فهرس الكتاب

الصفحة 957 من 3028

ما أحسبه متأكدا اليوم هو العمل على إرساء مؤسسة جامعية، دائرة الإحالة فيها تراثية إسلامية لكنها متسعة ومنفتحة على المعرفة الإنسانية بما يحقق معاصرتها. مثل هذا الجانب قادر -إن اعتمد في الزيتونة وفي القرويين- على أن يعيد للمؤسستين ما افتقدتاه من ثقة الجمهور والنخب على السواء.

لقد كانت المؤسستان ولفترات طويلة وبنسب متفاوتة تعبران عن نبض الهوية الحية في مجتمعها، كان الشيوخ في رحاب المؤسستين مصدرا للمعرفة وصورة من صور الإبداع الفكري، ومركزا لتوازن المجتمع ونموه. أما حين تراجع أداء المؤسسة وانحسرت دائرة العلم والفكر فيها عندئذ فقد الشيوخ ظلهم في الواقع فتحول مؤهلهم إلى عائق، ودخلت المؤسستان في طور من التهميش أفقدهما القدرة على المساهمة مع غيرهما من المؤسسات لمواجهة تحديات العصر وتوظيف مؤهلاتهما، ولتفادي أزمات التغيير بأقل هزات ممكنة.

الجامعات.. معاصرة أم غزالية؟

تؤكد جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية في قسنطينة بالجزائر بعض الخصائص التي توصلنا إليها مع الجامعتين السابقتين، ولكنها رغم حداثة إنشائها فإنها تمكنت من إضافة جوانب انفردت بها عن الزيتونة والقرويين.

منذ الانطلاق سنة 1984 جاء الإعلان عن افتتاح جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة مؤسسة عمومية تخضع لوزارة الجامعات. أما أهدافها فهي مزدوجة؛ إذ هي تعتني -من جهة- بنشر المعارف الإسلامية وتطوير البحث وتحقيق المخطوطات وتنمية الروح العلمية، لكنها من جهة ثانية ذات رسالة تمكن المتخرج من مسايرة"متطلبات العصر ومواجهة الغزو الثقافي الهدام".

من أجل تحقيق هذه المهام وضعت للجامعة هيكلة عصرية يمثلها رئيس الجامعة المعين بمرسوم رئاسي، وأمين عام لها مع نيابات الإدارة ومجلس علمي. تقوم هذه الهيكلة على سير الدروس والامتحانات في المعاهد الثلاثة: معهد الدعوة وأصول الدين ومعهد الشريعة ومعهد الحضارة الإسلامية. يضاف إلى هذا أن الجامعة رصدت اعتمادات مالية مهمة، خاصة في السنوات الأولى للتعاقد مع هيئة تدريس كانت غالبية عناصرها وافدة من المشرق العربي (مصر- العراق- فلسطين- سوريا) ومن تونس.

بهذا الإنشاء عبرت السلطة السياسية بالجزائر عن اختيار إستراتيجي واضح يتمثل في ضرورة بعث جامعة إسلامية بصفتها مكونا أساسيا من مكونات السيادة الوطنية.

إذا نظرنا في البرامج اتضحت لنا الخصوصية المعرفية منزّلة ضمن بناء وثوقي ودعوي. نلاحظ ذلك بصفة جلية في برامج السنوات الثلاث من معهد الشريعة بمختلف أقسامه فهو يركز على تفريع مسائل التراث الفقهي وتكثيف مادته دون حرص موازٍ على تأريخه وتمكين الطالب من نظرة نقدية له. لذلك نصت البرامج الرسمية على دراسة فقه المعاملات على مذهب الإمام مالك مع تركيز على آيات الأحكام وأحاديثها ثم ربط ذلك بأصول الفقه. هذا إلى جانب مدخل إلى الاقتصاد الإسلامي.

إذا تأملنا المواد الرئيسية في المعهدين الآخرين كالفقه والعقيدة والتفسير والحديث وجدنا أن مسائل هذه المواد كلها تنطلق من مداخل تقوم على تعاريف مدرسية مشفوعة بتفريعات تعتمد المنهج التقريري الذي يتجاهل المعالجة التاريخية ولا يهتم بالطرح الإشكالي. نجد مثلا أن برامج علوم الحديث للسنة الأولى في الجذع المشترك تنص على الموضوعات التالية: التعريف بالسنة لغة واصطلاحا- السنة وعمل الصحابة- السنة والبدعة- الحديث والخبر والأثر- الحديث القدسي- المتن والسند لغة وشرعا- السنة تشريع وغير تشريع- مكانة السنة من التشريع. أما برنامج السنة الثالثة لمادة أصول الفقه فينص على: الإجماع- تعريفه لغة واصطلاحا- إمكانية الإجماع وحجيته- عرض أدلة المنكرين ومناقشتها- أنواع الإجماع- القياس تعريفه في اللغة والاصطلاح- حجية القياس.

تكشف لنا المواد الأخرى ذات الصلة بالواقع المعاصر جانبا أوضح لمفهوم المعاصرة عند واضعي المناهج في جامعة الأمير عبد القادر: إنها تعني الاهتمام بقضايا عصرية مقدمة في ثوب دعوي- إيديولوجي. لو اقتصرنا مثلا على السنة الرابعة فإننا نجد أن معهد الدعوة وأصول الدين- قسم العقيدة وقسم الدعوة والإعلام، يقرر مادة"الاستشراق والتنصير"لإثبات نوع من التلازم بين أمرين لا ندري كيف يمكن أن يقره تكوين جامعي غير متحيز.

إلى جانب ذلك نقف على مادة تربط بين"الفرق الإسلامية والحركات الهدامة المعاصرة"وهو ربط فيه الكثير مما يقال علميا، خاصة لما فيه من الإيحاء بلزوم إدانة التعدد الموجود في الفرق القديمة من خلال ما هو ثابت من تخريب حركات حديثة ثم ما وراء ذلك مما يترسب من دعم لمنهج"أحادية الفهم".

في قسم الدعوة والإعلام، معهد الدعوة وأصول الدين: نجد مادة علم الاجتماع من منظور إسلامي بما يفيد اعتماد مقولة"أسلمة المعرفة". أما في معهد الحضارة الإسلامية- قسم اللغة العربية والدراسات القرآنية فإن عناوين المواد واضحة في توجهها"الملتزم"، لذلك قررت مسألة الأدب الإسلامي المعاصر، وفي نفس المعهد من قسم التاريخ والحضارة الإسلامية تدرس مادة الاستعمار الأوربي والتبشير في إفريقيا وآسيا وأوربا. يتضح نفس المسار في السنة الثانية معهد الدعوة وأصول الدين فيدرس نظام الحكم بين الإسلام والغرب، مشكلة التنمية والتبعية التكنولوجية، والجهاد ومشكلة الصهيونية، وأخيرا البديل الإسلامي والمشروع التغريبي.

السؤال الذي يتبادر للذهن عند النظر في هذه البرامج وفي جل المراجع التي حددت لها هو: هل يمكن التوصل إلى معاصرة حقيقية عبر هذا التوجه"الملتزم"بمواقف الدفاعية، وهل يمكن للمنهج التلقيني أن يرشد الإيمان ويجذر الهوية؟.

ما يبدو لنا أولى بالعناية من أجل تكوين نخب معاصرة في جامعة مثل جامعة الأمير عبد القادر وفي قُطْر انتزع استقلاله بتضحيات لم يسبقه إليها قطر عربي أو إسلامي آخر هو تجنب النزعة الخطابية والأحكام المسبقة.

كيف يمكن مثلا ضمن برامج مقررة في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين أن نقرر دراسة تعتمد التلقين المذهبي [المذهب المالكي] الذي قد يكون له ما يفسره في الماضي البعيد أو القريب، إلا أنه لا يمكن أن يتواصل في جامعة مدركة لتحديات العصر وعوامل التحول في العالم الإسلامي.

ثم كيف يتحقق تكوين جامعي في جامعة إسلامية معاصرة مع تجاهل لمادة الفلسفة ومادة التاريخ والفكر التاريخي والدراسات المقارنة؟.

كيف يمكن أن نطمئن إلى مضامين تهمل التنسيب في خصوص الحديث عن الاتجاهات الفكرية كالاستشراق، وعن الديانات المختلفة فتسارع إلى جاهزية المواقف والأحكام؟.

ما يلاحظ أيضا في نفس المقررات التي اطلعنا عليها هو ورود عناوين لا يمكن إدراجها في المسافات المعرفية الجامعية؛ لأنها ما تزال بحاجة إلى الدرس والبحث مثل مادة الاقتصاد الإسلامي أو علم الاجتماعي الإسلامي. المجال الذي يمكن لهذه المسائل أن تطرح فيها هو مراكز بحث أو ملتقيات علمية متخصصة، أما الجامعة الإسلامية فلا ينبغي لها أن تخوض في مسائل لم تحدد معالمها النظرية أو كانت مجرد شعارات للاستهلاك المحلي.

إن ما عرضناه من نماذج المنهج التكويني في جامعة الأمير عبد القادر كما نصت عليها الوثائق المعتمدة في بداية العقد الأخير من القرن الماضي يدل على فهم خاص للمعاصرة في أحدث جامعة إسلامية بالمغرب العربي.

ما هو أهم مأخذ على تدريس"جامعي"له هذا المنحى؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت