والعيد يتضمن تهذيب الخلق وتقويم السلوك، وذلك بالترغيب في الصبر والاحتمال والحلم والتواصل في هذا اليوم والتسامح وتطهير القلوب من الغل والحسد والضغائن؛ لأنه يوم فرح وأخوة إسلام. والعيد يتضمن الترابط الأخوي بين المسلمين والتكافل الاجتماعي، وذلك بأداء زكاة الفطر قبل الصلاة لقوله: (( أغنوهم في هذا اليوم ) )يعني: الفقراء. رواه الدارقطني من حديث ابن عمر.
والعيد يتضمن يسر الإسلام وسماحته، ففي هذا اليوم أوجب الله الفطر وأباح الطيبات، كما هو الحال قبل الصيام في إباحة الطيبات، ولكن الإسلام ربط ذلك بالأصل الكبير وهو الإيمان والاستسلام لرب العالمين، وافتتح فرح العيد وسروره والتمتع بالطيبات فيه، افتتحه بصلاة ركعتين لله تعالى؛ حتى لا ينساق المسلم وراء لذاته وينسى ربه الذي رباه بالنعم وصرف عنه النقم، قال الله تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:87، 88] .
وزمن العيد وقت لتنزّل الخيرات والبركات والرحمة واستجابة الدعوات، فعن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: (( إذا كان يوم عيد الفطر هبطت الملائكة على أفواه السّكك ينادون بصوتٍ تسمعه الخلائق إلا الجن والإنس: يا أمة محمد، اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل، فإذا برزوا إلى مصلاهم، قال الله تعالى: يا ملائكتي، ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ قالوا: إلهنا وسيدنا أن توفيه أجره؟ قال: فإني جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم مغفرتي ورضواني، وعزتي لا يسألوني في جمعهم هذا للآخرة شيئًا إلا أعطيتهم، ولا لدنياهم إلا نظرت لهم، انصرفوا مغفورًا لكم ) )قال مورق العجلي: فيرجع قوم من المصلى كما ولدتهم أمهاتهم. فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة. رواه الطبراني.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون، في هذا اليوم العظيم أي: في يوم عيد الفطر يجتمع المسلمون في جميع أقطار المعمورة يجتمعون لصلاة العيد، وهناك حينما يجتمعون تبرز الوحدة الإسلامية في أبهى ثيابها وكذلك في أروع صورها، وذلك لأنه يحضر ويجتمع في المصلى الصغير والكبير والعبد والذكر والأنثى وكذلك أيضًا الرئيس والمرؤوس، لا فارق بينهم، يجتمع الأسود مع الأبيض والأبيض مع الأسود على اختلاف اللغات وعلى اختلاف الألوان، وإنها لوحدة عظيمة. هذا اليوم يوم مشهود من أيام المسلمين، يوم عيد وفرحة وسرور، يوم يغتاظ منه الكفار وأعداء الدين، إنه فرصة ـ عباد الله ـ لإزالة الضغائن والأحقاد من القلوب، فدعوا الضغائن لا تكن من شأنكم؛ لأن الضغائن والأحقاد تقضي على الأمة الإسلامية، وتوهن بناءها، وتقوض أركانها، إنها سبب لِمَرض القلوب وتباعدها وتنافرها، إنها ـ عباد الله ـ تنخر في جسم الأمة الإسلامية كما ينخر الدود في العظام البالية، وإذا رأيتم ما يثير الضغائن والأحقاد بين أكثر المسلمين اليوم على مستوى المجتمعات والدول والأفراد لوجدتموه اختلافًا على الدنيا وملذاتها، ووقوعًا في الفتن المتنوعة التي غزت مجتمعات المسلمين وبلادهم، من فتنة النساء إلى فتنة الأموال ونهاية بفتنة المآكل والمشارب، فوقعت الضغينة، ووقع الحقد بين أفراد الأسرة الواحدة. نسأل الله السلامة والعافية.
أيها المسلمون، ليقم كل واحد منكم بحقوق إخوانه المسلمين عليه، ومن ذلك السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإجابة الدعوة وأداء الأمانة ونشر المحبة والوئام وتحقيق التعاون على البر والتقوى، وأن يحب المرء المسلم لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، بعيدًا عن الأثرة والأنانية وحب الذات والحسد والحقد والبغضاء والغيبة والنميمة والشحناء بالأيمان الكاذبة وغيرها.
ليقم كل واحد منكم ـ يا عباد الله ـ بحقوق الوالدين، فإن حق الوالدين عظيم، قرنه الله سبحانه بحقه فقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] ، كما يجب أن يؤدي المسلم واجبه تجاه أقاربه وجيرانه من حيث الصلة والبر والإحسان، وليحذر من قطيعة الرحم فإن شؤمها عظيم وضررها كبير، يحل بصاحبه العقاب العاجل قبل الآجل، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22, 23] .
وإن مما يؤسف له أن هناك خللًا في العلاقات الاجتماعية بين كثير من الأقارب، فأين الرحمة عند هؤلاء والديانة؟! بل أين المروءة والإنسانية؟! وإذا كان هذا في حق الوالدين، فما بالكم بموقف هؤلاء من الأقارب والأرحام؟! فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22، 23] .
لقد وصل الحال ببعض الناس أن يمتلئ قلبه غيظًا وحقدًا على أقاربه وذوي رحمه، فيقاطعهم بل يعاديهم، ويخاصمهم بل يقاضيهم، ويتمنى لهم الموتَ الزؤام، من أجل أمر تافهٍ حقير، يتعلَّق بحفنة من الحطام أو وشاية غِرّ لئيم أو زلة لسان أو شجار بين الأطفال، فتمرُّ الأشهر والسنوات وقلبُه يغلي عليهم، ونفسه تموج غلًا ضدّهم كما يموج البركان المكتوم، فلا يستريح إلا إذا أرغى وأزبد وآذى وأفسد، وانبلجت أساريرُه بنشر المعايب وإذاعة المثالب، وسرد القبائح وذكر الفضائح، وتلك ـ لعمرو الحق ـ من دلائل الصغار واللؤم وخسّة الطبع وقلة المروءة لدى أقوام لا يتلذَّذون إلا بالإثارة والتشويش، ولا يرتاحون إلا بالتحريش والتهويش. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"المؤمن لا يطالب ولا يعاتب ولا يضارب".
إن غليانَ مراجل القطيعة في المجتمع لا سيما بين أبناء الأسرة وذوي الرحم والقربى وطغيان المآرب الشخصية والمصالح الذاتية أدواءٌ فتاكة إذا تمكَّنت من جسد الأمة أثخنتها، فهي مصدر كلِّ بلاء، وسبب كل عداء، ومنبع كلِّ شقاء، بل هي السلاح البتار الذي يشهره الشيطان ضدّ القلوب فيفرّقها والعلاقات فيمزِّقها، في غلياناتٍ شيطانية وهيجانات إبليسية، إن أُرخِيَ لها الزمام وأطلِق لها الخطام قضت على حاضر الأمة ودمّرت مستقبلَها، وإذا تنافر ودّ القلوب كُسِرت زجاجات التواصل، وتمكَّن الشرّ في النفوس، وعاد الناس ذئابًا مسعورةً ووحوشًا كاسرة، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء الدَّارِ [الرعد:25] .