فهرس الكتاب

الصفحة 2103 من 3028

قد يقال إن مجهودات الشركات الأجنبية وما تتملكه من موارد وطنية يمكن أن يندرج تحت مسمى حق الإحياء، وهذا لا يصح؛ لأن حق الإحياء لأراضينا يكون للمسلمين وحدهم ولمن عاش معهم من أهل الذمة دون غيرهم، أما حق الإقطاع مقابل الاستصلاح فينبغي ألاَّ تُملَّك الأرض وإنما تؤجَّر لمدة معلومة مقابل الاستصلاح إذا دعت إلى ذلك الحاجة.

البيان: وماذا عن الشركات دولية النشاط التي أشار الدكتور عبد الحميد الغزالي إلى أنها أصبحت إحدى آليات العولمة وأحد أكبر المستفيدين منها في الوقت ذاته، هذه الشركات بعد أن كانت عابرة الحدود عبرت اليوم حدودًا أخرى من خلال ما أصبحنا نسمع عنه من ثورة اندماجات عالمية يصعب على المتابع إدراك أبعادها، وبعض المتابعين والمحللين عدها أهم آليات العولمة على الإطلاق؛ لنفاذها إلى مجالات أكثر تأثيرًا، هذه الشركات نريد أن نلقي الضوء على نشاطها وأهدافها وسياساتها ومخاطرها.

د . رفعت العوضي:

هناك حركة اندماجات عنيفة جدًا بين الشركات فوق العملاقة؛ والدراسات في هذا الموضوع مخيفة للغاية؛ فلم يكتف العالم المتقدم بإقامة تكتلات اقتصادية بين الدول كالاتحاد الأوروبي، والنافتا في أمريكا، فقام بتطوير أشكال التكتل كي يضمن الهيمنة المطلقة على السوق الدولية.

ومن هنا فإن اندماج الشركات دولية النشاط من شأنه أن يُحْكِمَ السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية لصالح قطب واحد.

هذه الشركات تسعى للاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير والانتشار الجغرافي في توسيع أسواقها، وتخفيض تكلفة الإنتاج والنقل، وإعادة تقسيم العالم على المستوى الدولي بما يدعم كفاءتها الاقتصادية وفرض سيطرتها على الأسواق. هذه الشركات أصبحت تتضخم بشكل مفزع من خلال الاندماجات السريعة والمتلاحقة حيث أصبح العالم أمامها سوقًا واحدة.

على سبيل المثال سوق السيارات يتوقع أن تسيطر عليها أقل من عشر شركات في العالم في الدول المتقدمة.

سوق البترول سوف تسيطر عليها أقل من خمس شركات.

حتى الشركات غير الوطنية دخلت في عمليات اندماج؛ فشركة كهرباء لندن اشترت شركة كهرباء نيويورك.

أما مصرفيًا فسوف يسيطر على العالم 26 بنكًا .. ومن ذلك أن اندماج بنكين في الولايات المتحدة الأمريكية كانت حصيلته رأس مال يقدر بـ 600 مليار دولار، علمًا بأن هذه الشركات تدير 70% من تجارة العالم.

وبينما نجد أن شركات الدول الكبرى تتوحد وتكبر فإن العالم كله يتفتت؛ ومن ثَمَّ فإن الكلام عن عجز الحكومات أمام هذه الشركات في ظل تحرير التجارة أمر لم يعد جديدًا؛ لأن هذه الشركات أصبحت تمارس ضغوطًا شديدة وتملك صلاحيات في كثير من البلدان ـ وعلى المستوى الدولي أحيانًا ـ بما يمكنها من تحقيق مآربها وأهداف الدولة الأم.

د . عبد الرحمن يسري:

الدول العربية والإسلامية لم تنتفع بوجود الشركات الدولية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات على أراضيها إلا قليلًا، وما يقال حول دور هذه الشركات في عمليات الإنماء لا تشهد له التجارب ولا الواقع.

فعلى مستوى التقنية الحديثة فإن هذه الشركات تحتفظ بأسرارها للدولة الأم ولا تصدرها إلا في مجالات محدودة جدًا وهامشية؛ وإذا ما اضطرت إلى نقل فعلي للتقنيات الحديثة فإنها تسعى جاهدة للاحتفاظ بإدارة أجنبية للنشاط بعيدًا عن الخبرة المحلية؛ وعلى سبيل المثال فإن فرنسا عندما خرجت من الجزائر قامت بتدمير كل تقنيات البترول الحديثة التي خلَّفتها.

وفي الإطار نفسه إذا ما اضطرت إلى توسيع نشاطها الإنتاجي من خلال عقود التراخيص ـ كما فعلت في دول جنوب شرق آسيا ـ فإنها تقصر تلك العقود على حلقة إنتاجية واحدة حتى لا تتسرب الأسرار التقنية.

وهناك نوع ثالث من العقود التي تلجأ إليها وهي عقود تسليم المفتاح الذي يكثر تطبيقها في التعامل مع دولنا؛ حيث إن الخبرة المحلية لا تعرف عن التكوين التقني إلا مجرد الاستخدام دون اطلاع على أسرار أو معرفة كيفية الصيانة ومن ثم تقوم بإدارة المشروع إما من خلال الخبرة الأجنبية أو من خلال الإرشادات المملاة كما هو الحال في الأجهزة المنزلية.

وهناك نوع آخر هو نقل الصناعات كثيفة العمالة خفيفة التقنية التي تحتاج إلى العمالة الرخيصة ـ وهي متوفرة لدينا بالطبع ـ أو المشروعات ذات معدل التلوث العالي التي تلاحقها منظمات البيئة هناك وتفرض عليها ضرائب باهظة فتلجأ إلى البلاد الفقيرة التي نحن منها، وذلك هربًا من القيود التي تفرض عليها في بلادها.

وأخيرًا لجأت هذه الشركات إلى تضمين اتفاقية تحرير التجارة بنودًا عن حفظ حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع وبهذا تحجز هذه التقنيات من المنبع خاصة، وأكثر الدول قد وقَّعت على هذه الاتفاقية.

أ . يوسف كمال:

لا بد من التنبيه إلى خطر فتح الأبواب على مصاريعها أمام الشركات الدولية النشاط والاستثمار الأجنبي، فبالإضافة إلى ما ذكره الأخ الدكتور عبد الرحمن يسري فإن هناك جانبًا آخر ربما كان أكثر خطورة وهو جانب الاستثمار؛ لأن هذه الشركات نادرًا ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة (أي طويلة الأجل) ، وإنما تدخل بما يعرف «بالأموال الطائرة» في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة العائد التي تحقق لها عوائد هائلة دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية، بل ربما يحدث مثلما حدث في دول النمور.

وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة فإنها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، بما يعرقل الاقتصاد المحلي.

أضف إلى هذا أن جُلّ أنشطتها يقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد والذي يشكَّل خصيصًا لأجل هذا الغرض في بلادنا! ومن هنا فالواضح أن الاعتماد على هذه الشركات في إقامة قاعدة إنتاجية تنموية في بلادنا أمر مستبعد، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن هذه الشركات تقوم بامتصاص الفوائض المالية لدى المستهلكين عن طريق الإغواء والإغراء الاستهلاكي.

وغالبًا ما تعيد تصدير عوائدها إلى الدولة الأم أو إلى أي مكان يمكن استثمارها فيه بشكل أفضل، وبهذا تتآكل المدخرات المحلية وتضعف القدرة الشرائية لدينا مع الوقت.

وفي أحيان أخرى تدخل هذه الشركات شريكًا بالخبرة والإدارة إلى السوق المحلية، ثم تقوم بتمويل نشاطها من خلال الاقتراض أو الاكتتاب المحلي دون أدنى مخاطرة بأموالها لفتح أسواق جديدة لها!

ومن ثم يتعين علينا أن نمحِّص المزايا التي يتحدثون عنها، والتي قد يصعب أن تتحقق للاقتصاد المحلي من جراء فتح الأبواب أمام هذه الشركات للاستثمار في بلادنا.

البيان: وماذا عن التكتلات الدولية التي أصبحت تنذر بمزيد من التهميش لعالمنا الإسلامي في ظل العولمة.

د . رفعت العوضي:

هناك بعض الدول ذات الحجم الكبير التي تُعَدُّ بذاتها كتلة سواءًا بمعيار حجم الإنتاج القومي أو عدد السكان أو حجم التجارة الخارجية، وهذه الدول بالتحديد هي: الولايات المتحدة والصين والهند واليابان، ومع بروز الصراع الاقتصادي في ظل العولمة سارعت بعض هذه الدول في الدخول في تكتلات تضمن لها بقاءًا أقوى، فدخلت اليابان في مجموعة الآسيان، وشكلت الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك مجموعة النافتا وهي عبارة عن اتحاد جمركي ذي سياسة واحدة، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى دمج الأمريكتين في منطقة تجارة حرة تمهيدًا لخطوات أخرى نحو التكتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت