إذا كنا نتحدث عن مواجهة فالمواجهة تحتاج بداية إلى إرادة، ولا إرادة بدون عقيدة؛ لأننا إذا نظرنا على سبيل المثال إلى الفجوة التقنية بيننا وبين الغرب والتي تتسع وتتسع فسنصاب باليأس؛ لأننا في حاجة إلى تكوينات رأسمالية وهي بدورها تتطلب فائض مدخرات كبير، وهذا الفائض يحتاج إلى زيادة الدخل وإلى ضغط الإنفاق! ومستحيل أن نصبح كروسيا؛ لأن الإنسان الروسي هو الذي هدم روسيا بسلبياته وعدم حرصه على مصلحة بلده.
إذن لا بد من عامل ذاتي يدفع الإنسان نحو مضاعفة عمله وضغط نفقاته؛ بحيث يكون على استعداد دائم لبذل أكثر مما هو مطلوب منه.
ليس شيء سوى العقيدة يصنع مثل هذه المعجزة، إذن العقيدة هنا يمكن أن تحدث الطفرة؛ لأنها تربي الفرد على المسؤولية في إطار جماعي وتحميه من الهزيمة النفسية والفكرية.
ثم تأتي بعد ذلك الشريعة لتضع له الضوابط العملية والتطبيقية التي توجه جهوده التوجيه الأمثل.
د . عبد الرحمن يسري:
لماذا لا يرفع المسلمون شعارًا واحدًا يوحد بينهم كما يرفع غيرهم من الشعوب الشعارات؟ الثورة الشيوعية رفعت من قبلُ شعار: «يا عمال العالم اتحدوا»
والأمريكيون رفعوا شعار: «بالله نثق» ، والفرنسيون رفعوا شعار: «حرية ـ إخاء ـ مساواة» والمسلمون يملكون الشعار الذي يوحد بينهم وهو كلمة الشهادة التي نرددها صباح مساء هذه الكلمة تمثل شعارًا حقيقيًا للإسلام عقيدةً وفكرةً ونظامًا، ويمكن من خلال توظيف مفهومها أن تستعيد الأمة ما فقدته حتى في ظل طغيان العولمة.
البيان: لكن كيف نترجم هذا الشعار إلى واقع حضاري عمومًا، واقتصادي خصوصًا؟
د . عبد الحميد الغزالي:
إذا تكلمنا عن المشروع الحضاري فلا بد أن ينقلنا هذا للحديث عن الثوابت التي ينبغي أن نحتكم إليها ونحن نواجه العولمة:
أولى هذه الثوابت: أن يكون مدخل التعامل عقديًا؛ لأننا إذا فقدنا المقياس ونقطة الانطلاق فستصبح الأمور كلها نسبية تقبل التسويغ واحتمال وجهات النظر المختلفة، أما إذا احتكمنا إلى العقيدة وانطلقنا منها فسوف يكون سعينا مطردًا بنّاءًا، ويكفي أننا نملك حينئذ المعية الإلهية.
وثانيها: أن تكون المصلحة الاقتصادية لأمتنا وأوطاننا هي المحرك الأساس لعملنا، وهذا لا يكون إلا بإرساء حرية الإنسان وإشراكه في العمل؛ فلا تهدر طاقة ولا تزيف إرادة، وإلا أحس الإنسان بالغربة، وهذا شعور قاتل لكل مبادرة .. و لكل عمل جاد.
ثالثها: سياساتنا الاقتصادية التي لا بد أن تنبع من خططنا المبنية على مصالحنا، أما خطط صندوق النقد والبنك الدولي فينبغي ألا تكون ملزمة.
رابعها: أن تكون حلولنا استراتيجية، بأن ننظر إلى عملية التنمية نظرة غير تقليدية، بأن نستفيد من فترات السماح المتاحة لاتفاقيات التجارة، وهي ما بين 5 ـ 10 سنوات، ويمكن أن تُمد عن طريق التفاوض حتى نقف على أرجلنا وهكذا..
د . عبد الرحمن يسري:
يمكن من خلال هذه الثوابت التي طرحها الدكتور عبد الحميد أن نطرح تصورًا لدور الدولة في الإسلام خاصة في مثل هذه الظروف، هذا الدور يتمثل في عدة واجبات يمليها الشرع على الدولة، هذه الواجبات كانت موجودة منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين ـ رضوان الله عليهم جميعًا ـ ويمكن لنا أن نطرحها بإيجاز:
1-واجبها نحو بناء الفرد المسلم الذي يعد العنصر الأهم في التنمية وفي المواجهة، وذلك عن طريق تربية الناس وتوعيتهم بواجباتهم وحقوقهم الشرعية، وضرورة تماسكهم قطريًا وعالميًا، وهذا يستدعي زيادة الإنفاق على التربية والتوعية الإسلامية في جميع المستويات التعليمية، وإحياء دور المسجد، وإعداد المناهج اللائقة بذلك.
2 -واجبها في إيجاد الكفاءات، وهو ما يمثل فروض الكفايات عن طريق وضع خطة تعليمية مركزية تتضمن برنامجًا زمنيًا تفصيليًا يبدأ بمحو الأمية، ويمتد للتوفيق بين برامج التعليم والتدريب وبين احتياجات سوق العمل حاضرًا ومستقبلًا، والارتقاء بالبحث العلمي من خلال توفير التقنيات الحديثة والعمالية، والتشجيع على البحث والإبداع والابتكار.
3 -واجبها نحو المال باعتباره قيمة إسلامية لها دورها العقدي والاقتصادي والاجتماعي، وهذه المسألة تمثل نقطة ارتكاز تفصل بين النظرة الإسلامية والنظرة المادية عمومًا، فتقوم بوظيفتها المالية من جمع الزكاة والصدقات والعشور وغيره وتصرفها في وجوهها حتى لا يكون المال دُولة بين الأغنياء كما تريد العولمة.
4 -واجبها نحو ضمان استقرار النشاط الاقتصادي الحقيقي بالإشراف على أسواق رؤوس الأموال وتنظيمها، وتنظيم تدفق رؤوس الأموال، وضمان الالتزام بالأحكام الشرعية واتخاذ الإجراءات الحاسمة لمنع الإخلال بالقواعد الشرعية.
5 -تنظيم الانتفاع بالموارد كالموارد المائية وأراضي الرعي والغابات والصحراء لصالح أبناء المجتمع وضبط عمليات التملك بما يضعف النفوذ الأجنبي.
6 -الابتكار في تشجيع الاستثمار؛ وعلى سبيل المثال من خلال المعاملة التفضيلية للشركات الأجنبية التي تسهم إسهامًا فعليًا في التنمية الحقيقية.
7 -ضبط التعامل مع الأسواق الأخرى من خلال مراقبة الواردات لضمان عدم مخالفتها للشريعة الإسلامية، وأخذ العشور وإدارة التجارة الخارجية بما يحقق المصالح، وعلى هذا الغرار تكون واجبات الدولة التي يمكن أن تتطور وفق هذه الواجبات بآليات أحدث.
د . رفعت العوضي:
التطورات الراهنة تفرض على الدولة مزيدًا من أدوار الحماية وإدارة الإنماء بطريقة ذكية وفاعلة تعتمد فيها على البحث العلمي والدراسة والتخطيط الجاد .. وقيام الدولة بهذه الأدوار يقلل كثيرًا من الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها في ظل العولمة .. وعلى سبيل المثال:
ـ الاتفاقيات الدولية الملزمة كاتفاقية تحرير التجارة تحتاج إلى دراسة متأنية ومتخصصة تتيح لنا معرفة عناصر القوة والضعف والثغرات في هذه الاتفاقية، كي تتمكن الدولة من توسيع مجال المناورة وتفسير هذه المواد بما يخدم مصالحها.
ـ تحتاج الدولة بدلًا من أن تغري الاستثمارات الأجنبية بالقدوم أن تنتهج سياسات تعيد الثقة بالاقتصاديات المحلية، بما يشجع الاستثمارات المهاجرة إلى الخارج على العودة إلى بلادها مرة أخرى.
-حماية الصناعات الناشئة من المنافسة الأجنبية وسياسات الإغراق من خلال فرض لون من القيود الجديدة التي تعتمد على المواصفات في الحيلولة من دخول الصناعات المنافسة.
ـ توجيه الدراسات الجامعية والأكاديمية الشرعية والمتخصصة إلى حل مشكلات الانفتاح والتحرير والبورصة بحلول عملية.
ـ تطوير القدرة التنافسية لصناعاتنا من خلال دعمها عن طريق الدراسات أو مساعدتها في فتح أسواق جديدة أمامها.
هذه الأدوار مجرد أمثلة على ما يمكن أن تفعله الدولة الآن.
أ . يوسف كمال:
السياسة الحمائية لها بُعْدٌ شرعي مهم يتمثل في تطبيق الشريعة؛ لأنه لا قيمة لوضع سياسات لحماية الصناعات دون حماية البنية التحتية التي يمتد إليها التمويل الأجنبي ليتلاعب بها، وأمامنا تجارب معاصرة تخلت فيها الحكومات عن الحماية الشرعية المتمثلة في تحريم الربا الواقع في عمليات الإقراض، وتحريم المقامرات التي تجري في البورصات، فكانت النتيجة أن أُتيَ الاقتصاد من حيث لم يحتسبوا والله قد ضمن لنا العصمة في التمسك بحبله؛ فلماذا النكوص؟!
د . رفعت العوضي:
مسألة التكامل الإسلامي، وكيف يمكن للدول الإسلامية اليوم أن تكمل في إطار هذا التكامل.