أليس أبشع ما تصاب به أمة أن تعتمد في ضروراتها على أعدائها سواء في السلاح أو الغذاء أو التقنيات التي لا تتمشى مع خصائص عناصرنا الإنتاجية، حتى نظل تابعين للغرب، وبذلك نبقى مهمشين في صناعات غير ذات جدوى، ونسير وفق مشاريع تسليم المفتاح؟
ولأننا أيضًا نعتمد على القروض والمعونات، فهذه التي تعد استعمارًا أبشع من استعمار القرن التاسع عشر؛ لأن القروض من أكبر معوقات التنمية؛ فهي توقعنا في كبرى الكبائر، ولسنا في حاجة إلى قروض! لدينا فائض يزيد عن 800 مليار دولار ودائع في البنوك الغربية؛ بينما نحن مدينون لهم وبأسعار فائدة ربوية؛ وقد بلغ إجمالي الفوائد أضعاف أصل الدَّيْن!
البيان: عندما طُرح مشروع مارشال بعد الحرب الأوربية الثانية لتمويل الدول التي خرجت منها من الحرب لدفعها نحو التنمية وفق الشروط الأمريكية وافقت فرنسا وإنجلترا على هذه الشروط، ورفضت كل من اليابان وألمانيا المشروع وفضلتا الاعتماد على الذات، ولنا أن نقارن بين النتيجتين حتى في العالم الغربي ذاته واليوم يسير صندوق النقد على نفس الخطا في تكبيل محاولات النهوض وإعاقتها.
د . عبد الحميد الغزالي:
اليابان استطاعت ـ من خلال عملية تنميتها ـ أن تستخلص فائضًا من النشاط الزراعي لا يمكن استخلاصه، ومولت به مشاريعها الإنمائية والصناعية؛ ولذلك نجحت لأنها اعتمدت على سواعد أبنائها وعلى التخطيط الداخلي دون أي تدخل أجنبي حتى حدثت الطفرة.
د . عبد الرحمن يسري:
المشكلة ـ من وجهة نظري ـ تكمن في أن العالم الإسلامي يئن معظمه تحت سيطرة حكومات علمانية تابعة للعالم الغربي .. هذه الحكومات قد ارتبطت بالاقتصاديات العالمية بلا أية ضوابط أو فهم لاتجاهاتها أو مضامينها، والتي قد لا يكون من ورائها مكاسب على الإطلاق، بل ربما خسائر محققه خاصة إذا احتكمنا إلى المعايير الإسلامية الصحيحة.
البيان: ولهذا يجيء رد فعلها على الأحداث العالمية والإقليمية ضعيفًا وبصورة مؤسفة ومخزية، فضلًا عن أنها قنعت بمجرد ردود الأفعال ولم تشارك في صنع اللعبة بما يخدم مصالح الأمة.
أ . يوسف كمال:
النظرة المصلحية البحتة إلى الحلول لا توصل إلى نهاية الطريق، وإنما التبصر والتمسك بالطريق مهما كانت العقبات هو الذي يوصل، ولذلك لا بد من تصحيح المنطلقات أولًا.
الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما ذهب إلى الطائف وعرض الإسلام على أهلها عرضوا عليه أن يقيموا جبهة قومية .. فقالوا: «ننصرك على أن يكون لنا الأمر من بعدك» ! ولكن هذا لا يتفق مع طبيعة المنهج، والمعادلة هكذا لا تصلح ولا بد من إرادة الآخرة أولًا حتى ننتصر، ولهذا كان رده ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الملك لله يضعه كيف يشاء» .
أما الأنصار فقالوا: «ننصرك على ماذا ؟!.. قال: «الجنة» !
قالوا: «ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل» .
ولما صحت المنطلقات كان النتاج سريعًا وناضجًا، فلم تمض سنوات على هذه الصفقة الرابحة حتى سقطت فارس والروم على يد هذه العصبة التي وضعت بصمتها على كل شيء في الدنيا.
لهذا فإن إدخال الإسلام في القضية يضع الأمور في نصابها؛ لأنه يعتبر الإنسان هو أساس التقدم، والتخلف يمثل ظاهرة هوية أساسها الإنسان، والإنسان يتغير، ولا يثبت في نفسه غير العقيدة التي تشكل مسار حياته.
فإما أن يكون ديناميكيًا أو استاتيكيًا .. ذا تطلعات أو إمعة. ونحن حين ننظر إلى الكتابات التي تعالج مسألة العولمة ـ على سبيل المثال ـ نجد أن الثقافة الغربية قد تسللت إليها دون انتباه لذلك؛ لغياب طعم العقيدة عنها، حتى في كتابات إخواننا الذين يتحدثون عن الإسلام، نجد مزيدًا من التهميش المرجعي في مقابل مزيد من الاقتباسات عن الغرب.
لا عيب في أن نستفيد من تجاربهم لكن دون الافتتان عن منطلقاتنا أو الافتئات على ثوابتنا؛ لأن ذلك هو عين الهزيمة.
والعقيدة هنا هي المرتكز وهي السلاح الاستراتيجي الذي لا يملكه غيرنا؛ لأننا نريد الآخرة وهم يريدون الدنيا.
هذه العقيدة لها مضمونها في إيقاظ الإنسان وإحياء الإرادة لديه، وهي وحدها التي تملك أن توجه الإنسان المسلم وتبين له هدفه الصحيح.
الغرب يدرك ذلك تمامًا؛ ولهذا يقول ماسنيون: «استطعنا أن نحول العالم الإسلامي تحويلًا كبيرًا عن طريق إحداث انحرافة طفيفة في أول طريقه» كما لو حدث ذلك في قضبان القطار فإن الانحراف بزاوية ضيقة جدًا في الابتداء كفيل أن يبعده عن الهدف كلما سار على الطريق؛ وقد كان هذا بإدخاله في نظام حياة يختلف عن نظام الإسلام؛ ولهذا يقول: «الخطر الوحيد الذي يواجهنا أن يعرف المسلمون عقيدتهم؛ لأن هذا يشعل الإسلام في قلوبهم» .
ولهذا فإن المسلم لن ينتصر في أي معركة إلا حين يعلن عن موقفه، نحن لا نطلب المستحيل، على الأقل أن يعرف الإسلام فكرًا لا يشوه ولا يحرف ولا يخلط بغيره.
ثم نحن مع التيسير على قدر الطاقات لكن بشرط أن نسير في الطريق الصحيح هذا الطريق عليه منارات واضحة تهدي السائر عليه .. حتى وإن قابله جبل واستدار حوله فإنه سرعان ما يرى المنارة التي ترده إلى الجادة، ولهذا لو عرفنا ديننا حق المعرفة فستأتي الحركة؛ والحركة فيها النصر بإذن الله ـ تعالى ـ.
د . عبد الرحمن يسري:
تصحيح المنطلقات هي الخطوة الأولى على طريق الحل، والوعي الإسلامي وحده هو الذي يجعلنا أكثر انتباهًا للمخاطر المحدقة بنا؛ لأن الوعي الرأسمالي لا يثير أي شكوك بالنسبة للأساليب التي تنتهجها قوى العولمة للهيمنة على العالم، بل يضفي عليها هالة من القداسة بحيث يصعب معها التنبه إلى خطئها أو خطرها.
والمسلم ليس بالإمعة الذي يسير في ركاب الآخرين ولا يدري إلى أين يقاد، وحتى لا نكون كذلك علينا أن نتجاوز عقلية المنهزم ومرحلة التلقي السلبي وسياسة ردود الأفعال المجردة، لنصل إلى مرحلة الفعل.
لدينا آمال كبيرة، ومن يدرس تجارب النهوض في العصر الحديث سواء في ألمانيا واليابان بعد الحرب أو حتى في دول النمور الأسيوية يدرك أن الأمل ما زال كبيرًا إن عدنا بإسلامنا إلى المعترك؛ وحينها لن نبدأ من الصفر وإنما ننظر فيما فعلناه أولًا ونصححه ثم نبني عليه ثانيًا، وعلينا انتهاز الفرص، ولدينا مؤسسات قائمة نبحث كيف نستفيد منها.
ننظر في حاجاتنا الفعلية، وننظر في كيفية تلبيتها داخليًا بالنسبة لنا .. الاعتماد على النفس ربما كان قاسيًا في أول الطريق لكنه لن يكون بقسوة خضوعنا للغير سواء كان عولمة أو غيرها.
د . عبد الحميد الغزالي:
تكميلًا لكلام الزميلين العزيزين .. فإن النظرة الإسلامية للإنسان تعيد الاعتبار إلى رأس المال البشري، وهو رأس المال الحقيقي؛ لأن الإنسان هو القيمة الأرفع والأكثر أثرًا في عملية التنمية والإنسان الفاهم لدينه المستوعب لتغيرات عصره هو الإنسان القادر على النهوض الحقيقي في مواجهة أي خطر مهما كان وبأقل الإمكانات.
ولهذا فإن الاستثمار في هذا المجال استثمار استراتيجي وقائم على الإسلام، وإذا لم نستطع ترتيب بيتنا من الداخل قبل أن تطغى علينا العولمة بآلياتها ومفاهيمها وتطبيقاتها فلا أرى أملًا.