وقد تربى هؤلاء على العقيدة القومية ودعوا إلى الحرية في الأخلاق ليفلتوا من رقابة المجتمع, ودعوا إلى تحرير المرأة ولحاقها بالمرأة الغربية. ولم تقف هذه الفئة عند حد في تقليد المجتمع الأوربي وأبت إلا أن تخرج المجتمع الإسلامي من دائرة الإسلام وتقطعه عن ماضيه, وتعلن التلمذة على الغرب, والاستسلام لكل ما يأتي من عنده, حتى بلغ الأمر ببعضهم أن يقدس الغربيين, ويتباكى عليهم إذا كانوا مستعمرين للبلاد وأكرهوا أن يخرجوا منها.
فهذا طه حسين مثلا يكتب مقالًا وهو في مصر عند جلاء الفرنسيين عن سورية ينعى على السوريين كفرهم بالنعمة, وطردهم أساتذتهم ومعلميهم الحضارة, وولى الدين يكن يتوجس خيفة من زوال الاحتلال البريطاني عن مصر مرتعًا للجهالة والتخلف لولا وجود البريطانيين المتحضرين فيها.
وقد نفذت هذه المخططات إلى أعمق من ذلك, فوصلت حتى إلى المصلحين والكتّاب الإسلاميين الذين لم ينجوا من بعض آثارها.
فقد استطاع الغرب بخبثه ودسائسه أن يدفع بعض الأقلام المخلصة لتعريف بعض المفاهيم الإسلامية بنية الدفاع عن الإسلام ورد الشبهات عنه, فإذا كتب المستشرقون أن الإسلام انتشر بقوة السيف, حاولوا أن يجعلوا الجهاد في الإسلام دفاعيا, واجتهدوا في إقناع الناس بأن المسلمين لم يحملوا السلاح لنشر كلمة الله, كأنما نشر دين الله وحمل الناس على الحق عيب يستحي منه.
وإذا كتب المستشرقون الخبثاء أن الإسلام لا يقوم على العقل, جهد بعض الكتاب في أن يردوا ذلك, ويتجاوزوا الحد, فيخضعوا الشرع للعقل, ويفسروا المعاني الإسلامية تفسيرا عقليا بحتا, ونحن نعلن أنه لا تناقص بين الإسلام والعقل السليم, ولكن الإيمان بالله يوجب علينا أن نخضع العقل للنص في الأمور التي يصعب على العقل إدراكها وتفسيرها.
كما حاول بعض المصلحين التقريب بين الإسلام والفكر الأوربي الحديث, ليجعل من الإسلام في رأيه دينا تقدميا يقبله النشء الجديد من المسلمين؛ لأنه لا يتنافى مع العقل والمدنية الحديثة. ورأوا المسلمين متخلفين في ميادين العلوم, وأرادوا لهم التقدم ومجاراة المستعمرين في قوتهم المادية, فدعوا إلى الأخذ بالثقافة الغربية الحديثة, ودعوا إلى عدم التخوف منها, فهي كلها خير, والتاريخ الحديث يخبرنا مثلا عن أحمد خان في الهند الذي رأى أن الثقافة الأوروبية هي سبب تفوق الأوروبيين, فدعا المسلمين في الهند إلى التعلم في مدارس الإنكليز وأدار الجامعة الإسلامية البريطانية في (عليكرة) , وأرسل ابنه إلى الجامعات الإنكليزية لينهل منها, ولم ينتبه إلى ما في الفكر الأوربي من انحراف وتناقص مع منهج الإسلام وحقائقه, وهدم للشخصية الإسلامية التي حرص الإسلام على استقلالها, فساهم أحمد خان بهذا في هدم هذه الشخصية الإسلامية التي كانت مصدر قلق كبير للإنكليز.
وأنا لا أعني أن نبقى جهالا, وأن لا نستفيد مما عند الغربيين من رقي مادي وتقدم علمي, فالعلم فريضة, ولكن علينا أن نعرف ما نأخذ وما ندع, علينا أن نحسن الاختيار في اقتباسنا, ولا نتهالك على ما عند أعدائنا كما يتهالك الفراش على النار الموقدة. فنحن يمكننا أن نأخذ من الأوروبيين وغيرهم العلوم البحتة كالكيمياء والفيزياء والطب والصناعة وغيرها مما هو نتاج الفكر وحده, فهذا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:"أنتم أعلم بأمر دنياكم". أما ما يتعلق بتصور المسلم عن الحياة والكون والإنسان, وغاية وجوده, وما يتعلق بالمبادئ والشرائع, وما يتعلق بالأخلاق والعادات والقيم والمفاهيم التي تكّون ملامح المجتمع المسلم, فهذا كله لا يجوز أن نأخذه عن الغربيين, ونتلمذ فيه عليهم؛ لأن هذا كله يكون شخصية المسلم ونظرته للحياة, ولا يجوز للمسلم أن يتلقى هذا إلاّ عن ربه, ولا يعتمد في تعلم ذلك إلا على مسلم يثق بعلمه وتقواه, أَوَلَمْ يُنبِّهُنَا الله تعالى إلى خطر الأخذ في مثل هذا عن أهل الكتاب لأنهم ضالون؟ أَوَلَمْ يسمع المسلمون لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} . إن هؤلاء الغربيين انحرفوا عن الحق حين أعرضوا عن ربهم, وكفروا بالآخرة, ولم يريدوا في تفكيرهم إلاّ الحياة الدنيا, لذلك جاءت حضارتهم منحرفة لا يجوز اتباعها, والثقة بها, والله تعالى يقول: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا, ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ, إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} .
ولو أخذ المسلمون عن الغربيين ما عندهم من علوم مادية بحتة, واعتمدوا في دراسة العقائد والشرائع والأخلاق والعلوم النفسية والاجتماعية على ما عندهم من مصادر إسلامية لتقدمت البلاد الإسلامية في المجال المادي دون أن تقع فيما وقعت فيه من فساد العقيدة, وانحلال الأخلاق, وضعف الشخصية, مما زاد في تفكك المجتمع الإسلامي وتخلفه.
فالاستعمار الفكري الذي توغل في بلاد المسلمين وكان له أثره الكبير فيها, كان إذًا أخطر من الاستعمار العسكري؛ لأن الاستعمار العسكري مكشوف واضح لكل ذي عينين, وهو يحمل في طبيعته كراهيته, ويدفع الأمة المستعمرة بما فطر الإنسان عليه من حب للحرية والكرامة إلى أن تحاربه وتحاول التخلص منه.
لذلك لم يستطع الاستعمار العسكري أن يدوم طويلا في بلاد المسلمين لأن الإسلام بما يغرسه في نفوس المسلمين من روح الجهاد وحب الشهادة في سبيل الله, وبما يزرعه في أذهان المسلمين من أنّ المشركين نجس, وأنه يحرم على المسلم أن يخضع لحكم كافر, وأن عليه أن يجاهده ويقضي عليه ما وجد إلى ذلك سبيلا,كل هذا كان كافيا في أن لا يمكن للمستعمرين, ولا يديمهم طويلا في بلاد المسلمين.
إذا كان هذا الشأن الاستعمار العسكري, فإن الاستعمار الفكري يختلف كثيرا عنه, فهو كالشرك الخفي, أخفى من دبيب النمل, وهو أشد إيذاء وفتكا بأبناء البلاد المستعمرة؛ لأنه يجعل من أبناء البلاد أعوانا للمستعمرين دون أن يشعروا بجريمتهم, وهم بدورهم أشد جرأة على هدم شخصية الأمة وتحطيم بنيانها من المستعمرين الغرباء.
وقد استطاع أعداء الإسلام على يد تلامذتهم الفكريين أن يحطموا وحدة العالم الإسلامي, ويهدموا بنيان أخلاقه وعقيدته, فإذا الروح القومية تجعل المسلمين دويلات يسهل على المستعمرين اقتسامها, وإذا تحررت المرأة من حيائها, وتحرر الرجل من أخلاقه, يهدم في المسلمين تماسكهم, ويميت روح الجهاد في نفوسهم, فيميلون إلى تخنث, والاستمتاع بالدنيا شهواتها, وإذا باحترام المسلمين للغربيين والشعور بالنقص أمامهم وأمام حضارتهم الزائفة يجعل من المسلمين تلاميذ متواضعين, يقفون كالمتسولين, يأخذون كل ما تجود به فضلات موائد المستعمرين من أفكار هدامة وفلسفات منحرفة وأنظمة مخالفة لطبيعة البلاد الإسلامية.
ويقف المسلمون المخلصون متألمين, بينما يبيت المستعمرون الخبثاء ناعمي البال, وقد حمل عنهم بعض المسلمين الأغبياء التهديد والتخريب وكفوهم مؤونة الحرب.
وهكذا نرى أن استعمار أفكار الأمة أخطر من استعمار بلادها, ومرافقها العامة, وأن الدول الأجنبية مهما ملكت من طاقات جبارة لا تملك أن تخطط للمسلمين وأن تقودهم وفق مصلحتها بشكل أفضل مما يقوم به العملاء المنحرفون من خدمة لهذه الدول الأجنبية والعمل في مخططاتها.