كي تكتمل الصورة ـ وباعتبار العولمة هي بدعة غربية جديدة ـ علينا أن نفرق بين العولمة «Globalizaion» وبين التدويل «internationalism» ، فالعولمة كما ذكر الدكتور عبد الحميد الغزالي تتجه إلى إلغاء كل السلطات الشرعية الوطنية وعلى رأسها سلطة الدولة التي عرفت في النظام السابق على العولمة وما زالت قائمة. وأود هنا أن أقول: إن النظام العالمي القائم على تشابك سلطات الدول المختلفة واتفاقها على إجراءات «مستقلة» من قِبَل كل دولة قد بلغ شأوه في حقبة التسعينيات. وهذه هي ظاهرة التدويل. لقد نمت ظاهرة التدويل وشهدت تصاعدًا بعد الحرب الأوربية العالمية الثانية؛ فقامت مؤسسات مختلفة ذات طابع دولي: الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وصندوق النقد، والبنك الدولي، واتفاقية الجات. هذه المؤسسات هيأت للعولمة ابتداءًا، ثم هي الآن في طور تعديل برامجها وأهدافها ومواثيقها لتتماشى مع العولمة.
د . رفعت العوضي:
لا بد أن نبين أن العولمة ارتبطت بالفكر الأمريكي؛ لأن الولايات المتحدة هي التي تقود المدنية الغربية اليوم من خلال ذراعها القوي الذي يرهب العالم باسم الشرعية الدولية وسيطرتها على حلف الناتو، ومن خلال قيادتها لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى استطاعت أن تفرض سياستها الاقتصادية على العالم، إضافة إلى فرض معاييرها وقيمها من خلال المنظمات الدولية ونفيرها الإعلامي، ومن خلال اتفاقية التجارة العالمية كذلك التي حولتها إلى منظمة ملزِمَةٍ ولها سلطتُها على الجميع. ونذكر في هذا الصدد أن مصطلح النظام العالمي الجديد استخدمه لأول مرة (جورج بوش) الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1991م بعد حرب الكويت ـ العراق.
البيان: هذا يذكرنا بكلمة لأحد الكتاب: «إن الدولة التي لا تتصهين سياسيًا ولا تتعولم اقتصاديًا يكون مصيرها الحل العسكري» فالخيارات واضحة ومحددة ومعلومة للجميع، والأمثلة على ذلك معروفة تكاد تنحصر في عالمنا الإسلامي! لكن هنا يجدر سؤال حول السرعة التي تسير بها العولمة وتنتشر وتتطور، لو قورنت بأي نظرية سابقة حتى قال عنها أصحابها: «ستدرككم العولمة ولو كنتم في بروج مشيدة!» مشبهًا إياها بالموت الذي يتجاوز كل الحصون، ومع أن العبارة تحمل نوعًا من المبالغة وربما الحرب النفسية، إلا أن الجميع يعترف بعموم بلواها مع أننا موقنون من هشاشتها بنسبة كبيرة ولذا لا بد من معرفة السر الذي ربما لم يعد سرًا.
د . عبد الرحمن يسري:
السر وراء هذه المقولات التي شاعت أخيرًا هو أن العولمة تمتلك قوى غير عادية لم تتوفر لأي مشروع من قبل، وأهم هذه القوى تتمثل في الأمور الآتية:
ـ حرية الاستثمار في أي مكان في العالم، وهذه الحرية اقترنت بحرية تحرك رأس المال الخاص دون قيود على مستوى العالم.
ـ حرية إقامة الصناعة في أنسب الأماكن لها في العالم بغض النظر عن الجنسية أو السياسة القومية لأي دولة.
ـ عالمية الاتصالات التي تعتمد على التقنيات المتطورة والأقمار الصناعية التي سهلت عملية انتشار الفروع وإمكانية إدارتها من أي مكان في العالم.
-عالمية المعلومات التي ترتبت على تطور تقنيات الكمبيوتر ووسائل الاتصال، وتوفر شبكات معلومات عالمية تخدم صناع القرار في كل المجالات.
-توحد النمط الاستهلاكي عالميًا، وإطلاق حرية المستهلك في اختيار مصدر شرائه؛ بحيث استطاعت العولمة أن تدخل أسواقًا جديدة وتنافس عليها دون عقبات.
هذه القوى أتاحت للعولمة الانتشار والسيطرة في ظل تهميش السلطات الوطنية؛ فحرية الاستثمار تعتمد على حرية رأس المال، وكلاهما يفتح الطريق أمام حرية إقامة الصناعات في أنسب مكان في العالم هذا المكان يتم انتقاؤه بعناية من خلال التراكم المعلوماتي وتقنيات الاتصال العالمية والتي من خلالها أيضًا يستطيع المستهلك العالمي التعرف على كل الخيارات.
أ. يوسف كمال:
تستخدم العولمة شعارين للسيطرة على العالم: شعار التحرير، وشعار التجديد؛ وشعار التحرير معناه فتح الأسواق دون قيود أمام حركة التجارة الخارجية.
ولتقوم الشركات الدولية بعمليات إغراق وتكتل واندماج يمكنها امتلاك السوق المحلية كليًا، ومن ثم القضاء على الصناعات المحلية في أي لحظة تريدها، وتدفقت رؤوس الأموال قصيرة الأجل لصناديق الاستثمار الدولية التي تملكها الشركات الاحتكارية ذات النشأة الدولية كما حدث في ماليزيا؛ حيث قام (سوروس) بلعبته وانهارت العملة، واتجهت العولمة بشراء المؤسسات هناك بثمن بخس تحت مسمى الإصلاحات، متسترة بستار التحرير، ولكن (محاضر محمد) عاد إلى لون من التقييد في سعر العملة وحركة رؤوس الأموال؛ ليحافظ على البقية الباقية من الاقتصاد المنهار ورفض معونة صندوق النقد وشروطه التي تربط سياسات الإصلاح ببرامج تدمر الاقتصاد لخدمة العولمة؛ ولهذا شددوا الحملة عليه.
وبهذا حين نسحب رؤوس الأموال قصيرة الأجل تعاني البنوك من قلة السيولة، ثم تعاني المؤسسات وراءها، ثم تنخفض أسعار العملة وتهوي وراءها أسعار الأسهم.
وهذه العولمة التمويلية تجذب معها إلى الهاوية القطاعات الحقيقية لإنتاج السلع والخدمات رغم أن لديها المقومات التكنولوجية والمادية، والحاجة إليها ماسة.
أما التجديدات المالية فتؤدي إلى تضخم القطاع التمويلي بصورة مبالَغ فيها إذا ما قيس بالقطاع الإنتاجي الحقيقي، وهو ما يعرف «باقتصاد البالونة» ؛ نظرًا لاستحداث أنواع من عقود المقامرة والاتِّجار في المال التي أصبحت مصدر ثراء واسع للعالم الغربي واليابان في منتصف التسعينيات؛ حيث كانت حركة التجارة العالمية 30 تريليون دولار، بينما حجم التجارة الحقيقي 3 تريليونات فقط، و27 تريليون بيع وشراء في الهواء بعقود ما أنزل الله بها من سلطان.
التجديدات المالية تحيل المال الذي تُقَوَّم به الأشياء سلعةً تباع وتشترى؛ وهذا فساد كبير لحياة الناس كما قال فقهاؤنا.
د . رفعت العوضي:
آليات العولمة ومؤسساتها تركِّز الغنى في جانب والفقر في الجانب الآخر، ويزيد التضخم لأسباب كثيرة منها نظام الفائدة، وهو نظام يواجه انتقادات حادة من الاقتصاديين.
البيان: ذكر الدكتور عبد الرحمن أن الحرية هي أحد الأسس أو القوى التي تقوم عليها العولمة ولكنها حرية ذات مذاق خاص غير الحرية التي يتحدث عنها مروِّجو العولمة في بلادنا، أليس هذا صحيحًا؟!
د . عبد الرحمن يسري:
فكرة الحرية هنا تحمل ازدواجية؛ فهي حرية من طرف واحد وإذعان من طرف آخر؛ والمراد ألاَّ تمارس الدولة أي ضغوط لتحقيق مصالحها أو حمايتها ضد أي دولة أخرى، ولكن الولايات المتحدة نفسها تكسر هذه القاعدة حين يمارس كلينتون ضغوطًا شديدة على اليابان بشأن شراء سيارات أمريكية، وحين يمارس كوهين وزير دفاعه مرارًا ضغوطه على دول عديدة لشراء أسلحة رغم عدم الحاجة إليها ورغم أن هذه الدول مدينة وستستدين من أجل إنعاش الصناعة الأمريكية!
هناك كذلك حروب القوانين الاقتصادية كقانون داماتو، حرب الموز. أما حرية الاستثمار فلا تحمل مصلحة للدول الفقيرة؛ لأنه كما يدخل بسهولة يمكن أن يخرج أيضًا بسهولة مخلفًا الدمار.
وفي المقابل لا تملك الأيدي العاملة الحرية نفسها في الانتقال. إذن! هي حرية لطرف ضد طرف؛ فإذا وضعنا في الاعتبار أن غالبية المشروعات الاستثمارية الوافدة لا تستهدف خدمة اقتصاد البلد المضيف بل ربما ذهبت إلى مجالات قد تضر أكثر مما تنفع كمجال السياحة والفنادق والأعمال الإباحية وصناعات التجميل وسلع الرفاهية.
د . رفعت العوضي: