فهرس الكتاب

الصفحة 2763 من 3028

والظاهر أنه مصدر صناعي دال على معنى مجرد لم يكن يدل عليه قبل الزيادة وهذا المعنى المجرد الجديد هو مجموعة الصفات الخاصة بذلك اللفظ كإنسان وإنسانية وحزب وحزبية وحجة وحجية, وعمل وعملية [انظر النحو الوافي لعباس حسن: 3/186] إلخ..

والشهادة القتل في سبيل الله, واستشهد استفعل من الشهادة, أي تعرض لأن يقتل في سبيل الله.

وعليه فإنّ العمليات الاستشهادية: أعمال خاصة يقوم بها المجاهد تعرضه للقتل في سبيل الله عز وجل.

فإذا كانت العمليات الاستشهادية معنى يدل على مجموعة من الصفات الخاصة المكتسبة بتحويل اللفظ إلى مصدر صناعي فإنّ من أهم الصفات التي تحقق هذا المعنى السامي الذي يكسب صاحبه استنزال النصر من عند الله ويتخذ من قبل الله شهيدا أن يتحلى القائم بهذا العمل: بالتقوى, وعفة النفس والوفاء بالعهد, والإخلاص لله, وتجنب البغي والانتقام عند الظفر, فلا يكون بَطِرًا ولا مُرائيًا للناس, ولا خوّارًا, بل يكون مقداما صبورا عند اللقاء, وغير متهور وهذه صفات تدل عليها نصوص شرعية واضحة ترشد المجاهد الذي يريد إعلاء كلمة الله. فأين هذا من الذي يريد الانتحار؟ فإنّ المنتحر لا يحتاج لتعريض نفسه لمخاطر الوقوع في كيد الأعداء بل له طرق عدة يتخلص بها من نفسه من غير عنت الإعداد فالذي يقوم بالعمليات الاستشهادية له صفات خاصة وأخلاق خاصة ومبادئ تحكمه, ووعد من الله صادق ينتظره (( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ) ) [سورة التوبة: 52] .

أقسام العمليات الاستشهادية:

إنّ المقصد الأصلي للجهاد هو إظهار الدين, وإنّ الاستشهاد ثمرة من ثمرات الجهاد وليس مقصودا لذاته, ومع كونه ثمرة من ثمرات الجهاد, فهو يتضمن مقصدا آخر وهو أن حب الاستشهاد والسعي إليه سبب من أسباب النصر, وهنا يظهر الغرض من الأدلة المحرضة على طلب الشهادة والمغامرة والمجالدة, يظهر لك أنّ الشهادة ثمرة من ثمرات الجهاد لإعزاز دين الله.

وغاية من الغايات لكونه وسيلة من وسائل النصر وإرهاب العدو وأنه موصل إلى الدرجات العلا والنعيم المقيم في الآخرة.

فأصبح بذلك سببًا من الأسباب ونتيجة من نتائج الجهاد باعتبارات مختلفة، فافْهمْ ذلك!

ولتوضيح هذا المدخل أقول:

حب الاستشهاد له أثره في النصر؛ لأنّ تمني الشهادة والحرص عليها من أعظم ما يدفع المؤمن إلى الإقدام في القتال, ومن هنا كانت الشهادة ورقة النصر في الدنيا, كما أنها وثيقة دخول الجنة في الآخرة.

قال الله تعالى: (( إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) ) [سورة التوبة: 111] .

والحرص على الشهادة يعوّض نقص العدد والعدة, وعمليات"الدبابين"التي وقعت في السودان خير مثال شاهد كما هو كثير في عهد السلف الصالح كما أنّ هذا الحرص يرهب أعداء الله؛ لأنهم على النقيض من ذلك, فالكافرون أشد الناس حرصا على الحياة كما بيّنه الله عز وجل في كثير من الآيات, عكس الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرات لما يرى من الكرامة للشهداء كما ثبت في السنة.

وهنا ينبغي التنبيه على أنّ حب الاستشهاد جزء من سياسة الردع الذي هو مبدأ من أهم مبادئ الجهاد, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نُصرت بالرعب مسيرة شهر) [رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه] ، باعتبار عدم الخصوصية لأنه ذكر قول الله تعالى: (( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ) ) [سورة آل عمران: 151] ، ومن الآيات الدالة على سياسة الردع قوله تعالى: (( فإما تثقفنّهم في الحرب فشرِّد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ) ) [سورة الأنفال: 57] .

ويتحقق مبدأ الردع بالعمل على محورين:

· الأول: المحور الكمي, وهو المعني بقوله: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) ) [سورة الأنفال: 57] ، والردع في الآية ظاهر في قوله: (( ترهبون به عدو الله ) ).

ووسيلته القوة, ومفردات هذه القوة: مال ورجال وسلاح.

· الثاني: المحور الكيفي وله شقان:

-شق مادي برفع الكفاءة القتالية للفرد المسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) [رواه مسلم] .

-وشق معنوي: بغرس مفاهيم حب الاستشهاد والصبر في نفوس المؤمنين، قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ) ) [سورة آل عمران: 200] وقال تعالى: (( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ) ) [سورة النساء: 104] . وقوله صلى الله عليه وسلم: (واعلم أنّ النصر مع الصبر) [انظر العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله تعالى: 314 وما بعدها] .

وأنت تعلم أنّ الصفات التي يتسم بها المجاهد المسلم من امتثال الأوامر واجتناب النواهي جزء لا يتجزّأ من سياسة الردع؛ لأنه بالتقوى يكون من جند الله وجند الله هم الغالبون, فإذا علمت هذا فإن الحديث عن الانتحار في حق المجاهد يتعارض مع مقصدهم. والعلم عند الله.

وبعد هذا يحسن بنا الحديث عن أقسام العمليات الاستشهادية:

القسم الأول: ما لا إشكال فيه أنه من قبيل الاستشهاد:

يتمثل هذا النوع من العمليات الاستشهادية التي يعزم القائمون بها على الشهادة, وذلك عن طريق الاشتباك مع العدو في قتال بقصد إلحاق الضرر به, إما بإيقاع الإصابات في صفوفه من قتل, وجراح, أو بث الرعب والقلق في نفوس مقاتليه ورعاياه, وتجرئة المسلمين عليه, مهما بلغت قوة هذا العدو, ولو قدرت في ميزان القوة المادية بأضعاف القوة الإسلامية التي تتصدى له, بل ولو جابه الفرد المسلم ألفًا من الكفار، وهذا النوع من العمليات هو القتال المبرور, والمقتول فيه شهيد في الدنيا والآخرة إن شاء الله. والأدلة في هذه المسألة:

1.ما جاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك صلى الله عليه وسلم: (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش. فلما رهِقُوه [أي المشركون. ومعنى(رهقوه) غَشُوه وقَرُبُوا منه. شرح مسلم للنووي: 7/340] قال: من يردهم عنا وله الجنة, أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل: ثم رهقوه أيضا, فقال: من يردهم عنا فله الجنة, أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل, فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: (ما أنصفْنا أصحابنا) [معناه ما أنصفت قريش الأنصار؛ لكون القرشيين لم يخرجوا للقتال, بل خرجت الأنصار واحدًا تلو الآخر, وقد روي ما أَنَصَفَنَا بفتح الفاء والمراد على هذا الذين فروا من القتال فإنهم لم ينصفوا لفرارهم: 7/430-431] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت