2.وروى أبو داود في سننه وغيره عن أسلم بن عمران, قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة, فحمل رجل على العدو فقال الناس: مَهْ, مَهْ, لا إله إلا الله يُلقي بيده إلى التهلكة, فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار, لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام, قلنا هلمّ نقيم في أموالنا ونصلحُها, فأنزل الله (( وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ) [سورة البقرة: 195] فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد, قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب مجاهدًا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) [الحديث رقم: 2512] .
3.وروى أبو داود أيضًا عن ابن مسعود في باب الرجل الذي يشري نفسه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم) يعني أصحابُه (فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق دمه فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه) [الحديث رقم: 2536] .
4.وروى مسلم في صحيحه قصة أصحاب الأخدود, وفيه أنّ الغلام هو الذي دلّ الملك على طريقة قتله رجاء أن يُسلم الناس فحصل ما رجاه فقال الناس جميعًا: آمنا برب الغلام.
5.قال الشافعي متحدثًا عن جواز الاقتحام ولو أدى إلى مهلكة:"ألا ترى أني لا أرى ضيقًا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا أو يبادر الرجل وإن كان الأغلب أنه مقتول, لأنه قد بودر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بما في ذلك من الخير فقتل" [الأم: 4/169] .
القسم الثاني: أن يموت القائم بالعملية بسلاحه:
هذا النوع من العمليات نحو أن يضع المجاهد في سيارته بعض القنابل أو المواد المتفجرة, أو يحيط جسمه بحزام منها ثم يقتحم على الأعداء مقرهم بقصد القضاء على العدو الذي أمامه ولو عن طريق التضحية بنفسه. هذا النوع من العمليات يظهر من الأدلة أنه أكثر وضوحا في الجواز من مسألة التترُّس التي لا يختلف الفقهاء في جوازها إذا كان الترك يؤدي إلى ضرر أعظم.
وجوه جواز العمليات الاستشهادية:
الوجه الأول:
إنّ الإمام البخاري في كتاب الجنائز من صحيحه ترجم بقوله: باب ما جاء في قاتل النفس. ولم يورد في الباب حديثا في حكم القاتل لغيره بغير حق مع أنه هو المتبادر ولكنه ذكر أحاديث في حكم من قتل نفسه.
فقال الشارحون له؛ مقصود الترجمة حكم قاتل النفس, والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه, فهو أخص من الترجمة, ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب أولى؛ لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعدّ ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فأولى من ظلم غيره بقتل نفسه.
قال ابن المنيّر: عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة كأنه ينبه على طريق الاجتهاد [انظر فتح الباري: 3/226] . وعليه فإنه إذا كان جائزا قتل الغير من المسلمين أو غيرهم ممن لا يجوز قتلهم في مسألة التترس لدفع ضرر أكبر فإنه يجوز تعاطي ما يكون سببًا في قتل نفس القائم بالعملية من باب أولى لأن ضرره غير متعدٍّ وأنت تعلم أنّ هذا النوع من القياس هو محل اتفاق عند العلماء حتى نفاة القياس اعتبروه وإن اختلفوا في تسميته. فمنهم من سماه دلالة نص, ومنهم من سماه مفهوم موافقة إلى غير ذلك.
الوجه الثاني:
إنّ المحافظة على النفس مقصد من مقاصد الشرع, وأنّ إلغاء اعتبارها وتعريضها للقتل, بل التحريض على الاستشهاد سببه المحافظة على مقصد أعظم منها, وهو الدين, وأنّ تعريض النفس لا يشرع إذا لم تحقق المخاطرة بالنفس نكايةً بالعدو, أو تجرئة المسلمين عليهم, أو إرهابهم أو تخويفهم من الاعتداء على المسلمين، وأنّ مناط الحكم ليست الآلة التي قُتِل بها, أو على يد من قُتِل, بل أساس مشروعية الإقدام هو تحقيق الأغراض المذكورة أو طلب الشهادة, وإلا لم يصحَّ شهادة من قتله سيفه, كما روى أبو داود عن سلمة بن الأكوع قال:"لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا فارتد عليه سيفه فقتله فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وشكّوا فيه: رجل مات بسلاحه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذبوا مات جاهدًا مجاهدًا فله أجره مرتين) " [السنن: 3/20] .
وأخرج أيضًا عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغرنا على حي من جهينة, فطلب رجل من المسلمين رجلًا منهم فضربه فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أخوكم يا معشر المسلمين) فابتدره الناس فوجدوه قد مات, فلفَّه رسول الله بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه, فقالوا: يا رسول الله, أشهيد هو؟ قال: (نعم وأنا له شهيد) [السنن: 3/21] .
قد يعترض معترض بأن هذا قد أخطأ! ولكن نقول نعم قد أخطأ والخطأ رافع للإثم فقط في مثل هذا, ولكن تحقق الشهادة يدل على أنّ مناط الحكم ليس بِمَ قُتل ومَن قتله؟ إنما مناط الحكم ماذا نوى بقتاله وما الذي يحققه من ورائه, وحديث الفقهاء عند الفرد الذي يريد اقتحام الجيش يدلّ على هذا, والسبر والتقسيم أيضا يدل على أنّ مناط الحكم هو ماذا قصد, وما الذي يجنيه من وراء استبساله؟ والعلم عند الله.
الوجه الثالث:
إنّ السلف الصالح قد قاموا بعمليات استشهادية جمة في محضر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده, بكيفيات مختلفة ووسائل شتى مما يدل على أنهم فهموا من خلال النصوص الشرعية والتربية العملية من النبي عليه الصلاة والسلام, أنّ النفس البشرية ملك لله تعالى, وهي أمانة عند الإنسان, فإذا بذلها في سبيل الله فقد أدى الأمانة إلى صاحبها على أي وجه كان هذا الأداء, وإن بذلها لغيره فقد خان الأمانة لذلك فرقت النية بين من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا, وبين من قاتل شجاعة أو حمية وإن اتحد طريق القتال بين الشخصين, فقد قاموا بعمليات استشهادية بالوسائل المتاحة عندهم ولم يتوقفوا عند وسيلة إذا كانت الأخرى أجدى في تحقيق الغرض ونكاية العدو, وإليك بعض الأمثلة:
1.إنّ بعض الصحابة يقدم نفسه دفاعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في قصة الأنصار السبعة الذين فدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الواحد تلو الآخر، وذلك في يوم أُحُد.
2.إنّ أبا طلحة رضي الله عنه وضع نفسه ترسًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى شُلت يده [رواه البخاري] .
3.وفي اليمامة لما تحصن بنو حنيفة في بستان مسيلمة الذي كان يُعرف بحديقة الموت, قال البراء بن مالك لأصحابه, دعوني في الجحفة وألقوني إليهم فألقوه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب للمسلمين [رواه البيهقي في سننه الكبرى: 9/44] .
4.ما جاء بأنّ عسكر المسلمين لما لقي الفرس, نفرت خيل المسلمين من الفيلة, وذلك في وقعة الجسر, فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه, فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل, فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له: إنه قاتلك. فقال: لا ضير أن أُقتل ويفتح للمسلمين [تفسير الطبري: 2/363] .
5.وفي الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت.