أن العالم أصبح قرية واحدة، بينما رأى غيرهم أنه في سبيله لأن يصبح تلك القرية، ورأى فريق ثالث أنه لن يصبح كذلك أبدًا، كما كثر الجدل حول حيادية هذه الفكرة ومصداقيتها.

وتحريًا للموضوعية علينا أن نبحث في المضمون حتى يمكننا استخلاص صياغة تقربنا من فهم العولمة.

هذا المصطلح ظهر من خلال الأطر الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية التي تعكس تجربة العالم الغربي التاريخية والحضارية واتجاهاتها المستقبلية. وإذا كنا سنتناول هذه القضية من شقها الاقتصادي ـ كما هي طبيعة الندوة ـ فإني لا أزعم أن الشق الاقتصادي هو أهم الجوانب، وإنما بمنظورنا الإسلامي يجب أن يلحق البعد الاقتصادي دائمًا بأبعاده العقدية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

وحتى لا نسهب أكثر يمكن أن نستخلص مفهومًا اقتصاديًا للعولمة من خلال كتابات أنصار العولمة في الفكر الغربي؛ حيث تعني: «تحرر العلاقات الاقتصادية القائمة بين الدول من السياسات والمؤسسات القومية والاتفاقات المنظمة لها بخضوعها التلقائي لقوى جديدة أفرزتها التطورات التقنية والاقتصادية تعيد تشكيلها وتنظيمها وتنشيطها بشكل طبيعي على مستوى العالم بأكمله وجعلها وحدة واحدة» .

ومن ثم فإن اقتصاديات بلدان العالم ستصبح بلا سياسات قومية، وإنما تخضع لنظام عالمي مسيَّر بقوانين طبيعية حتمية بما يحقق مصالح الجميع، وهذا هو ما يفهمونه أو ربما يريدونه في العالم الغربي الذي يقود قاطرة الحضارة في عصرنا الحاضر.

د . رفعت العوضي:

الدكتور عبد الرحمن حاول أن يقدم صياغة قريبة لمفهوم العولمة، ولكنها من حيث إنها مفهوم أو مصطلح ـ حتى في الغرب ـ ما زال يشوبه قدر كبير من الغموض .. هذا الغموض ربما ينتج من أن العولمة ما زالت في طور التشكُّل؛ حيث تقابل الصياغة الفلسفية بمشاكل تطبيقية ضخمة وغير متوقعة، وأرى أن من المهم هنا أن أربط بين العولمة باعتبارها فكرة وبين الرأسمالية باعتبارها نظرية؛ لأن العولمة تعني إخضاع العالم كله لطور من أطوار هذه الرأسمالية التي مرت بثلاث مراحل يمكن التمييز بينها:

المرحلة الأولى: رأسمالية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين: في هذه المرحلة كانت الرأسمالية تتسم بسمتين بارزتين:

الأولى: اعتمادها على استنزاف موارد الدول الأخرى من خلال الاستعمار.

والثانية: تغييبها العدالة الاجتماعية. وانعكس ذلك من خلال تركُّز الملكية في شريحة داخل المجتمع، ومن تغييب الاهتمام بإعادة توزيع الدخل، وجعل علم الاقتصاد يدور محوريًا حول التوازن.

المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد قيام الثورة الشيوعية عام 1917م وحتى سقوطها عام 1990م: وفي هذه المرحلة أخذت الرأسمالية في تهذيب أنيابها لتحافظ على وجودها في مواجهة المد الاشتراكي. في هذه المرحلة أعادت (الكينزية) دورًا للدول، كما طرح الاهتمام بقضية الفقر وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه المرحلة شهدت حركة الاستقلال بعد نضال قاس ومرير من الدول التي كانت محتلة.

المرحلة الثالثة: ما بعد 1990م حيث انفردت الرأسمالية بالسيطرة على العالم، وعادت إلى نهب موارد العالم الثالث من جديد؛ ولكن النهب هذه المرة لم يكن باستعمار مباشر وإن كان واردًا، وإنما من خلال منظومة فكرية ومؤسسات دولية، وهنا غاب البعد الاجتماعي بصورة أبشع. وتسويقًا للفكرة صدرت عدة كتب في الغرب ككتاب «نهاية التاريخ» لفوكوياما الذي حاول أن يوصل للعالم أن الإنسان في كل تجاربه التي مرَّ بها من حيث النظم التي ابتدعها وأخضع نفسه لها قد انتهى إلى نظام واحد هو النظام الليبرالي سياسيًا ـ الرأسمالي اقتصاديًا، ولعله حاول أن يقنن لواقع كان يصنع.

أ. يوسف كمال:

العولمة كغيرها من القضايا لا بد من أن أناقشها من زاوية كوني مسلمًا له رؤيته المستقلة ومنهجيته في تناول الأمور، وله عالمه الخاص بمنأى عن أي انتماء آخر سواء كان عالمًا ثالثًا أو غير ذلك، حتى وإن كانت هناك اتفاقات جوهرية. لهذا يروق لي جدًا أن نبدأ مناقشة العولمة من كتاب «صراع الحضارات» لهنتنجتون؛ لأن مؤلفه حدد بصراحة أن ما يواجه الغرب المسيحي إنما هو الإسلام.

والمتفحص للأحداث العالمية يجد أنهم لا يُحكمون الحصار إلا على العالم الإسلامي، ولذا نبدأ المسألة من كونها حربًا عقدية في الدرجة الأولى، وهنا نفهم القرآن ونستطيع أن نفهم حركة التاريخ فهمًا جيدًا فاعلًا.

في هذا الكتاب يشير مؤلفه إلى طبيعة المواجهة المقبلة؛ حيث يقول: إن عصر الحروب القومية انتهى، والعالم مقبل على حروب حضارات، وهو لا يعني بالحضارات مجرد الثقافات، وإنما يعني الأديان التي تشكل الحضارات، ويحصرها في ثلاث: الحضارة الإسلامية، والحضارة الغربية المسيحية، والحضارة الصينية الكنفوشيوسية، ثم يؤكد ويؤكد أن المواجهة الرئيسة ستكون مع الإسلام.

د . عبد الحميد الغزالي:

العولمة ليست مصطلحًا، وإنما اكتسبت هذا الانتشار وهذه الشهرة؛ لأن الغرب وأمريكا يحاولون أن يجدوا إطارًا لتنفيذ سياساتهم على العالم بعد انتهاء نظام القطبين، بعد أن أصبح العالم يسير وفق نظام دولي أحادي القطبية، ومن ثم فهي محاولة نقل ما هو محلي إلى بقية دول العالم، ليس في الاقتصاد وحده وإنما في السياسة والاجتماع والثقافة، وكأي ظاهرة يتعين أن ندرسها بموضوعية وبهدوء وبعمق، ولهذا أرى أن كتاب نهاية التاريخ وصراع الحضارات كلاهما مكمل للآخر. فالأول يبشر بسيادة النموذج الغربي، وبالذات في بُعده الأمريكي، والثاني يحذر من الحضارات الأخرى، ويقترح تآمريًا «الآخر» الجديد، بعد انهيار «الآخر» القديم، وهو الاتحاد السوفييتي السابق؛ وذلك بالتركيز على الحضارات الشرقية، وبالذات الإسلام.

وفي الحقيقة فإن صانعي العولمة لم يعنوا بعولمتهم نهاية التاريخ فحسب وإنما جعلوها خمس نهايات:

النهاية الأولى: نهاية التاريخ التي تعني سيطرة النموذج الرأسمالي على العالم بعد انتهاء الشيوعية.

والنهاية الثانية: نهاية الجغرافيا: وهو أمر مهم جدًا؛ لأن نهاية الجغرفيا تنقلني مباشرة إلى الشركات العملاقة التي تجاوزت الحدود الجغرافية والتي تعادل ميزانية إحداها ميزانية العالم الإسلامي بأسره!

والنهاية الثالثة: نهاية الدولة: وهذا يتم من خلال استخدام الشرعية الدولية للتدخل في شؤون الدول الأخرى وضرب السيادة الوطنية من قبل الناتو.

ثم النهاية الرابعة: ـ وهي أبشع ـ وهي نهاية الهوية: ومن ثم القضاء على الخصوصية بالنسبة للشعوب.

أما خامس النهايات: فهي نهاية الأيديولوجية «الدين» : وإحلال آلهة المادة ويقولون ـ أستغفر الله ـ بموت الإله !

هذه النهايات الخمس تشكل الأساس المذهبي للعولمة، ومن ثَمَّ لنا أن نتصور كيف تكون العولمة المطروحة والتي تقابلها عولميتنا أو عالمية الإسلام، ومن ثَمَّ فهي تستخدمها لذاتها.. ولمصالحها، بينما قامت عالميتنا لصالح البشرية جمعاء، نورًا وهدى للعالمين.

د . عبد الرحمن يسري:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت