فهرس الكتاب

الصفحة 2104 من 3028

وفي الاتجاه نفسه سارت الدول الأوروبية بعد أن قطعت شوطًا؛ حيث وصلت إلى مرحلة الوحدة؛ إذ أصبح لها برلمان واحد وعملة واحدة «اليورو» وسياسة اقتصادية واحدة في مواجهة الدول والتكتلات الأخرى، وعلى غرار هذه التكتلات قامت تكتلات أخرى في كل من آسيا وإفريقيا؛ ولكنها لا تعتبر تكتلات بالمعنى المعروف لضعف التنسيق بين دول المجموعة الواحدة، وضعف مستواها الاقتصادي كذلك.

ولهذا فإن العالم الفقير ـ والذي منه الدول الإسلامية بالطبع ـ سيحاول اللحاق بهذه التكتلات في أحسن أحواله لضمان الفتات! وإذا تصورنا أن الاقتصاد العالمي عبارة عن طاولة فإن الذين يملكون الجلوس عليها في ظل العولمة هم الكبار فقط والذين يملكون زمامها هم الكبار جدًا؛ لأنهم يملكون سياسة واحدة! ومن ثَمَّ فإن الأمر ينذر بمزيد من ضعف القدرة التنافسية وباتساع أكبر للفجوة الدخلية والفجوة التكنولوجية وبانخفاض أسعار صرف العملات الإسلامية؛ مما يعني مزيدًا من الاعتماد على الخارج ومزيدًا من التبعية.

د . عبد الحميد الغزالي:

السبب واضح؛ وهو أن الرأسمالي عندما يطبق الرأسمالية على مستوى الفرد يقيم هذه الرأسمالية رغم ما فيها من مثالب، وبذلك تتفق قناعاته مع تطبيقه.

أما في العالم الإسلامي فنجد أن الفرد في داخله حقيقة العقيدة الإسلامية، لكنه يرى الأنظمة أشياء بعيدة تمامًا عما يعتقده!

هذا الانفصام وهذه الازدواجية كانا من أهم أسباب الأداء المتدني في الإنتاجية على مستوى الفرد والمجتمع، ومن هنا يأتي التخلف الاقتصادي والاجتماعي؛ لأننا إذا طبقنا المعايير الاقتصادية سنجد أن دول العالم الإسلامي كلها متخلفة، وبشهادة المنظمات الدولية، بما في ذلك مجموعة الدول ذات الرساميل النفطية؛ لأن المسألة ليست ثراءًا ماديًا وإنما الأمر يقاس بمدى مساهمة القطاعات السلعية ـ بالذات ـ في الناتج القومي، وبالذات .. الصناعة التحويلية. أو بمعنى آخر: مدى قدرة المجتمع على إنتاج ما يحتاج إليه أبناؤه من سلع وخدمات. ووفقًا لهذا المعيار فإن العالم الإسلامي كله يقع ضمن العالم المتخلف المسمى بالنامي.

البيان: ولكن مقاييس التخلف يمكن التلاعب فيها سلبًا أو إيجابًا حسب الزاوية والوجهة التي ينطلق منها الباحث. ألا ترى أن الأمر يحتاج إلى ضوابط موضوعية أكثر تحديدًا للقياس؟

د . عبد الحميد الغزالي:

مقاييس التخلف تطورت اليوم عن ذي قبل، وأصبحت أكثر موضوعية؛ لأنها أصبحت تستبعد أثر الأسعار وتضيف أبعادًا أخرى مثل المشاركة السياسية ومستوى الحالة الصحية.

والتخلف هو عبارة عن حالة الانخفاض النسبي في مستوى النشاط الاقتصادي لمجتمع من المجتمعات.

لكن عندما نتحدث عن التخلف في العالم الإسلامي فلا بد من إضافة أبعاد أخرى يمكنها أن تصوب النظرة للقياس وذلك لضبط المعنى المراد من اللفظ بوصفها وحدة للقياس. ومن هذه الزاوية يمكن أن أضيف تعريفين منضبطين للتخلف الاقتصادي:

الأول: إذا وجدت مجتمعًا من المجتمعات الإنسانيَّة فيه مقهور سياسيًا ومستغَلٌّ اقتصاديًا ـ أي فقد شرطي العدالة والحرية ـ فنحن أمام مجتمع متخلف!

الثاني: إذا وجدت مقاصد الشريعة الإسلامية الضرورية ـ وهي: حفظ الدين، والعقل، والنفس، والمال، والنسل ـ مغيبة فثق أنك أمام مجتمع متخلف مهما أوتي المجتمع من موارد مادية وبشرية ومالية.

والعالم الإسلامي يعيش هذه الحالة، وينطبق عليه كِلا التعريفين رغم ما حباه الله من امكانيات بشرية ومادية.

د . رفعت العوضي:

تكملةً لكلام الدكتور عبد الحميد: علينا أن نفرق بين ما يملكه العالم الإسلامي من موارد اقتصادية ضخمة ـ والتي تعد قوة كامنة ـ وبين ما ينتجه العالم الإسلامي .. الأرقام في هذا المجال تمثل صدمة كبيرة إذا ما قيست بالعالم من حولنا.

فالعالم الإسلامي ـ كما تقول الأرقام ـ مكون من 56 دولة، وعدد سكانه 2.1 مليار نسمة، ويبلغ إجمالي إنتاجه المحلي حوالي 735 مليار دولار سنويًا. وفي المقابل نجد أن الولايات المتحدة بتعدادها البالغ 265 مليون نسمة (خمس سكان العالم الإسلامي) تنتج وحدها 6.6 تريليون دولار سنويًا (أي حوالي 9 أضعاف إنتاج العالم الإسلامي بمجموعه!) أما اليابان (والتي يقدر سكانها بعُشر سكان العالم الإسلامي) فيبلغ إجماليي إنتاجها 6،4 تريليون (أي حوالي 6 أمثال إنتاجنا) .

وإذا ما قارنا الصادرات نجد أنها في العالم الإسلامي 281 مليار دولار في مقابل 513 مليار (الضعف) بالنسبة للولايات المتحدة و 9.3 تريليون دولار (14 ضعف) لليابان!

إذن ونحن نتحدث عن العالم الإسلامي ومشاكله والمزايا التي يمكنه الحصول عليها، علينا أن ندرك أننا لسنا أمام عالم واحد بل أمام 56 دولة، 56 سوقًا، 56 مفاوضًا، 56 قرارًا، هذا التفكك هو أحد أخطر أبعاد قضية التخلف والتبعية التي يحياها عالمنا الإسلامي!

د . عبد الحميد الغزالي:

التجارة البينية بين دول العالم الإسلامي الذي نريد له أن يكون حاضرًا ومنافسًا قويًا في ظل العولمة لم تتعد 8% وفي بعض الأرقام المتفائلة 10% من إجمالي حجم التجارة الخارجية للعالم الإسلامي، وهذه قضية لها أبعادها الاقتصادية والسياسية والنفسية والمنهجية.

أما إذا نظرنا إلى هيكل الإنتاج فنجده عبارة عن مواد خام وبعض السلع رديئة التصنيع، أو التي لا ترقى للمستوى العالمي، ومن ثم فإن قدرتنا التنافسية محدودة للغاية، ولهذا فنحن في أسوأ وضع؛ والسبب أننا لم نستغل مواردنا استغلالًا صحيحًا. نحن لدينا العقول المبدعة، ونملك رأس المال، والموارد لدينا متاحة، كل عناصر الإنتاج متوفرة بحمد الله، ولكن السر يكمن في الإرادة: إرادة التقدم .. إرادة التنفيذ .. إرادة التنافس .. إرادة الوحدة .. والإرادة مسألة نفسية ترجع إلى الإنسان.

د . رفعت العوضي:

باستقراء الأحداث التي تجري في عالمنا الإسلامي نجد أن هناك سقفًا مفروضًا على العالم الإسلامي، ولا يُسمح له بتجاوزه .. قد يخفى وقد يبدو أحيانًا.

والعالم الإسلامي رغم التكتلات محروم من أن يكون له كيان كبير في ظل العولمة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي إذا ما اعتبرناها جامعة إسلامية لا تعدو أن تكون هيئة شرفية استشارية ولدت في ظل ظروف خاصة .. ولم يُرَدْ لها البروز على ساحة القرار.

في ظل العولمة زاد التفرق بين الدول الإسلامية. وأذكر أن الدكتور عبد الحميد قد قال في إحدى محاضراته: إن حصاد العولمة كان 21 حربًا في العالم الإسلامي وحده! وضَرْبُ النماذج الإسلامية الناجحة من دول النمور الآسيوية مؤشر على هذا الأمر خاصة أنه سمح للدول غير الإسلامية باستعادة كيانها ثانية.

العولمة ضربت العالم الإسلامي في أمر آخر هو السلع الاستراتيجية كالبترول وغيره.

حتى الصلاحيات التي كانت تتمتع بها بعض الدول الإسلامية داخل المنظمات الدولية ضعفت جدًا في ظل العولمة.

صندوق النقد قبل العولمة كان مختلفًا تمامًا عما هو عليه الآن.

منظمة التجارة لم تكن كما تبدو اليوم.

معظم محاولات الاندماج أو التكامل التي كانت تمثل حلمًا في العالم الإسلامي جُمّدت؛ لأنها كانت تفتقد الرؤية الصحيحة في إيجاد الحلول.

د . عبد الحميد الغزالي:

الأنظمة لدينا بين مغيَّب ومغرَّب مع ما نملكه من مقدرات ومقومات للتنمية الناجحة.

ولهذا يمكن القول بأنه لو لم يكن هناك تغييب وتغريب للعقل المسلم على كافة الأصعدة لما كان هذا حالنا أبدًا.

ولأننا كذلك فلا نعتمد على الإنسان لدينا، ونتصور أن حل مشاكلنا الإنمائية وغيرها في الاعتماد على الخارج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت