وإن لدى الأعداء بضاعة يقدمونها ويصدرونها إلى الضعاف وهي كل ما يسلب الأخلاق ويدمر القيم ويذل الأمة ويخدر شبابها ويميع أبناءها وكثيرا من الدويلات تظن نفسها من التحضر والتقدم بمكان بينما أبناؤها عبيد أرقاء شاءو أم أبوا تشهد على ذلك مدارسهم، ومناهجهم، ومكاتبهم، وبيوتهم، وأسواقهم ومجتمعهم، ومحاكمهم قوانين فرنسية ومحاكم دستورية فرنجية وتقليد للمستعمر في اللباس والقيافة وفي العمارة والتشييد وفي الكلام واللغة والاستهتار والانحلال وفي التخلى عن الروابط الاجتماعية والجرأة على المحرمات الشرعية.
لقد كان غزوهم شاملا في العقائد، والسياسة، والحكم، والاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والتقاليد. هجوم من الخارج تارة ومن الداخل تارة أخرى فمن أبناء جلدتنا من هم أبواق للمستعمرين ودعاة للكافرين والملحدين.
يقول بعض زعماء اليهود: (لقد نشرنا روح التحرر الكاذب بين الشعوب الغيورة لإقناعهم بالتخلى عن دينهم بل استطعنا تثبيت الشعور بالخجل من الإعلان عن تعاليم الدين وأوامره ونواهيه)
فيا أمة الإسلام كسري هذه الأغلال وحطمي قيود الاستعمار.
فإن في ديننا الإسلامي غنية ورفعة قال تعالى { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }
وقال تعالى أيضا { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } أي شرفكم وعزتكم فلتكن أيها المسلم خلقك القرآن، ومنهجك الإسلام، وشريعتك وأحكامك الفرقان، ولتكن مميزا في لباسك وبيتك وسلوكك وفي كل شئون حياتك تظهر عليك علامات الإسلام وأمارات التقوى وصفات المسلم الذي يعتز بالقرآن ومثله وقدوته محمد عليه الصلاة والسلام
وللحديث بقية.
في مواجهة الغزو الفكري: خرافة تأثير الفقه الروماني في الفقه الإسلامي
يزعم بعض المستشرقين الحاقدين على الإسلام أن الفقه الإسلامي في العصور الأولى حين اندفع المسلمون في الفتوحات قد تأثر بالفقه الروماني، والقانون الروماني. وقالوا: أن الفقه الروماني كان مصدرًا من مصادر الفقه الإسلامي. ويستدلون على قولهم بأنه كان في بلاد الشام مدارس للقانون الروماني عند الفتح الإسلامي على سواحل بيروت وفلسطين، ومحاكم تسير في نظامها حسب القانون الروماني، واستمرت بعد الفتح الإسلامي مما يدل على إقرار المسلمين لها، وأيدوا نظرتهم بافتراضات. فقالوا: عندما فتح المسلمون بلاد الروم نظروا بِمَ يحكمون؟ ثم اقتبسوا من أحكام الرومان. هذا ما يزعمه المستشرقون وهذه الأقوال فاسدة لعدة أسباب:
أولًا: لم يروِ أحد عن المسلمين، لا المستشرقون ولا غيرهم أن أحدًا من المسلمين قد أشار إلى القانون الروماني لا علي سبيل النقد ولا التأييد، ولكن الفقه الروماني لم تترجم منه أية كلمة مما يدل على الجزم أنه قد أُلغي وطمس.
ثانيًا: في الوقت الذي يزعم المستشرقون أنه كان في بلاد الشام مدارس للفقه الروماني، كانت الشام غاصة بالمجتهدين. واجتهادهم وأحكامهم مأخوذة من الكتاب والسنة مثل الإمام الأوزاعي في بيروت. ففي الجزء السابع من كتاب الأم للشافعي أحكام للأوزاعي نستطيع الاطلاع عليها وتبيان بُعدها عن الفقه الروماني.
ثالثًا: المسلمون يعتقدون أن أي حكم غير حكم الإسلام هو حكم كفر يحرم عليهم أخذه. والمسلمون الأوائل فتحوا البلاد لإنقاذ أهلها من حكم الكفر فكيف يأخذونه وقد جاؤوا ليزيلوه ويضعوا مكانه حكم الإسلام.
رابعًا: المتتبع للتاريخ في بلاد الشام يرى أن سكان بلاد الشام من أهل الذمة قد اعتنقوا الإسلام عن رضًا مما يدل على أن المجتمع الروماني تأثر بالفكر والفقه الإسلامي حيث أن الفكر الأقوى هو المؤثر.
خامسًا: سؤال الرسول لمعاذ حين أرسله إلى اليمن بم تحكم؟ وإجابة معاذ له: بكتاب الله ثم بسنة رسوله ثم اجتهد رأيي أي أقيس على القواعد من الكتاب والسنة.
والحقيقة، والواقع المحسوس، أن الفقه الإسلامي أحكام مستنبطة من الكتاب والسنة أو ما أرشد إليه الكتاب والسنة وأن الحكم أو الفقه إذا لم يكن مستندًا إلى دليل شرعي لا يعتبر من أحكام الإسلام ولا يعتبر من الفقه الإسلامي
عبد الرحمن المأمون
ركائز الخطاب الإسلامي المعاصر
يستحوذ الخطاب الإسلامي المعاصر اليوم على عقول النخب المثقفة والسياسيين والمفكرين والعلماء، حيث تعقد المؤتمرات، وتنشر الأبحاث، وتدور النقاشات تحت شعار النهوض بالخطاب الإسلامي المعاصر والارتقاء به ليواكب متطلبات الحياة الحديثة، ويتماشى مع روح العصر، ويتجاوز السلبيات التي حالت دون أن يتبوأ الصدارة والريادة في شتى ميادين الحياة.
إن المتتبع لما يصدر من أبحاث وأوراق عمل، والمحلّل لما يصدر من توصيات عن المؤتمرات المعنية، والسابر لأغوار هذه المؤتمرات والقوى المتحكمة فيها، يخلص إلى وجود طرفين فاعلين يعملان في هذا المجال، أحدهما مخلص نزيه غيور يتطلع إلى الارتقاء بالخطاب الإسلامي المعاصر بقصد مواجهة الحملة الفكرية الشرسة التي يقودها الغرب ضد أفكار الإسلام وأحكامه، مع الحفاظ على تميّز الإسلام، ورفض التنازل عن أي جزئية دلّ الدليل الشرعي على صحتها، كما يسعى هؤلاء إلى إبراز عظمة أحكام الإسلام وسمو عقيدته، إلا أن هذا الطرف يتعرض لضغوط شديدة للحيلولة دون ظهوره وانتشاره عبر وسائل الإعلام أو أي منبر خطابي.
أما الطرف الآخر فهو على النقيض، حيث يسعى أربابه إلى ابتداع خطاب إسلامي معاصر يتماشى وأذواق الحكام، وينسجم مع تطلّعاتهم، ولا يصطدم مع الهيمنة الغربية فكريًا وسياسيًا، وبالتالي انتهج أنصاره سبل تأويل النصوص، ولي أعناق الأدلة، والإتيان بقواعد قالوا إنها أصولية، لكنها تفتقر إلى الدليل أو حتى إلى شبهة الدليل، وقد سُخّرت وسائل الإعلام بجميع أشكالها لهذا الطرف طمعًا بانتصاره بحبل من الأنظمة وحبل من وسائل الإعلام.
فتجديد الخطاب الديني، والنهوض بالخطاب الديني المعاصر، وسلبيات الخطاب الإسلامي المعاصر، كل هذه العناوين وما شابهها تجمع على أن الخطاب الإسلامي يحتاج إلى طرح أفكار ومعالجات حياتية ليتصدر موقعه الريادي، ويوجه العقول سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وفكريًا بالشكل الذي يريده كل طرف من الطرفين المتصدرين والموجهين لهذا الخطاب.
والراصد لفعاليات الطرف الثاني من لقاءات وحوارات ومؤتمرات يخلص إلى أن الجهود تنصبّ على ثلاث ركائز أساسية تستند عليها الأهداف، وتنكشف بانكشافها الغايات، فالخطاب الإسلامي المعاصر حسب أولويات البحث عندهم يشمل المباشر للخطاب -أي العالم أو الداعية- وصيغة الخطاب ومادته، وأخيرًا يشمل المتلقي للخطاب.
وبما أن المباشر للخطاب هو ركيزة هامّة من ركائز الخطاب الديني فإنهم يشترطون حصوله على شهادة في العلوم الشرعية من جامعة معتبرة أو معهد معترف به، ناهيك عن ضرورة عقد دورات التأهيل والتوجيه لهؤلاء الدعاة، وبالتالي يتم اختزال الدعاة في حشد من الموظفين، يسهل انقيادهم، ويهون تطويعهم. والذي يمهّد طريقهم رغم اعوجاجها، أن النخبة المتميزة من الطلاب المتفوقين الحاصلين على أعلى الدرجات في معظم البلاد الإسلامية تتوجه لدراسة الطب والهندسة والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا بدل إقبالها على دراسة العلوم الشرعية.
أما الخطر الكامن في هذا المنهج والبلاء المستتر بعباءة هذه السياسة فيمكن تلخيصه بما يلي:
أولًا: منع حملة الدعوة المخلصين مخاطبة الناس جماهيريًا، والحيلولة دون اعتلائهم المنابر، أو بروزهم عبر وسائل الإعلام.