معظم الدول الإسلامية على مدى نصف قرن جربت استراتيجيات عديدة .. النمو المتوازن .. النمو غير المتوازن.. استراتيجية الدفعة القوية .. استراتيجية البعد الأدنى الحساس .. استراتيجية التغلغل .. استراتيجية الحاجات الأساسية .. استراتيجية الصناعات الثقيلة .. استراتيجية الطلب النهائي .. استراتيجية الانطلاق والنمو .. إلى آخر هذه الاستراتيجيات، وكانت النتيجة ـ بشهادة المنظمات الدولية المتخصصة ـ: مزيدًا من التخلف ومزيدًا من معاناة الإنسان، والسبب في ذلك هو أننا أهملنا العنصر الأساس وهو الإنسان.
د . عبد الرحمن يسري:
من الموضوعية أن نعترف أن الآثار السلبية للعولمة ستكون شديدة الخطورة، ومن ثم فإن الأمر يلح علينا لتدبر أمورنا تجاهها بسياسة اقتصادية حكيمة واجتهادات عميقة ترمي إلى تحقيق مصالح الأمة في إطار القواعد الشرعية الأصلية، وتقدم حلولًا لما يجدُّ من مشكلات.
ولا نعني أن تكون الحلول سهلة المنال، ولربما كانت موجعة، فالجراحة قد تكون صعبة ولكنها وسيلة الشفاء إن شاءه الله ـ تعالى ـ ولأن العولمة ليس لها سابقة في التاريخ ولا يستطيع أحد أن يقول: إن لديه سياسات اقتصادية جاهزة لمواجهتها، ولكن الإسلام معين لا ينضب وعلينا الاجتهاد.
البيان: ولكن الاجتهاد قضيةً ومفهومًا قد جمد في حقبة سابقة، وهو اليوم يتعرض للون من التحريف في مضمونه وفحواه .. نحن نؤكد على هذا الواجب ولكن المشكلة في: من؟ وكيف؟
أ . يوسف كمال:
الاجتهاد واجب الطليعة المؤمنة من العلماء المتخصصين كلٌ في مجاله، بأن تكشف عن حكم الله ـ تعالى ـ في قضايا العصر، وتعيد الأمة إلى مسارها بعد توضيح المعالم؛ لأن الشرع محكم ومن رحمة الله بنا وإحكامه لدينه أن الآية من القرآن يمكن أن تقيم نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وهنا نحتاج إلى اجتهاد هذه الطليعة لاستنباط ذلك.
نحن لسنا ضد الدراسات المتخصصة المتعمقة، ولكن عندما يتحدث العالم المسلم عن العولمة لا نريده أن يتحدث بمنطق العالم الثالث .. وإنما بمنطق: قال الله، وقال الرسول .. من منطلق الاتباع والأسوة والطاعة.
هذا هو مفرق الطريق!
نحن اليوم ـ ونحن نواجه العولمة ـ لا بد أن نضع كل شيء في نصابه، ولا يمكن أن تكون المواجهة في مجال واحد! المواجهة في كل المجالات. ولهذا لا بد من مشروع حضاري شامل يستوعب كل طاقات الأمة ويوحد بينها. إن ما ذكر عن جمود في العالم الإسلامي وتخلف سببه الأساس هو جهود الإنسان من داخله!
على سبيل المثال: السوق العربية المشتركة وهي هدف مقدم مطروح منذ عام 1956م وقبل السوق الأوربية التي طرحت عام 1957م؛ وها هي السوق الأوربية تجاوزت اليوم مرحلة السوق إلى مرحلة الوحدة، ونحن ما زلنا نقول: منطقة حرة أو اتحاد جمركي أو سوق مشتركة .. !
د . عبد الحميد الغزالي:
هنا أمر يجدر الإشارة إليه، ولا أحب أن يضيع في زحمة كلامنا .. وهو أن العولمة بصورتها الراهنة ليست قدرًا وليست شرًا محضًا، وإنما هي واقع جديد يُصنَع، ولا بد أن نتعايش معه بعقيدة المسلم وذكاء المسلم وحزم المسلم وحسمه.
نحن مع العولمة إذا ما كانت تعني التفاعل الحيوي بين شعوب الأرض .. نحن مع حرية التجارة، وحرية الانتقال التي تعني حريتنا أيضًا في كل ذلك؛ وحين نملك القرار سنملك التأثير.
ولهذا أقول: إن العولمة الصحيحة بضاعتنا ويجب أن ترد إلينا لكن من منظورنا الإسلامي، لكن لن نستطيع أن ندخل تنافس العولمة ومعتركها المفروض علينا إلا بتربية إسلامية صحيحة وتطبيق إسلامي في الاقتصاد وفي السياسة في الاجتماع وفي الثقافة .. وبدون هذا التطبيق لن نكون قادرين على مواجهة العولمة. نحن جربنا الاشتراكية فكنا مستهلكي شعارات، وجربنا الرأسمالية فكنا مستهلكي سلع.. فلماذا لا نجرب الإسلام لننفتح على العالم من دائرة التأثير لا التأثر.
نحن أصحاب الانفتاح الحقيقي ولا يوجد انفتاح في أي عقيدة سماوية أو أرضية مثل الانفتاح في الإسلام؛ فالحكمة ضالة المؤمن والأصل في الأشياء الإباحة، ولهذا فإن انفتاحنا على العالم سيكون له إسهامه في الحضارة.
وأود أن أشدد على ضرورة توحُّد الدول الإسلامية تجاه هذه الظاهرة، وأن نضع أيدينا في أيدي بقية الدول النامية للحصول على نصيب عادل من التجارة الدولية والعلاقات الاقتصادية الدولية. فلقد رفعت الدول النامية ـ دول السبع والسبعين ـ في أوائل الستينيات شعار «التجارة وليست المساعدة Tsade Not Aid» ؛ وذلك لأن المساعدة كانت ـ على عكس المأمول ـ عبئًا على التنمية وليست عاملًا مساعدًا لأحداثها. والآن ترفع الدول النامية شعار «عدالة التجارة وليس حرية التجارة» بمعنى أن حرية التجارة ـ باعتبارها جزءًا من ظاهرة العولمة ـ يتعين ألا تكون لصالح دولة واحدة أو حفنة قليلة من الدول المتقدمة.
د . رفعت العوضي:
العالم كله اليوم يتطلع إلى حل جديد وهو الذي يُعبَّر عنه بالطريق الثالث؛ لأن الشيوعية سقطت بالفعل، والرأسمالية في عولميتها تعيش أزمة خانقة رغم أن عمرها قصير وهو تسع سنوات لم يعدُ عمر طفل في المرحلة الابتدائية؛ هذا الطريق الثالث تكلَّم عنه كلينتون وتوني بلير وجاك شيراك ...
الإسلام يقدم أكفأ نموذج للطريق الثالث، ولو أننا جمعنا ما كتب عن هذا الطريق الثالث لوجدنا كأنهم يحومون حول الإسلام، وهذا يجعلنا نقول: على العالم الإسلامي أن يقدم الإسلام باعتباره الطريق الثالث الذي يبحث عنه العالم كله.
سنُسأل أمام الله ـ تعالى ـ إذا لم ننتهز الفرصة ونقدم الإسلام للعالم على أنه الطريق الثالث المنقذ؛ لأن الحرية المطلقة سببت الكوارث. والإسلام وحده هو الذي يقدم الحلول والضوابط في هذا المجال، والإسلام وحده هو الذي يربط التنمية بالتوزيع والعدالة الاجتماعية. الإسلام يقنن دور الدولة في الاقتصاد ولا نبالغ إذا قلنا: إن الإسلام هو سبيل النمو الذي يحتاجه العالم.
د . عبد الحميد الغزالي:
بعد سقوط الاشتراكية وتبني جورباتشوف البروستريكا التي أراد من خلالها أن يبحث عن طريق غير الرأسمالية؛ لأنه أعلم بمشاكلها، أرسل وفدًا إلى مصر ليدرس النظام الإسلامي للاستفادة منه، وشُكِّلت لجانٌ في مركز الاقتصاد الإسلامي التابع لجامعة الأزهر من المتخصصين، وعكفت هذه اللجان على صياغة برنامج متكامل للنظام الإسلامي في شكل بنود وفقرات قدمنا فيه نظامًا اقتصاديًا تشغيليًا يبدأ بفلسفة النظام والعمل والأجور ونظام الملكية المتعددة، الاستهلاك والاستثمار والادخار والشركات وصيغ الاستثمار والسياسة النقدية والسياسة المالية .. إلى آخر كل مكونات النظام الاقتصادي الفاعل..
وعندما قُدم هذا النظام للوفد تساءل رئيسه الوزير (بافلوف) : كيف يكون لديكم مثل هذا النظام وأنتم على هذه المسألة من التخلف؟! وأسندت أمانة المؤتمر الرد إليَّ، وكان ردي: «لأننا بعيدون تمامًا عن هذا النظام» .
ولكن توالت أحداث تفكك الاتحاد السوفييتي، ولم تُعطَ القيادة الروسية الفرصة للاستفادة من هذا المشروع الذي أصر الوفد الروسي على مناقشته تفصيلًا في جولة ثانية في موسكو.. إلا أن الجولة المقترحة لم تتم بسبب هذه الأحداث.
البيان: هل يمكننا ـ ونحن في إطار الحديث عن المشروع الحضاري بصفة عامة ـ أن نطرح تصورًا له في ظل مخاطر العولمة؟
أ . يوسف كمال: