فهرس الكتاب

الصفحة 2101 من 3028

اتفاقية تحرير التجارة تحوِّل العالم إلى سوق شاملة واحدة يعمل فيها قانون واحد هو قانون الأقوى الذي يتاح له كل شيء بهدف تضخم أرباحه بأكبر قدر في أقصر زمن وإن تضرر من تضرر.

أشير في هذا الصدد إلى أن دراسة تاريخ الاقتصاد للدول المتقدمة الآن كشفت عن أنها كلها استخدمت الحماية وهي في بداية تقدمها؛ ففرنسا استخدمت قوانين خاصة لحماية صناعتها الناشئة في مواجهة إنجلترا التي سبقتها إلى الثورة الصناعية، وألمانيا فعلت الشيء نفسه، والولايات المتحدة الأمريكية في نهاية القرن التاسع عشر فعلت ذلك. ولهذا فإن إجبار الدول المتخلفة التي تسعى الآن إلى التقدم ـ إجبارها على فتح أسواقها وعدم حماية صناعتها الناشئة يعتبر أمرًا غريبًا على تجارب النمو.

د . عبد الرحمن يسري:

يؤسفني أن أقول: إن الدول الإسلامية دخلت مرحلة التحرير ـ أعني تحرير الأسواق وحركة رؤوس الأموال ـ وعولمة للاستثمار دون رصيد، بل وهي محملة بأعباء الماضي التي تراكمت فيها المديونيات نتيجة لعدم اكتراث الحكومات العلمانية بالشريعة وتبعيتها للغرب؛ وهنا أشير إلى أن استمرار ارتباط إنتاجنا المحلي ـ بوصفنا دولًا إسلامية ـ بالسياسات العالمية دون أية ضوابط أو حتى تفهم لاتجاهاتها ومضامينها قد لا يكون من ورائه كسب على الإطلاق بل ربما خسائر محققة خاصة إذا احتكمنا إلى معاييرنا الإسلامية الصحيحة.

البيان: وماذا عما يردد من أن الاقتصاد العالمي في طريقه لأن يقاد من خلال قوى خفية من شأنها أن تنظم السوق العالمي بحياد تام ودون تحيز.

د . عبد الرحمن يسري:

فلسفة اليد الخفية التي تدير النشاط الاقتصادي وتهيمن عليه هي مسألة فلسفية غير واقعية وقد وضع أساسها آدم سميث في القرن التاسع عشر ليدل على أن استخدام الموارد المتاحة والقيام بالإنتاج والاستهلاك لا يستدعي تدخل الدولة، بل إن هذا التدخل يفسد الأمور. ويريد الآن فلاسفة العولمة في العالم الغربي أن يقولوا مثل ما قال سميث ولكن على مستوى العالم بأسره، وهذا غير مقبول. إن مثل هذه المقولة التي ثبت إخفاقها من قبل على مستوى الاقتصاد القومي حينما ظهرت الاحتكارات وحينما اضطرت الحكومات إلى تقديم برامج للخدمة الاجتماعية أو للتكافل الاجتماعي سوف تثبت إخفاقها بشكل أكبر على المستوى العالمي. وغير مقبول أن نصبح ـ ونحن أمة إسلامية ـ جزءًا من العالم ليس لنا إلا التبعية لما يجري فيه وليس لنا دور التأثير فيه.

إن الحق ـ تبارك وتعالى ـ جعل للإنسان عقلًا وإرادة وتدبيرًا وقدرة على تصحيح الأخطاء وهو ملزم بذلك، وهذا لا يعني أن الإنسان مطلق الإرادة وإنما هو محكوم بسنن ربانية؛ وهذه السنن لا تلغي إرادة الإنسان. كذلك فإن سنة نبينا وهدي القرآن العظيم تجعلنا نقيم أهمية كبيرة لدور الدولة الراعية، ومن ثَمَّ فإن أي مجتمع إسلامي لا يمكن أن يقبل أو يسلِّم لهذه الفكرة ظنًا بأن الخير قد يأتي في نهاية الطريق؛ لأن هذا مخالف لعقيدتنا بوصفنا مسلمين.

د . عبد الحميد الغزالي:

كيف لنا أن نقبل بفكرة من هذا النوع في ظل وجود آليات تتدخل وتدير وتراقب وتتابع وتخطط، هذه الآليات ذات أشكال وملامح مختلفة، ولكنها في الحقيقة تهدف إلى تكريس العولمة وخدمة أهدافها ومصالحها، وهو ما يعني بالطبع سيطرة النموذج الغربي!

البيان: إذنْ! فكرةُ حيادية قوى العولمة غيرُ متصوَّرة في ظل المعطيات الواقعية.

د . عبد الرحمن يسري:

فكرة الحيادية أو سيادة منافسة خالصة بين جميع الأطراف في معاملاتهم وتحرك عناصر الإنتاج من مكان إلى آخر وفقًا للقدرة على استخدام هذه العناصر بشكل أكفأ ليست حقيقية؛ فالتجربة التاريخية للنظام الاقتصادي الحر الذي تحكمه قوى الطلب والعرض في إطار المنافسة الكاملة بعيدًا عن التدخل الحكومي ـ والذي كان الاعتماد فيه على فلسفة اليد الخفية للمواءمة بين المصالح الفردية والمصلحة الجماعية على مستوى المجتمع الواحد ـ لم يدم طويلًا وتعرض لهزات أدت إلى تغيرات هيكلية وأزمات اقتصادية تفشت فيها البطالة .. فإذا كان هذا على مستوى المجتمع الواحد فهل يمكن أن نثق بتجربة مشابهة تجري على مستوى العالم؟ ولهذا فعلينا من حيث إننا دول إسلامية أو فقيرة ألاَّ نسلِّم بقضية الانصهار في عالم بلا حدود بحجة حتمية فلسفية لا أكثر.

حتى وإن سلمنا بحياديتها التامة وبما سنجنيه من مكاسب اقتصادية، فهل يجوز لنا نبذ سياستنا المستمَدة من شريعتنا.. وخاصة أن الجانب الاقتصادي لا يمكن فصله عن الجوانب الأخرى؟ وهذا يعني دخولنا ـ بوصفنا مجتمعات إسلامية ـ في أطر لا نقبلها إطلاقًا لأنفسنا ولنسائنا وأولادنا.

أ . يوسف كمال:

العالم بكل مستوياته يتوجس خيفة من العولمة ولا يتصور حياديتها، أما نحن المسلمين فربنا يقول لنا: {ولّن تّرًضّى"عّنكّ اليّهٍودٍ ولا النَّصّارّى"حّتَّى"تّتَّبٌعّ مٌلَّتّهٍمً} [البقرة: 120] والتاريخ يروي لنا عن حروب القرصنة التي شُنَّت على البلاد الإسلامية في الأندلس، وحروب العصابات التي جاءت لنهب العالم الإسلامي والتي استمرت حتى اليوم من خلال المعايير المزدوجة بمخالبهم في الشرعية الدولية في مجلس الأمن والجات والشركات الدولية النشاط."

ولعل أزمة جنوب شرق آسيا تكشف لنا بعض هذه الحيادية؛ فبعد تلك الأزمة قدم صندوق النقد الدولي لكوريا الجنوبية 80 مليار دولار دون أي شروط في حين اشترط لتقديم 43 مليار دولار لأندونيسيا مزيدًا من التحرر الاقتصادي من أجل بيع مؤسساتها بأبخس الأثمان في الوقت الذي انهارت فيه العملة الأندونيسية؛ مع العلم أن عدد السكان 43 مليونًا في كوريا بينما في أندونيسيا أكثر من 220 مليون.

فالمسألة واضحة سواء من زاوية الواقع أو من زاوية الرؤية القرآنية التي تعطينا المفاتيح الصحيحة.

د . رفعت العوضي:

في كتاب «المدخل الاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين» لبول كينيدي وهو من أقوى المفكرين المؤثرين في الغرب يقول المؤلف: إذا كنا نريد أن ندخل القرن الحادي والعشرين فمن خلال نظرية (مالثس) في السكان، وهي نظرية مؤسسة على أن السكان أكبر من الموارد؛ ولذلك لا بد من التخلص من جزء منهم، والحروب القائمة في العالم الآن وخاصة في الدول الإسلامية هي إعمال لهذه النظرية.

العولمة ـ وهي تتبنى نظرية مالثس ـ تفرض صيغة معينة على العالم.. هذه الصيغة هي نظرية 20: 80 أي: 20 % فقط من سكان العالم هم الذين لهم حق الملكية والعمل وكذلك العيش، في مقابل 80% يمثل فائضًا بشريًا في دول العالم الثالث، والحديث عن هذه النظرية جاء في كتاب: (فخ العولمة) وقد ترجم إلى العربية ونشر في سلسلة عالم المعرفة التي تصدر من الكويت.

د . عبد الحميد الغزالي:

أعتقد أن الصورة الحالية أبشع من هذا، فقد تكون 10: 90 % أو أقل من عشرة.

10 % دول متقدمة في مقابل 90 % متخلفة أو نامية تأدبًا !!

د . عبد الرحمن يسري:

لا يمكن تصور الحيادية في ظل سيطرة القلة على كل شيء واحتكاره لصالحهم؛ فهم يدَّعون أنه في ظل تحرير التجارة ستتكافأ الفرص، وأنا أقول: إنها حتى في ظل ذلك لن تتكافأ لا إنتاجيًا ولا استهلاكيًا؛ ففي ظل توحيد النمط الاستهلاكي على مستوى العالم هل نتصور أنه سيكون هناك تكافؤ فرص بين مواطن من سيراليون متوسط دخله السنوي 180 دولارًا ومواطن ياباني متوسط دخله السنوي 30000 دولار؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت