فهرس الكتاب

الصفحة 2102 من 3028

وحتى على المستوى الثقافي فإن تعميم النمط الاستهلاكي العالمي يحمل في طياته نمطًا أخلاقيًا مغايرًا، وعلى سبيل المثال: فلسفة «السندويتش» أو الوجبات الخفيفة .. تعني أن الأسرة لا تجتمع على طعام واحد أو مائدة واحدة!

أما على المستوى الإنتاجي ففي ظل احتكار الأموال والمعلومات، وانعدام القدرة التنافسية والتفاوضية لدى العالم الفقير .. لا يمكن تصور هذه الحيادية!

د . رفعت العوضي:

أود أن أشير أيضًا إلى جانب آخر من عدم الحيادية؛ إذ إن الغرب بما يملكه من تراكم معلوماتي وجرأة تجريبية وعمل مؤسسي قوي وتبني الشخصيات النابغة استطاع أن يولِّد ثورة في المعلومات اختص نفسه بها، وزاد من سُعار هذه الثورة توفر التقنيات الحديثة من كمبيوتر وشبكات اتصالات ومعلومات لديه مع احتفاظه بأسرارها، كما أنه يملك برامج متكاملة ومتطورة للتعامل مع قاعدة البيانات. إن احتكار الغرب لهذه الأمور باعتبارها ضمانة أخرى لتفوقه لن يولد الحيادية بصورتها الوردية كما يزعم منظِّرو العولمة.

د . عبد الرحمن يسري:

يشبِّه بعض الكُتَّاب الثورة العلمية بالجنِّي الذي خرج من القارورة ليخدم سيده، ولكن علينا أن ندرك أن القارورة ما زالت بيد السيد الذي صنعها، أعني بذلك أن العالم الغربي هو وحده الذي يملك أسرار التقنيات ويتحكم في استخداماتها.

وهذا تحدٍّ آخر أمام الفقراء كما أشار الزميل الدكتور رفعت؛ فرغم أن المعلومات متاح كثير منها عبر شبكة الإنترنت إلا أن الفجوة ما زالت في اتساع بين عالمين متقدم ومتخلف، هذه الفجوة تمثل في جانب منها تحديًا اقتصاديًا وسياسيًا، كما تمثل في جانبها الآخر تحديًا ثقافيًا يشكل خطرًَا على الهوية الإسلامية.

البيان: تحدثنا فيما سبق عن العولمة ومفهومها وبعض القضايا الفلسفية والتطبيقية المتفرعة على ذلك، وتحدثنا كذلك عن القوى التي تمتلكها العولمة في بسط سيطرتها وهيمنتها على العالم، ولا شك أنها تعتمد مع هذه القوى على آليات تدعمها وتسعى على خدمتها من خلال أدوار يكمل بعضها بعضًا؛ ولذلك نود تسليط الضوء على هذه الآليات وما تقوم به في خدمة العولمة.

د . عبد الحميد الغزالي:

هناك آليات عملت واستفادت من القوى التي توفرت للعولمة بل وساعدت هي على تكريسها، هذه الآليات ذات طبائع مختلفة لكنها متكاملة الأدوار ابتداءًا من المنظمات الدولية: منظمة الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وما يعرف الآن بهيئة برلمانات العالم، هذه المؤسسات فرضت ما يسمى بالبرامج الإصلاحية وتنظيم حركة الأسواق ومتابعة التشريعات القانونية على مستوى الدول لضمان التجاوب الأسرع مع سياسات العولمة.

-هناك كذلك منظمة التجارة العالمية التي ورثت الجات عام 1994 والتي تنظم عمليات انفتاح الأسواق وتحرير التجارة من القيود الحكومية وتتابع ذلك.

ـ ثم يأتي بعد ذلك المؤتمرات الدولية المتخصصة (ابتداء من مؤتمر الأرض ـ مؤتمر السكان ـ مؤتمر المرأة..الخ) لفرض ثقافة العولمة.

-ثم الشركات العملاقة عابرة القارات والتي تعد المستفيد الأكبر والمحرك القوي للعولمة.

-ثم التكتلات الاقتصادية (أوروبا الموحدة ـ النافتا ـ دول النمور فيما سبق .. وما تبع ذلك من تكتلات أخرى) .

ولهذا أقول: إن الربط بين العولمة وفكرة اليد الخفية ـ بمعنى الحرية بعامة والاقتصادية بخاصة ـ المراد منه إلغاء المقاومة الذاتية في مواجهة قوى الجذب الغربية.

أ . يوسف كمال:

هناك آلية أخرى من آليات العولمة وهي المشاريع المطروحة للتطبيق في منطقة القلب الإسلامي لإذابة إسرائيل في المنطقة أولًا من خلال المشروع الشرق أوسطي الذي تطرحه الولايات المتحدة والذي بدأ مؤتمراته من الدار البيضاء في عام 1994 في العام نفسه الذي تشكلت فيه منظمة التجارة العالمية بل وفي الدولة ذاتها المغرب؛ حيث عقد في مراكش. أما المشروع الثاني فهو الشراكة الأوروبية المتوسطية وهو المشروع الذي تطرحه أوروبا في مقابلة المشروع الأمريكي، وهو يهدف لذات الهدف بحيث يتحول الصراع العقدي تدريجيًا إلى تنافس اقتصادي ثم تكامل تتزعمه إسرائيل بما لديها من تقدم صناعي يموله رأس المال الإسلامي ويمده بالأيدي العاملة وبالمواد الخام وبأسواق الاستهلاك في الوقت ذاته .. وبالمناسبة فإن المؤتمر الاقتصادي الشرق أوسطي الخامس يجري الإعداد له هذه الأيام على قدم وساق.

د . رفعت العوضي:

بالنسبة لاتفاقية تحرير التجارة التي ترعاها الآن منظمة التجارة العالمية ويساعد في ذلك كل من صندوق النقد والبنك الدولي، هذه الاتفاقية هي في الواقع أقرب إلى سياسة الفرض منها إلى الاتفاق؛ لأن الدول الإسلامية مرغمة على التعامل مع صندوق النقد والبنك الدولي كي تتهيأ للدخول في منظمة التجارة العالمية، وهي بذلك أمام قائمة طويلة مما يعرف بالإصلاحات الاقتصادية باتباع سياسات نقدية ومالية معينة وسياسات سعر الصرف وتخصيص القطاعات الإنتاجية العامة وفرض أسلوب معين في الإدارة وفق معايير هم يضعونها.

وهنا نلاحظ أن منظمة تحرير التجارة تؤدي الدور نفسه الذي أداه الاحتلال قديمًا في استغلال موارد الدول الفقيرة لصالح الدول الغنية وفرض التخلف والتبعية على هذه الدول.

لهذا فإن التحرير لن يؤدي بالضرورة إلى نمو كل من المبادلات وحركة الاستثمار والتشغيل في كل الدول التي يحلم شعوبها بالرفاهية والرخاء؛ لأنه في ظل الإنتاج من جانب واحد تفقد الدول الميزة النسبية لخاماتها؛ حيث تبيع الخامات بأسعار رخيصة ثم تشتري نفس الخامات بعد تصنيعها بأسعار كبيرة جدًا.

د . عبد الحميد الغزالي:

لم تتضمن اتفاقية تحرير التجارة أي إشارة لانتقال الأيدي العاملة مع العلم أننا دول الفائض، ولكن الدول الغربية لم تشأ النص على حرية انتقال العمالة خوفًا على الخصوصية الثقافية والسكانية والمصالح الاقتصادية لمجتمعاتها، وحفاظًا على الوضع الاقتصادي حيث متوسط الدخل هناك 000.20 دولار سنويًا في مقابل 000،2 دولار في المتوسط للدول الفقيرة وهذا من شأنه أن يزيد الفجوة الاقتصادية.

د . عبد الرحمن يسري:

قد ترحب الدول الغربية بشيء من النمو الاقتصادي يتحقق في بعض الدول كي تضمن أسواقًا لمنتجاتها لكن دون أن يبلغ هذا النمو حد المنافسة الحقيقية، وإذا ما استشعرت خطرًا على مصالحها سارعت بالانقضاض على تلك التجارب الناجحة.

ولهذا فإن العالم الغربي دائم الحرص على توسيع الفجوة التقنية ليضمن عدم اللحاق به؛ وهذا من شأنه أن يضعنا في الجانب الأضعف في أي وضع تفاوضي. كما أشير إلى أنه ينبغي علينا ألا نُخدع ـ بوصفنا مسلمين ـ بموجة التخصيص المطلقة التي تأتي على كل شيء؛ لأن هناك ـ على الأقل ـ ملكية مشتركة حددها النبي -صلى الله عليه وسلم- بـ «الماء والنار والكلأ» والاجتهادات الحديثة تقول: إن النار تشمل موارد الطاقة، والماء يشمل جميع الموارد المائية، والكلأ: الموارد الطبيعية غير المملوكة ملكًا خاصًا لأحد؛ وعليه يجب علينا المحافظة عليها بعيدًا عن استنزاف الشركات عابرة القارات، ويدخل في هذا أيضًا كل ما من شأنه أن يحافظ على المصالح العامة للأمة أو للشعوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت